ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه في الآيات السابقة أن الشيطان يعدهم ويمنيهم ويدخل في تلك الأماني ما كلن يمنيه أهل الكتاب من الغرور بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون : إنهم أبناء الله وأحباؤه وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات وقد سرى لهم هذا الغرور من اتكالهم على الشفاعات وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء فهم يدخلون الجنة بكرامتهم لا بأعمالهم.
حذرنا في هذه الآيات الكريمات أن نكون مثلهم وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كما دل على ذلك قوله : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ ( الحديد : ١٦ ) الآية فلضعفاء الإيمان من المسلمين في الصدر الأول ولأمثالهم في كل زمان أنزلت هذه الموعظة ولو تدبروها لما كان لهذه الأماني عليهم من سلطان.
أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن موقوفا :" ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل " وقال الحسن : إن قوما غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملوءون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.
و أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى قال :" التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقال اليهود للمسلمين : نحن خير منكم ديننا قبل دينكم وكتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم ونحن على دين إبراهيم ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى مثل ذلك فقل المسلون : كتابنا بعد كتابكم ونبينا بعد نبيكم وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم فنحن خير منكم نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا فأنزل الله ليس بأمانيكم الخ الآية " فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان الأخرى.
تفسير المفردات :
الحنيف : المائل عن الزيغ والضلال والخليل المحب لمن يحبه من الخلة ( بالضم ) وهي المودة والمحبة التي تتخلل النفس وتمازجها قال شاعرهم :
قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلا
الإيضاح :
و بعد أن بين سبحانه أن النجاة والسعادة منوطان بصالح الأعمال مع الإيمان أردف ذلك ذكر درجات الكمال فقال :
ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن أي لا أحد أحسن ممن جعل قلبه خالصا لله وحده فلا يتوجه إلى غيره في دعاء ولا رجاء ولا يجعل بينه وبينه حجابا من الوسطاء والشفعاء ولا يرى في الوجود إلا هو ويعتقد أنه سبحانه ربط الأسباب بالمسببات فلا يطلب شيئا إلا من خزائن رحمته ولا يأتي بيوت هذه الخزائن إلا من مسالكها وهي السنن والأسباب التي سنها في الخليقة.
و هو مع هذا الإيمان الكامل والتوحيد الخالص محسن للعمل متحل بأحسن الأخلاق والفضائل.
و قد عبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من إقبال وإعراض وسرور وكآبة وما فيه هو الذي يدل على ما في السريرة.
واتبع ملة إبراهيم حنيفا أي واتبع إبراهيم في حنيفيته التي كان عليها بميله عن الوثنية وأهلها وتبريه مما كان عليه أبوه وقومه منها قال تعالى : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( الزخرف : ٢٦-٢٨ ).
واتخذ الله إبراهيم خليلا أي اصطفاه الله لإقامة دينه في بلاد غلبت عليه الوثنية وأفسد الشرك عقول أهلها وقد بلغ من الزلفى عند ربه ما صح به أن يسمى خليلا فقد اختصه بكرامة ومنزلة تشبه الخليل لدى خليله ومن كانت له هذه المنزلة كان جديرا أن تتبع ملته وتؤتسى طريقته.
و الخلاصة : أنه من عليه بسلامة الفطرة وقوة العقل وصفاء الروح وكمال المعرفة وفنائه في التوحيد.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير