ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

ومَن أحسن دينًا ممّن أسلم وجهه لله أي : لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بكليته إلى مولاه وهو محسن أي : مُوَحَّدٌ أحسَنَ فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين عباد الله، واتبع ملة إبراهيم حنيفًا بأن دخل في الدين المحمدي الذي هو موافق لملة إبراهيم بل هو عينه، فمن ادعى أنه على ملة إبراهيم ولم يدخل فيه فقد كذب.
ثم ذكر ما يحث على اتباع ملته، فقال : واتخذ الله إبراهيم خليلاً أي : اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، وإنما أعاد ذكره ولم يضمر ؛ تفخيمًا له وتنصيصًا على أنه الممدوح، وسمي خليلاً لأنه قد تخللت محبة الله في جميع أجزائه.
رُوِي أن إبراهيم عليه السلام كان يضيف الناس، حتى كان يسمى أبا الضيفان، وكان منزله على ظهر الطريق، فأصاب الناسَ سَنَةٌ، جهدوا فيها، فحشد الناسُ إلى باب إبراهيم، يطلبون الطعامَ، وكانت الميرة كل سنة تصله من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي له بمصر يسأله الميرة، فقال لغلمانه : لو كان إبراهيم يريد لنفسه احتملت له ذلك، ولكنه يريد للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناس، فرجع الرسل إليه، ومرّوا ببطحاء لينة، فملؤوا منها الغرائر حياء من الناس، وأتوا إبراهيم فأخبروه، فاهتم إبراهيم لمكان الناس ببابه، فنام، وكانت سارة نائمة فاستيقظت، وقالت : سبحان الله ! أما جاء الغلمان ؟ فقالوا : بلى، فقامت إلى الغرائر فإذا فيها الحُوَّارَى أي : الخالص من الدقيق فخبزوا وأطعموا ؟ فاستيقظ إبراهيم، وشم رائحة الخبز، فقال : يا سارة. من أين هذا ؟ فقالت : من عند خليلك المصري، فقال : هذا من عند خليلي الله عز وجل، فحينئذ سماه الله خليلاً.
قال الزجاج : ومعنى الخليل : الذي ليس في محبته خَلَ، أو لأنه ردَّ خلَته، أي : فقره إلى الله مخلصًا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : على قدر المجاهدة والمكابدة تكون المعاينة والمشاهدة، على قدر البدايات تكون النهايات، من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، والجزاء على العمل يكون على قدر الهمم، فمن عمل لجنة الزخارف مُتع بها، ومن عمل لجنة المعارف تنعم بها، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [ الكهف : ٤٩ ]، فمن انقاد إلى الله بكليته إلى مولاه فلا أحد أحسن منه عند الله، ومن تمسك بالملة الحنيفية، وهي الانقطاع إلى الله بالكلية ـ فقد استمسك بالعروة الوثقى، وكان في أعلى ذروة أهل التقى، من تخلق بخلق الحبيب كان أقرب إلى الله من كل قريب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير