ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا١٣١ ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا١٣٢ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا١٣٣ من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا١٣٤ .
اقتضت حكمة الله في ترتيب كتابه أن يجيء بعد تلك الأحكام العملية في شؤون النساء واليتامى أو بعدها وبعد ما قبلها من الأحكام المتعلقة بأهل الكتاب أيضا وأن يعقب عليها بآيات في العلم الإلهي تذكر المخاطبين بتلك الأحكام بعظمته وسعة ملكه واستغنائه عن خلقه، وقدرته على ما يشاء من التصرف فيهم أو إثباتهم على طاعته فيما شرعه لهم لخيرهم ومصلحتهم، ـ تذكرهم بذلك ليزدادوا بتدبرها أيمانا يحملهم على العمل لها، والوقوف عند حدودها، وهي هذه الآيات.
من كان يريد منكم بسعيه وكدحه وجهاده في حياته ثواب الدنيا ونعيمها بالمال والجاه فعند الله ثواب الدنيا والآخرة جميعا وقد وهبكم من القوى والجوارح وهداية الحواس والعقل والوجدان والدين ما يمكنكم به نيل ذلك فعليكم أن تطلبوا الثوابين جميعا ولا تكتفوا بالأدنى الفاني عن الأعلى الباقي والجمع بينهما ميسور لكم، ومما تناله قدرتكم، فمن سفه النفس، وأفن الرأي، أن ترغبوا عنه. والآية تدل على أن الإسلام يهدي أهله إلى سعادة الدارين، وأن يتذكروا أن كلا من ثواب الدنيا وثواب الآخرة من فضل الله ورحمته، وقد سبق بيان هذا في تفسير : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار [ البقرة : ٢٠١ ].
وكان الله سميعا بصيرا سميعا لأقوال العباد في مخاطباتهم ومناجاتهم، بصيرا بجميع أمورهم في جميع حالاتهم، فيجب عليهم أن يراقبوه في أقوالهم وأفعالهم، فذلك الذي يعينهم على تزكية نفوسهم، والوقوف عند حدود العدل والفضيلة التي يستقيم بها أمر دنياهم، ويستعدون به للحياة الأبدية في آخرتهم.
تفسير المنار
رشيد رضا