ومن بعد ذلك يقول :
ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا( ١٢٥ ) .
وساعة نسمع استفهاما مثل قوله الحق : " ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله "، فحسن الاستنباط يقتضي أن نفهم أن الذي أسلم وجهه لله هو الأحسن دينا، وفي حديثنا اليومي نقول : ومن أكرم من زيد ؟ معنى ذلك أن القائل لا يريد أن يصرح بأن زيدا هو أكرم الناس لكنه يترك ذلك الاستنباط الحسن، ولا يقال مثل هذا على صورة الاستفهام إلا إذا كان المخبر عنه محددا ومعينا، والقائل مطمئن إلى أن من يسمع سؤاله لن يجد جوابا إلا الأمر المحدد المعين لمسئول عنه، وكأن الناس ساعة تدير رأسها بحثا عن جواب للسؤال لن تجد إلا ما حدده السائل.
" ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله " والإجابة على مثل هذا التساؤل : لا أحد أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله، وهكذا نرى أن الله يلقي خبرا مؤكدا في صيغة تساؤل مع أنه لو تكلم بالخبر لكان هو الصدق كله : ومن أصدق من الله قيلا ( من الآية١٢٢سورة النساء ).
وسبحانه يلقي إلينا بالسؤال ليترك لنا حرية الجواب في الكلام، كأنه سبحانه يقول :
أنا أطرح السؤال عليك أيها الإنسان وأترك لك الإجابة في إطار ذمتك وحكمك فقل لي من أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ؟ وتبحث أنت عن الجواب فلا تجد أحسن ممن أسلم وجهه لله فتقول : لا أحد أحسن ممن أسلم وجهه لله وبذلك تكون الإجابة من المخاطب إقرارا والإقرار كما نعلم سيد الأدلة.
" ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله " ونعلم أن الكلمة إذا أطلقت في عدة مواضع فهي لا تأخذ معنى واحدا بل يتطلب كل موضع معنى يفرضه سياق الكلام، فإذا قال الله تعالى :
يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ( من الآية١٠٦سورة آل عمران ).
فذلك لأن الوجه هو العضو المواجه الذي توجد به تميزات تبين وتوضح ملامح الأشخاص، لأننا لن نتعرف على واحد من كتفه أو من رجله بل تعرف الأشخاص من سمات الوجوه.
وعندما نسمع قول الحق : كل شيء هالك إلا وجهه ( من الاية٨٨سورة القصص ).
فإننا نتساءل : ما المراد بالوجه هنا ؟.
إن أردنا الوجه الذي يشبه وجوهنا فهذا وقوع في المحظور لأن كل شيء متعلق بالله سبحانه وتعالى نأخذه على ضوء " ليس كمثله شيء " نقول ذلك حتى لا يقولن قائل : ما دام وجه الله هو الذي لن يهلك يوم القيامة فهل تهلك يده أو غير ذلك ؟.
لا، إن الحق حين قال :" كل شيء هالك إلا وجهه " فالمقصود بذلك ذاته فهو سبحانه وتعالى منزه عن التشبيه وسبحانه القائل :
فأينما تولوا فثم وجه الله ( من الآية١١٥سورة البقرة ).
إذن فوجه الله هنا هو الجهة التي يرتضيها والإنسان يتجه بوجهه إلى الكعبة في أثناء الصلاة وإياك أن تظن أنك حينما تولي وجهك صوب الكعبة أنها وجه الله، لأن الله موجود في كل الوجود، فأي متجه للإنسان فيه الله، بدليل أننا نصلي حول الكعبة، وتكون شرق واحد وغرب آخر وشمال ثالث وجنوب رابع فكل الجهات موجودة في أثناء الطواف حول الكعبة وفي أثناء الصلاة والكعبة موجودة هكذا لنطوف حولها ولتكون متجهنا إلى الله في جميع الاتجاهات.
فأينما تولوا فثم وجه الله ( من الاية١١٥سورة البقرة )، أي الجهة التي ارتضاها سبحانه وتعالى.
ونحن هنا في هذه الآية نرى قول الله :" ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ".
وأسلم وجهه أي أسلم اتجاهه، لأن الإنسان حين يكون ذاهبا إلى قصد أو هدف أو غرض فيكون وجهه هو المتجه لأن الإنسان لا يسير بظهره والوجه هنا إذن هو الاتجاه.
ولماذا جاء الحق بالوجه فقط برغم أن المؤمن يسلم مع الوجه كل الجوارح ؟، لأن الوجه أشرف الأعضاء ولذلك جعل سبحانه السجود أشرف موقع للعبد، لأن القامة العالية والوجه الذي يحرص الإنسان على نظافته يسجد لله.
إذن أسلم وجهه لله، أي أسلم وجهته واتجاهه لله، ومعنى " أسلم " من الإسلام، ف " أسلم " تعني : سلم زمام أموره لواحد وحين يسلم الإنسان زمامه إلى مساو له فهذه شهادة لهذا المساوي أنه يعرف في هذا الأمر أفضل منه، ولا يسلم لمساو إلا أن شهد له قبل أن يلقي إليه بزمامه أنه صاحب حكمة وعلم ودراية عنه. فإن لم يلمس الإنسان ذلك فلن يسلم له، وما أجدر الإنسان أن يسلم نفسه لمن خلقه، أليس هذا هو أفضل الأمور ؟
إن الإنسان قد يسلم زمامه لإنسان آخر لأنه يظن فيه الحكمة، ولكن أيضمن أن يبقى هذا الإنسان حكيما ؟ إنه كإنسان هو ابن أغيار، وقد يتغير قلبه أو أن المسألة المسلم له بها تكون مستعصية عليه، لكن عندما أسلم زمامي لمن خلقني فهذا منتهى الحكمة، ولذلك قلنا : إن الإسلام هو أن تسلم زمامك لمن آمنت به إلها قويا وقادرا وحكيما وعليما وله القيومية في كل زمان ومكان، وحين يسلم الإنسان وجهه لله فلن يصنع عملا إلا كانت وجهته إلى الله.
ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ( من الآية١٢٥سورة النساء )
ولماذا جاءت كلمة " محسن " هنا ؟ وقد تكلم صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، ونعرف أننا آمنا بالله غيبا، لكن عندما ندخل بالإيمان إلى مقام الإحسان، فإننا نعبد الله كأننا نراه فإن لم نكن نراه فهو يرانا، والحوار الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد صحابته وكان اسمه الحارث فقال له : " كيف أصبحت يا حارث ؟ فقال : أصبحت مؤمنا حقا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انظر ما تقول، فإن كل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ " قال عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها( يتصايحون فيها )فقال : " يا حارث عرفت فالتزم ثلاثا ". ١
ويعرف الإنسان من أهل الصلاح أنه في لقاء دائم مع الله، لذلك يضع برنامجا لنفسه موجزه أنه يعلم أنه لا يخلو من نظر الله إليه( وهو معكم أينما كنتم ) إنه يستحضر أنه لا يغيب عن الله طرفة عين فيستحي أن يعصيه.
ويوضح الحديث ما رواه سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عندما سأل جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : فأخبرني عن الإحسان ؟ قال : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ٢.
وعندما تتيقن أن الله ينظر إليك فكيف تعصيه ؟ أنت لا تجرؤ أن تفعل ذلك مع عبد مساو لك... فكيف تفعله مع الله ؟
وتتجلى العظمة في الحق " ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا " لماذا إذن " ملة إبراهيم " ؟ لأن القران يقول عن إبراهيم :( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ) ( من الآية ١٢٠ سورة النحل ).
ومعنى كونه " أمة " أنه الجامع لكل خصال الخير التي لا تكاد تجتمع في فرد إلا إن وزعنا الخصال في أمة بأكملها، فهذا شجاع وذلك حليم والثالث عالم والرابع قوي، وهذه الصفات الخيرة كلها لا تجتمع في فرد واحد إلا إذا جمعناها من أمة وأراد الحق سبحانه لإبراهيم أن يكون جامعا لخير كثير فوصفه بقوله : إن إبراهيم كان أمة ( من الآية١٢٠سورة النحل )
ويقول هنا عن ملة إبراهيم :" واتبع ملة إبراهيم حنيفا ". والملة هي الديانة و " حنيفا " أي " مائلا عن الباطل إلى الحق ". والمعنى اللغوي لكلمة " حنيف " أنه هو " المائل ". وكان إبراهيم حنيفا عن الباطل، ومتى ترسل الرسل إلى الأقوام نعرف أن الرسل تأتي إذا طم الفساد وعم، وحين تكون المجتمعات قادرة على إصلاح الفساد الذي فيها فالحق سبحانه يمهل الناس وينظرهم لكن إذا ما بلغ الفساد أوجه، فالحق يرسل رسولا وحين يأتي الرسول إلى قوم ينتشر فيهم الفساد فالرسول يميل عن الفساد بهذا يكون الميل عن الاعوجاج اعتدالا.
" واتبع ملة إبراهيم حنيفا ".
ويأتي الحق من بعد ذلك بالغاية الواضحة " واتخذ الله إبراهيم خليلا " فما هي حيثيات الخلة ؟ لأنه يتبع أفضل دين، ويسلم لله وجهه، وكان محسنا، واتبع الملة، وكان حنيفا هذه هي حيثيات الخلة، وكلها كانت صفات سيدنا إبراهيم عليه السلام.
لقد حدثونا أن جبريل عليه السلام قد جاء لسيدنا إبراهيم عندما ألقاه أهله في النار، فقال جبريل يا إبراهيم : ألك حاجة ؟ فقال إبراهيم :" أما إليك فلا "، فقال جبريل فاسأل ربك فقال :" حسبي من سؤالي علمه بحالي " فقال الله : " يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم " ٣ أي أنه لا يطلب من جبريل بذاته شيئا، وتلك قمة الإسلام لله، كما أننا نعرف مدى أنس الناس بأبنائها ونعلم إن إسماعيل قد جاءه ولدا في آخر حياته، وأوضح له الحق أنه مبتليه، ولكن الابتلاء غاية في الصعوبة فالابن لا يموت، ولا يقتله أحد ولكن يقوم الأب بذبحه، فكم درجة من الابتلاء مر بها إبراهيم عليه السلام ؟.
وسار إبراهيم لتنفيذ أمر ربه، ولذلك نقرأ على لسان إبراهيم عليه السلام :
يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ( من الآية١٠٢سورة الصافات ).
ويجعل الحق ذلك برؤيا في المنام لا بالوحي المباشر ولننظر إلى ما قاله إسماعيل عليه السلام لم يقل : " افعل ما بدا لك يا أبي " ولكنه قال : يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ( من الآية١٠٢سورة الصافات )أي أن إسماعيل وإبراهيم أسلما معا لأمر الله. فماذا فعل الله ؟
وناديناه أن يا إبراهيم( ١٠٤ ) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين( ١٠٥ )إن هذا لهو البلاء المبين( ١٠٦ )وفديناه بذبح عظيم( ١٠٧ )وتركنا عليه في الآخرين( ١٠٨ )سلام على إبراهيم( ١٠٩ )كذلك نجزي المحسنين( ١١٠ )إنه من عبادنا المؤمنين( ١١١ )وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين( ١١٢ ) ( سورة الصافات ).
ولا يكتفي الحق بإعطاء إبراهيم إسماعيل ابنا، وله فداء، ولكن رزق الله إبراهيم بابن آخر هو إسحاق. " واتخذ الله إبراهيم خليلا ".
وجلس العلماء ليبحثوا معنى كلمة " خليلا "، ويبحثوا ما فيها من صفات، وكل الأساليب التي وردت فيها والكلمة مأخوذة من " الخاء ولام ولام ". و " الخل " بفتح الخاء هو الطريق في الرمل وهو ما نسميه في عرفنا " مدقا "، وعادة يكون ضيفا، وحينما يسير فيه اثنان فهما يتكاتفان إن كان بينهما ود عال، وإن لم يكن بينهما ود فواحد يمشي خلف الآخر، ولذلك سموا الاثنين الذين يسيران متكاتفين " خليل " فكلاهما متخلل في الآخر أي متداخل فيه، والخليل أيضا هو من يسد خلل صاحبه، والخليل هو الذي يتحد ويتوافق مع صديقه في الخلال والصفات والأخلاق، أو هو من يتخيل إليه الإنسان في مساتره، ويتخلل هو أيضا في مساتر الإنسان والإنسان قد يستقبل واحدا من أصحابه في أي مكان سواء في الصالون أو في غرفة المكتب أو في غرفة النوم، لكن هناك من لا يستقبله إلا في الصالون أو في غرفة المكتب.
" واتخذ الله إبراهيم خليلا " أي اصطفاه الحق اصطفاء خاصا "، والحب قد يشارك فيه، فهو سبحانه يحب واحدا وآخر وثالثا ورابعا وكل المؤمنين، فهو القائل :
إن الله يحب التوابين ( من الآية٢٢٢سورة البقرة ).
وسبحانه القائل : فإن الله يحب المتقين ( من الآية٧٦سورة آل عمران ).
وهو يعلمنا : والله يحب الصابرين ( من الآية١٤٦سورة آل عمران ).
ويقول لنا : والله يحب المحسنين ( من الآية١٤٨سورة آل عمران ).
ويقول أيضا : إن الله يحب المقسطين ( من الآية٨سورة الممتحنة ).
لكنه اصطفى إبراهيم خليلا، أي لا مشاركة لأحد في مكانته أما الحب فيعم، ولكن الخلة لا مشاركة فيها، ولذلك نرى
٢ من حديث طويل رواه الإمام مسلم..
٣ من الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وذكر نحوه تفسير ابن كثير وفي الكشاف للزمخشري.
.
تفسير الشعراوي
الشعراوي