وقوله تعالى: وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا قال ابن السكيت: النقير النكتة التي في ظهر النواة (١).
وقال أبو الهيثم: النقير نقرة في ظهر النواة، منها تنبت النخلة (٢).
ونحو هذا قال المفسرون، قال ابن عباس: يريد لا ينقصون قدر منبت النواة (٣).
قالوا: وهذا مبالغة في نفي الظلم، ووعد تبوءٍ فيه جزاء أعمالهم من غير نقصان (٤).
١٢٥ - قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ذكرنا معنى بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ في سورة البقرة [: ١١٢].
وقال ابن كيسان في هذه الآية: يعني من توجه بعبادته إلى الله خاضعًا له (٥).
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - (٦). وقوله تعالى: وَهُوَ مُحْسِنٌ، أي: موحِّد (٧).
قال ابن عباس: يريدُ وهو يوحِّدُ الله لا يُشْرِكُ بِهِ شيئًا (٨).
(٢) المرجع السابق.
(٣) لم أجده عن ابن عباس في تفسيره هذِه الآية إلا ما جاء بنحوه في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٨، لكن ثبت عنه تفسير النقير عند قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) [النساء: ٥٣] قال: "نقيرًا": "النقطة التي في ظهر النواة" "تفسيره" ص ١٥٠، وأخرجه الطبري ٥/ ١٣٦.
(٤) انظر: الطبري ٥/ ٢٩٧.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٥ أ.
(٨) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٢١١، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٨.
وهذا كما ذكرنا في سورة البقرة (١)، وإنما شرط في إسلام الوجه لله أن يكون محسنًا، لأن اليهود والنصارى يقرُّون بالانقياد لأمر الله وهم غير محسنين، فلا يستحقون الأجر.
قال العلماء: وإنِّما صارَ الإسلامُ أحسنَ الأديانِ، لأنَّ طاعةَ الله أحسن الأعمالِ التي تكونُ من العباد، لما فيها من عبادة من لا يضيع عنده مثاقيل الذرِّ، ومَنْ لا يضيق ملكه عن شيء، فلهذا كان لا أحد أحسن دينًا ممَنْ أسلَمَ وجهَهُ لله بطاعته والانقيادِ لأمره.
وقوله تعالى: وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا.
يجوز أن يكون حَنِيفًا حالًا لإبراهيم، ويجوز أن يكون حالًا للمتَّبع (٢)، كما تقول: رأيته راكبًا، جاز أن يكون الراكب حالًا للمرئي والرائي.
وملة إبراهيم داخلة في ملتنا، وفي ملتنا زيادة على ملة إبراهيم، فمن ملة إبراهيم الكلمات العشر في قوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة: ١٢٤] (٣).
(٢) انظر: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٢٠٨، و"الكشاف" ١/ ٣٠١، و"الدر المصون" ٤/ ٩٨.
(٣) قال المؤلف في "الوسيط" ١/ ٢٠١: "وأكثر المفسرين قالوا في تفسير الكلمات: إنها عشر خصال عن السنة، خمس في الرأس وخمس في الجسد، فالتي في الرأس: الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك. والتي في الجسد: تقليم الأظافر، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، ونتف الرفغين" ا. هـ والفرق لشعر الرأس، والرفغين: الأبطين. وأنظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٧٦، و"أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٦، وابن كثير ١/ ٦١٦.
قال ابن عباس: "ومن دينِ إبراهيمَ: الصَّلاة إلى الكعبةِ، والطواف بها، والسَّعي، والرَّمي، والوقُوف، والحلق" (١). فمن أقرَّ بهذا مع الزيادة التي أتى بها نبينا صلوات الله عليه فقد اتبع دينَ إبراهيم.
وقوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا قال أبو بكر بن الأنباري: الخليلُ معناه في اللغة المُحب الكامل المحبَّةِ، والمحبوب الموفي حقيقة المحبة، اللذان ليس في حبِّهما نقصٌ ولا خللٌ، فتأويل قوله: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا واتخذ الله إبراهيم محبًا له خالص الحب ومحبوبًا له (٢)، وشرّفه بلزوم هذا الاسم له الذي لا يستحق مثله إلا أنبياؤه ومن يشرف الله ويرفع قدره.
قال (٣): وقال بعض أهل العلم: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا أي فقيرًا إليه لا يجعل فقره وفاقته إلى غيره، ولا ينزل حوائجه بسواه (٤).
