الآية ١٢٥
وقوله تعالى : ومن أحسن دينا ممن أسم وجهه لله وهو محسن الآية يحتمل وجهين :
أحدهما :١ من أحسن دينا ( من )٢ المسلمين من٣ يعمل جميع عمله موافقا لدينه( أم من )٤ لم يفعل شيئا ؟ وهو كما روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لو وزن إيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه بإيمان جميع أمتي لرجح إيمانه " ( ابن عدي في الكامل ٥/٣٣٥ )، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هو قوي في دينه ضعيف في بدنه ". ألا ترى أنه خرج لمقاتلة أهل الردة وحده، وذلك لقوته في الدين وصلابته فيه لا لزيادة الإيمان ولا لنقصان إيمان في غيره ؟ والله أعلم.
والثاني : مقابلة سائر الأديان ؛ أي ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ممن لم يسلم وجهه لله إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.
وقوله تعالى : أسلم وجهه لله وهو محسن عن الحسن ( أنه قال )٥ ( جميع جهة أمره إلى الله، جميع ما يعمل إنما يعمل لله لا يعمل لغير الله ). وقيل : أسلم وجهه لله أي أخلص نفسه لله، ولا يجعل لأحد فيها شركا كقوله تعالى : ورجلا سلما لرجل الآية ( الزمر : ٢٩ ) أي يسلم نفسه له، والله أعلم.
وقوله تعالى : أسلم وجهه لله وهو محسن يحتمل وجهين : يحتمل قوله أسلم وجهه لله يحسن ما يعلم أن جميع ما يعمل لعلم ( له )٦ فيه، ويحتمل قوله أسلم وجهه لله من الإحسان، وهو أن يريد العمل على المفروض عليه ؛ يؤدي المفروض عليه، ويزيد على ذلك أيضا.
وقوله تعالى : واتبع ملة إبراهيم حنيفا الملة : قيل : هي الدين، وقيل : الملة السنة أقرب لأن دين الأنباء عليه السلام /١١٥-أ/ كلهم واحد ؛ لا يختلف دين إبراهيم عليه السلام ودين غيره من الأنبياء عليهم السلام.
وأما السنن والشرائع فيجوز أن تختلف. ألا ترى أنه روي في الخبر : " ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي( بعض الأخبار )٧. " سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " جعل السنة تفسير الملة، فالملة بالسنة أسبه، ثم خص ملة إبراهيم عليه السلام، لأن سنته كانت توافق سنن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؟
وقوله تعالى : حنيفا قيل : مخلصا، وقيل : سمي حنيفا أي مائلا إلى الحق ؛ ولذلك سمي الأحنف أحنف لميل أحدى ٨ قدميه إلى الأخرى، والله أعلم.
وقوله تعالى : واتخذ الله إبراهيم حنيفا ذكر في بعض الأخبار أن الله عز وجل أوحي إلى إبراهيم : أن لي خليلا في الأرض، فقال : يا رب من هو ؟ قال : فأوحى الله تعالى إليه : لم ؟ أي لم تسألني عنه ؟ قال : حتى٩ أحبه، وأتخذه كما اتخذته خليلا، أو كلام نحو هذا، فقال : أنت يا إبراهيم.
وأصل الخلة : المنزلة والرفعة والكرامة ؛ يقول : واتخذ الله إبراهيم خليلا أي جعل له عنده منزلة وكرامة لم يجعل مثلها١٠ لأحد من الخلائق لما ابتلاه الله ببلايا، وامتحنه بمحن لم يبتل ( أحد بمثلها )١١، فصبر عليها ؛ من ذلك ما ألقي في النار، فصبر، ولم يستعن بأحد سواه، وما أتلي بذبح ولده، فما أفجعه، وما أمر بترك أهله وولده الطفل في جبال مكة ؛ لا ماء هنالك، ولا زرع، ولا نبات، ففعل، ومن ذلك أمر المهاجرة مما يكثر ذلك، فجائز تخصيصه بالخلة لذلك، والله أعلم.
وجائز أن يكون ذلك كرامة أكرمه الله بها لأن أهل الأديان كلهم ينتسبون إليه، ويدعون أنهم على دينه. وعلى ذلك يخرج قولنا١٢ : اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ( البخاري : ٣٣٧٠ ). قيل : خص هو بهذين الوجهين اللذين ذكرتهما في الخلة ( والملة )١٣. وقيل : إنه اتخذه خليلا لأنه كان يعطي، ولا يأخذ، وكان يجب الضيف، وكان لا يأكل وحده، وإن بقي طويلا، والله أعلم بذلك.
وأصل الخلة ما ذكرنا من الكرامة والمنزلة لأن من يحب آخر يبره، ويكرمه. ومن لا يحبه يعاديه، ويظهر له الجفاء، ولا قوة إلا بالله.
واختلف في المعنى الذي وصف عليه السلام بالخلة أنه خليل الله ؛ فقد قيل : بما سخت نفسه في بذل كل لذة من لذات الدنيا لله ؛ ( إذ يبيت )١٤ في مكان إتيان الأضياف وأبناء السبيل، وكان لا يأكل وحده، وكانت عادته التقديم بكل ما يتهيأ به عند نزول الأضياف عليه، والابتداء بذلك قبل كل أمر، والقيام للأضياف مع عظم منزلته. أيد ذلك أمر الملائكة الذين١٥ جاؤوه بالبشارة، والله أعلم.
وقيل : إنما امتحنه الله بأمور، فصبر عليها، نحو النار : ألقي فيها١٦، وذبح الولد وبذل الأهل والولد لله، حيث لا ضرع ولا زرع، ولا ماء، وغير ذلك مما أكرمه الله تعالى بالثناء عليه بوفاء ما امتحن ( به وإتمام )١٧ ما ابتلي : في ١٨ قوله تعالى : وإبراهيم الذي وفى ( النجم : ٣٧ )، وفي قوله تعالى : وإذا تتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ( البقرة : ١٢٤ ). وفي ما حاج فرعون وجميع قومه، ( وجادلهم في ما )١٩ يعبدون، فغلهم، وألزمهم حجة الله، وغير ذلك من وجوه المحن.
وقيل : بما به كان بدء البيت الذي جعله الله قياما للناس ( المائدة : ٩٧ ) ومأمنا للخلق ومثابا لهم ٢٠ ومنسكا، فعظم شأنه في ما بالخلق إليه حاجة في أمر الدين. وعلى ذلك أكرمه الله تعالى بميل القلوب وإظهار التدين بدينه من جميع أصناف أهل الأديان، والله أعلم.
وقيل : إنما هي خصائص في أهل من الرسل وأولي٢١ العزم منهم ؛ اختصم بأسماء عرفن من الفضائل والكرامات نحو القول بكليم الله وروح الله وذبيح الله وحبيب الله. فعلى ذلك كان لإبراهيم عليه السلام خصوصية في الاسم، فسماه خليلا.
فنحن نقول، وبالله التوفيق : ونحن نعلم بأن الله تعالى :( لم يسمه )٢٢ بالذي ذكر عبثا باطلا، ولكنه سماه به تعظيمات لقدره وإظهارا لكرامته وبيانا لمنزلته عنده لمن شاء من الوجوه التي لعلها لم يطلع عليها ( أحد )٢٣ من الخلق، ولا يحتمل أن يدرك ذلك إلا بالوحي. فحق ذلك علينا تعظيمه ومعرفته بالذي اختصه الله، واصطفاه دون تكلف المعنى الذي له كان ذلك مع لا وجه، ولا معنى، صار حقيقة ذلك وأكرم إلا بمعنى أكرمه الله. وأكرمه( الله بفضله )٢٤ ورحمته. والله أن يبتديه بالخلة، ثم يكرمه بأنواع الكرامات التي لديها تقع كرامة الخلة، وتصلح. ولله المن في ذلك والفضل، وعلينا الحمد لله والشكر بما ( أنعمن علينا )٢٥ من معرفة كرام خلقه، وجعل في قلوبنا مودتهم، حتى صاروا بفضل الله ورحمته أحب إلينا من أمس الخلق بنا بل من أنفسنا، ولا قوة إلا بالله.
ثم ليس للنصارى ادعاء النبوة لله من حيث الكرامة على الاعتبار بالخلة لأن الله سبحانه وتعالى عظم أمر الأولاد حتى جعله كالشرك، ولا كذلك أمر الخلة، ولأن أمر الأولاد، حفه المجانسة، وللخلة حق الموافقة.
ثم ( الأصل : في )٢٦ الأولاد الشهوة والحاجة( وفي الخلة )٢٧ الطاعة والتعظيم، مما رجع أحد الوجهين إلى شهوة الولد وحاجته، والآخر إلى تعظيم يكون من ذلك العبد وتبجيله والطاعة له والخضوع.
ثم الأصل أن المعنى الذي يقتضيه الخلة قد يجوز أن يظفر كل بالطاعة، وإن كان الاسم له في حق النهاية، نحو قوله تعالى : إن الله يحب التوابين الآية ( البقرة : ٢٢٢ ) وقوله تعالى : فاتبعوني يحبكم الله ( آل عمران : ٣١ ) والمحبة قريبة من الخلة. ومحال أن يحق معنى الأولاد والنبوة بشيء من الطاعة، لذلك اختلف الأمران، والله أعلم.
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: ممن..
٤ في الأصل وم: ممن يعمل بل الذي عمل بجميع عمله موافقا لدينه أحسن دينا من الذي..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل وم: بعضها..
٨ في الأصل وم: أحد..
٩ في الأصل وم: من..
١٠ في الأصل وم: مثله..
١١ في الأصل وم: بمثله..
١٢ في الأصل وم: قوله..
١٣ ساقطة من الأصل وم..
١٤ في الأصل وم: بيتوا..
١٥ من م، في الأصل: الذي..
١٦ من م، في الأصل: الله..
١٧ في الأصل وم: إتمام..
١٨ في الأصل وم: من..
١٩ في الأصل وم: ويجادلهم في من، وهو إشارة إلى قوله تعالى:وحاجه قومه قال(الأنعام: ٨٠)..
٢٠ إشارة إلى قوله تعالى:وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا(البقرة: ١٢٥)..
٢١ في الأصل وم: وأولوا، والإشارة إلى قوله تعالى:أولوا العزم من الرسل(الأحقاف: ٣٥).
٢٢ في الأصل وم: لا يسميه..
٢٣ ساقطة من الأصل وم..
٢٤ في الأصل وم: بفضل الله..
٢٥ في الأصل ومن: أنعمنا..
٢٦ في الأصل وم: أصل، في م: الأصل..
٢٧ في الأصل وم: والخلة..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم