ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا١٢٣ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا١٢٤ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا١٢٥ ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا ١٢٦ .
روى غير واحد عن مجاهد أنه قال قالت العرب : لا نبعث ولا نحاسب وقالت اليهود والنصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات فأنزل الله ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به .
وعن مسروق قال احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال المسلمون : نحن أهدى منكم وقال أهل الكتاب : نحن أهدى منكم فأنزل الله هذه الآية.
وعن قتادة قال : ذكر لنا أن المسلمون وأهل الكتاب افتخروا فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون : نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فانزل الله ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ـ إلى قوله ـ ومن أحسن دينا الآية فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان.
وعن السدي : التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقالت اليهود للمسلمين : نحن خير منكم ديننا قبل دينكم وكتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم ونحن على دين إبراهيم ولن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون : كتابنا بعد كتابكم ونبينا بعد نبيكم وديننا بعد دينكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم، فنحن خير منكم ـ نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا، فرد الله عليهم قولهم فقال : ليس بأمانيكم الخ.
وعن الضحاك وأبي صالح نحو ذلك بل روى ابن جرير نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذكروا أن الآيات الثلاث نزلت في ذلك.
ولما بين تعالى أن أمر النجاة بل السعادة منوط بالعمل الإيمان معا أتبع ذلك ببيان درجة الكمال في ذلك وهو الدين القيم فقال : ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن أي لا أحد أحسن دينا ممن جعل قلبه سلما خالصا لله وحده لا يتوجه إلى غيره في دعاء ولا رجاء، ولا يجعل بينه وبينه حجابا من الوسطاء والحجاب، بل يكون موحدا صرفا لا يرى في الوجود إلا الله وآثار صفاته وسننه في ربط الأسباب بالمسببات، فلا يطلب شيئا إلا من خزائن رحمته، ولا يأتي بيوت هذه الخزائن إلا من أبوابها وهي السنن والأسباب، ولا يدعو معه ولا من دونه أحدا في تيسير هذه الأسباب، وتسهيل الطرق وتذليل الصعاب، وهو مع هذا الإيمان الخالص، والتوحيد الكامل، محسن في عمله، متقن لكل ما يأخذ به، متخلق بأخلاق الله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء صنعه.
واتبع ملة إبراهيم حنيفا أي واتبع في دينه ملة إبراهيم حنيفا أي حال كونه حنيفا مثل إبراهيم، أو حال كون إبراهيم حنيفا، أي اتبعه في حنيفيته، التي كان عليها وهي ميله عن الوثنية وأهلها، وتبرؤه مما كان عليه أبوه وقومه منها، إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون أي جعل البراءة من الشرك ونزعاته وتقاليده والاعتصام بالتوحيد الخالص كلمة باقية في عقبه يدعو إليها النبيون والمرسلون منهم.
الأستاذ الإمام : تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغالهم بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبين أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان، وأما الإحسان فهو إحسان العمل خلافا للجلال فيهما إذ عكس واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله عز وجل : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [ الشورى : ١٣ ] فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله.
واتخذ الله إبراهيم خليلا أي اصطفاه لتوحيده وإقامة دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم فكان إبراهيم خالصا مخلصا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلا، وإذا أراد الله أن يكرم عبدا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالها له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط اه.
أقول : يطلق الخليل بمعنى الحبيب أو المحب لمن يحبه إذا كانت هذه المحبة خالصة من كل شائبة بحيث لم تدع في قلب صاحبها موضعا لحب آخر، وهو من الخلة ( بالضم ) أي المحبة والمودة التي تتخلل النفس وتمازجها كما قال الشاعر :
| قد تخللت مسلك الروح مني | وبه سمي الخليل خليلا |
تفسير المنار
رشيد رضا