قوله تعالى : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً واتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً هو نظير قوله : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً [ النحل : ١٢٣ ]، وهذا يوجب أن كل ما ثبت من ملة إبراهيم عليه السلام فعلينا اتّباعه.
فإن قيل : فواجب أن تكون شريعة النبي صلى الله عليه وسلم هي شريعة إبراهيم عليه السلام. قيل له : إن ملة إبراهيم داخلة في ملة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ملة نبينا صلى الله عليه وسلم زيادةٌ على ملة إبراهيم ؛ فوجب من أجل ذلك اتّباع ملة إبراهيم، إذْ كانت داخلة في ملّة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان متبع ملة النبي صلى الله عليه وسلم متبعاً لملة إبراهيم.
وقيل في الحنيف : إنه المستقيم، فمن سلك طريق الاستقامة فهو على الحنيفية. وإنما قيل للمعوج الرِّجْلِ " أحنف " تفاؤلاً، كما قيل للمهلكة مفازة وللَّدِيغ سليماً.
وقوله : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً فإنه قد قيل فيه وجهان، أحدهما : الاصطفاء بالمحبة والاختصاص بالإسرار دون من ليس له تلك المنزلة. والثاني : أنه من الخلّة، وهي الحاجة، فخليل الله المحتاج إليه المنقَطعُ إليه بحوائجه ؛ فإذا أريد به الوجه الأول جاز أن يقال إن إبراهيم خليل الله والله تعالى خليل إبراهيم، وإذا ريد به الوجه الثاني لم يجز أن يوصف الله بأنه خليل إبراهيم وجاز أن يوصف إبراهيم بأنه خليل الله.
أحكام القرآن
الجصاص