فالخليلُ على هذا القولِ فعيلٌ من الخلّة بمعنى الفقر، قال [زهير] (٥):
| وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ | يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (٦) |
(٢) من "الزاهر" لابن الأنباري ١/ ٤٩٣ - بتصرف-.
(٣) أي ابن الأنباري.
(٤) من "الزاهر" ١/ ٤٩٣، ٤٩٤ بتصرف، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٢١٢.
(٥) ما بين المعقوفين في المخطوط: "ابن نمير" والتصويب من "الزاهر" ١/ ٤٩٣، والبيت لزهير بن أبي سلمى كما سيأتي تخريجه.
(٦) شعر زهير بن أبي سلمى ص ١٠٥، و"الزاهر" ١/ ٤٩٣، و"معاني الزجاج" ٢/ ١١٢.
(٧) "الزاهر" ١/ ٤٩٤.
ونحو هذا قال الزجاج، (...) (١) والمحب الذي ليس في محبته خلل، فجائز أن يكون إبراهيم سمي خليل الله؛ لأنه الذي أحبه محبة تامة، وأحب الله هو محبة تامة (٢). قال: وقيل: الخليل الفقير، فجائز أن يكون سمي فقير الله، أي الذي يجعل فقره وفاقته إلى الله جل وعز مخلصًا في ذلك (٣).
والخلة: الحاجة، من الإخلال الذي يلحق الإنسان، والخُلّة الصداقة، لأن كل واحد من الخليلين يسد خلل صاحبه في المودة والحاجة إليه.
فهذان القولان ذكرهما جميع أهل المعاني (٤)، والاختيار هو الأول (٥)، لأن الله جل وعز خليل إبراهيم، وإبراهيم خليل الله، ولا يجوز أن يقال: الله خليل إبراهيم من الخلة التي هي الحاجة، ولأن ابن عباس قال في قوله: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا صفيًا بالرسالة والنبوة (٦)؛ ولأن جميع أهل المعاني ذكروا في سبب تسمية إبراهيم خليل الله: أنه لما صار الرمل الذي أتى به غلمانُه دقيقًا، قالت له امرأته: هذا من عند خليلك المصري؛ قال إبراهيم: هذا من عند خليلي الله. والقصة مشهورة (٧).
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١١٢، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٥ ب.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١١٢، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٦ أ.
(٤) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٦ أ.
(٥) انظر: البغوي ٢/ ٢٩٢.
(٦) في " الكشف والبيان" ٤/ ١٢٥ ب من رواية الكلبي، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٨.
(٧) حاصل هذه القصة: أن إبراهيم عليه السلام أصابته حاجه فذهب يطلب الطعام عند خليل =
وقال شهر بن حوشب: إن الله قال للملائكة: إن لي في الأرض عبدًا يقال له: إبراهيم، إني أريد أن أتخذه خليلًا. (فقالت الملائكة: نحن نسبح بحمدك ونقدس لك فلا تتخذ منا خليلًا) (١) وتتخذ من ابن آدم خليلًا. فقال الله: اختاروا منكم. فاختاروا، وأهبطه الله إلى الأرض، وقال: اذكرني بين يدي عبدي إبراهيم. وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي، فقال إبراهيم: اذكره مرة أخرى، قال: لا أذكره مجانًا. قال: لك مالي كله فاذكره. فقال الملك بصوت أشجى من الأول: الله. فقال إبراهيم: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي. فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك، وقص عليه القصة، وعرج إلى السماء، وأخبر الملائكة، فقال الملائكة: حق له أن يتخذه الله خليلًا (٢).
وقال طاوس عن ابن عباس: إن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان وضاء الوجوه، فظن الخليل أنهم أضياف، وحنذ لهم عجلًا سمينًا، وقربه إليهم وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله
ذكرها الطبري ٥/ ٢٩٧ - ٢٩٨، و"الزجاج" ٢/ ١١٣، والسمرقندي في "بحر العلوم" ١/ ٣٩١، والثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٥ ب.
وهذِه القصة من رواية الكلبي عن ابن عباس وهو متروك. انظر: البغوي ٢/ ٢٩٢، قال ابن كثير ١/ ٦١٧: "وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًا لا يُصدَّق ولا يُكذب".
(١) تكرر ما بين القوسين في المخطوط.
(٢) لم أقف عليه.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي