ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله يعني أخلص نفسه لله بحيث لا يكون لقلبه تعلقا عليما ولا حبيا بغيره تعالى ويكون نفسه وقلبه وقالبه منقادا لأوامره تعالى منتهيا عن مناهيه لا يثبت لنفسه ولا لغيره في دائرة الإمكان لشيء من الأشياء وجودا متأصلا فضلا عن اتخاذه معبودا أو محبوبا أو موجودا بوجود مستقل بنفسه، وفي هذا الاستفهام إشارة إلى أن ذلك غاية مبلغ الكمال وهو محسن آت بالحسنات تارك للسيئات متصف بدوام الحضور والإخلاص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال :" جبرائيل ما الإحسان ؟ أن تعبد ربك كأنك تراه فإن لن تكن تراه فإنه يراك " ١ متفق عليه من حديث عمر رضي الله عنه واتبع ملة إبراهيم خص إبراهيم عليه السلام بالذكر، مع أن دين الأنبياء كلهم واحد وهو صرف نفسه وأعضائه وقواه ظاهرا أو باطنا في مرضاة الله تعالى مشتغلا به تعالى معرضا عن غيره تعالى لاتفاق جميع الأمم على كونه نبيا حقا حميدا في كل دين، ولكون دين الإسلام موافقا لشريعة إبراهيم عليه السلام في كثير من فروع الأعمال كالصلاة إلى الكعبة والطواف بها ومناسك الحج والختان وحسن الضيافة وغير ذلك من كلمات ابتلاه الله تعالى بها فأتمهن حنيفا حال من إبراهيم أو من الملة أو من المستكن في واتبع يعني مستقيما على الطريق الحق مائلا عن الطرق الباطلة، وصف إبراهيم به لأنه استقام على الإسلام واعتزل عن عبادة الأصنام مع ما كان أبوه وقومه عاكفين على عبادتهن واتخذ الله إبراهيم خليلا صديقا صافي المحبة والخلة مشتق من الخلال فإنه ود يخلل النفس ويخالطها، وقيل من الخلل فإن كل واحد من الخليلين يسد خلل الآخر، وقال الزجاج الخليل الذي ليس في محبته خلل أو من الخل وهو الطريق في الرمل فإنهما يتوافقان في الطريق أو من الخلة بمعنى الخصلة فإنهما يتوافقان في الخصال، وقيل : هو من الخلة بمعنى الحاجة فإن كل واحد من الخليلين يحتاج إليه صاحبه، قيل : سمي إبراهيم خليلا أي فقيرا إلى الله لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلا إلى الله تعالى. روي عنه عليه السلام أنه لما ألقي إلى النار جاءه جبرائيل فقال : هل لك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا، فقال : سل ربك، قال حسبي عن سوالي عمله بحالي. فإن قيل : لا يستقيم هذا المعنى فإنه قوله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا يقتضي الخلة من الجانبين ولا يتصور الحاجة من الجانبين ؟ قلنا : قد عرفت في هذا الكتاب أن أسماء الله تعالى وصفاته يؤخذ باعتبار الغايات دون المبادئ فإنه تعالى رحمان رحيم وهما مشتقان من الرحمة بمعنى رقة القلب المقتضي للتفضل والإحسان، فإطلاقهما عليه سبحانه باعتبار التفضل والإحسان لا باعتبار رقة القلب إذ هو منزه عن القلب ورقته فكذا إطلاق الخلة عليه سبحانه باعتبار صفاء المحبة المبني على الحاجة في غيره تعالى لا باعتبار الحاجة تعالى عن ذلك علوا كبيرا وقوله تعالى : واتخذ الله إبراهيم خليلا جملة معترضة لا محل لها من الإعراب وفائدتها التأكد في وجوب اتباع ملته لأن من بلغ من الله منزلة اتخذ الله خليلا كان جديرا بالاتباع، قال المجدد رضي الله عنه : الخليل هو النديم الذي يعرض المرء عليه أسرار محبه ومجوبه.
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في تفاسيرهم عن زيد بن أسلم قال : إن أول جبار كان في الأرض نمرود وكان الناس يخرجون يمتارون من عنده الطعام فخرج إبراهيم عليه السلام يمتار مع من يمتار، فإذا مر به ناس قال : من ربكم، قالوا أنت، حتى مر إبراهيم فقال : من ربك ؟ قال : ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ٢ فرده بغير طعام فرجع إبراهيم إلى أهله فمر على كثيب من رمل أعفر فقال : ألا آخذ من هذا فآتى به أهلي تطيب نفوسهم حين أدخل عليهم، فأخذ منه فأتى أهله فوضع أشياءه ثم نام فقامت امرأته ففتحته فإذا هي بأجود طعام رآه أحد، فصنعت له منه فقربته إليه وكان عهده بأهله أنه ليس عندهم طعام، فقال : من أين هذا ؟ قالت : من الطعام الذي جئت به، فعرف أن الله رزقه فحمد الله. وأخرج ابن شيبة في المصنف عن أبي صالح قال : انطلق إبراهيم عليه السلام يمتار فلم يقدر على الطعام فمر بسهلة حمراء وأخذ منها ثم رجع إلى أهله فقالوا : ما هذا ؟ قال : حنطة حمراء ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء، فكان إذا زرع منها شيء خرج سنبلة من أصلها إلى فرعها متراكما، وذكر البغوي أنه قال الكلبي عن صالح عن ابن عباس كان إبراهيم عليه السلام أبا الضيفان وكان منزله على ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس فأصاب الناس سنة، فحشروا إلى باب إبراهيم عليه السلام يطلبون الطعام وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي بمصر فقال خليله لغلمانه لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه لاحتملنا ذلك له فقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم عليه السلام فمروا ببطحاء فقالوا : لو أنا حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة فإنا نستحيي أن نمر بهم وإبلنا فارغة، فملؤا تلك الغرائر سهلة ثم أتوا إبراهيم فأعلموه وسارة نائمة، فاهتم إبراهيم لمكان الناس ببابه فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار فقالت : سبحانه الله ما جاء الغلمان، قالوا بلى، قالت : فما جاءوا بشيء قالوا : بلى فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هو أجود تكون فأمرت الخابزين فخبزوا وأطعموا الناس فاستيقظ إبراهيم عليه السلام فوجد ريح الطعام، فقال : يا سارة من أين هذا ؟ قالت : من عند خليلك المصري، فقال : هذا من عند خليلي الله، قال : فيومئذ اتخذ الله إبراهيم.
فائدة : ولما كان نبينا سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم أرفع درجة من مقام الخلة حيث كان مستقرا في مقام المحبوبية الصرفة وكان مروره صلى الله عليه وسلم على مقام الخلة كعابر سبيل سمى نفسه لذلك العبور والمرور خليلا حيث قال :" لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكته أخي وصاحبي وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا " ٣ رواه مسلم من حديث ابن مسعود، وقال :" لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا " ٤ متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري، قال :" ألا وصاحبكم خليل الله " ٥ رواه الترمذي عن أبي هريرة، وأخرج الحاكم وصححه عن جندب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يتوفى :" إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا " وأخرجه الطبراني عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وإن صاحبكم خليل الله وإن محمدا سيد بني آدم يوم القيامة ثم قرأ عسى أن يبعك ربك مقاما محمودا " لكن لأجل عدم استقراره في هذا المقام لعلو شأنه وعدم اقتضاء المحبوبية بعدما ارتفع عن هذا المقام غير أنه كان طالبا لحصول ذلك المقام بالتفصيل لبعض أتباعه حتى يكون ذلك التفصيل معدودا في كما له بناء على أن كمالات الاتباع نبد من كمال المتبوع، قال العلماء من أهل السنة بالإجماع في كتب أصول الدين كرامات الأولياء معجزات لنبيه، وقال عليه السلام :" من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء " ٦ وقال عليه الصلاة والسلام :" الدال على الخير كفاعله " ٧ ويرشدك ما روينا أن أعمال الأمة وكما لا تهم داخله في أعمال النبي صلى الله عليه وسلم وكما له ولطلب ذلك التفصيل له ولأتباعه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة المأثورة :" اللهم صلي على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم " ٨ فاستجاب الله تعالى هذا الدعاء وأعطى بعد ألف سنة ذلك للمجدد رضي الله عنه فاستقر في مقام الخلة واتصف بتفصيله ولم يتيسر ذلك قبله رضي الله عنه، لأحد إما لرفعة شأن بعض الساّبقين من أكابر الصحابة وأئمة أهل البيت الذين رسخوا في مقام المحبوبية الصرفة بتبعية النبي صلى الله عليه وسلم وإما لعدم وصولهم إلى تلك المقام ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ٤ ٩ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مثل أمتي كمثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره كحديقة أطعم فوجا منها عاما وفوجا منها عاما لعل آخرها فوجا هي أعرضها عرضا وأعمقها عمقا وأحسنها حسنا " ١٠ رواه رزين من حديث جعفر بن محمد، وهذا أمر ثبت بالكشف الصحيح ولا علينا لو أنكره أحد وإنما كلامنا مع من : يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب ١١ وإنما ذكرت هذا الكلام لأن بعض قاصري الإفهام كانوا يعترضون على كلام المجدد رضي الله عنه في هذا المقال ويزعمه مستحيلا وكفرا والإنسان عدو لما جهل، وبما ذكرنا لك اتضح أن هذا القول دعوى أمر ممكن يقتضي الحسن الظن بالأكابر قبوله أو السكوت عنه، وكان من الناس من يقول : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ١٢ فقال الله تعالى : أهم يقسمون رحمت ربك ١٣ وكان من الناس من يقول أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك ١٤ قال الله تعالى : سيعلمون غدا من الكذاب الأشر ٢٦ ١٥ ولا يلزم من رسوخ بعض أكابر الصحابة وأئمة أهل البيت في مقام المحبوبية الصرفة فضلهم على إبراهيم عليه السلام لأن وصول الصحابة والأئمة إلى مقام المحبوبية كان بالتبعية والوراثة وما كان لإبراهيم عليه السلام كان بالأصالة وشتان لما بينهما، وما ذكرنا من استقرار المجدد رضي الله عنه في مقام الخلة لا ينافي ترقياته من ذلك المقام وسيره وعبوره بالتبعية والوراثة إلى مقام المحبوبية الصرفة فإن السير والعبور غير الاستقرار والمقام والله أعلم.

١ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: سؤال جبرائيل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة (٥٠) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان (٩) و (١٠)..
٢ سورة البقرة، الآية: ٢٥٨..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه (٢٣٨٣)..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا خليلا" (٣٦٥٦) وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه (٢٣٨٣)..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب (٣٦٦٨)..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء الدال على الخير كفاعله (٢٦٧٠)..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى: بزفون (٣٣٦٩) وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد (٤٠٦)..
٨ سورة الحديد، الآية: ٢١..
٩ ورد عند الترمذي "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره" في كتاب الأمثال (٢٨٦٩)..
١٠ سورة الزمر، الآية: ١٨..
١١ سورة الزخرف، الآية: ٣١..
١٢ سورة الزخرف، الآية: ٣٢..
١٣ سورة القمر، الآية: ٢٥..
١٤ سورة القمر، الآية: ٢٦..
١٥ ؟؟؟؟؟.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير