ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

وتعود الآيات الكريمة في هذا الربع إلى الحديث عن العدل المجرد من الهوى، والشهادة الخالصة من الزور، مبينة ما يجب أن يكون عليه المؤمنون المحكومون والحاكمون، في شؤونهم الخاصة والعامة، من العدل في أحكامهم، والصدق في أقوالهم، والإخلاص في أعمالهم، داعية إياهم إلى نسيان القرابات الحاملة على التحيز للأقرباء، وإلى نسيان الخصومات الحاملة على التحيز ضد الخصوم.
وطالب كتاب الله كل مؤمن أن يأخذ الحق لغيره من نفسه، وأن يقول كلمة الحق ولو على نفسه، وألزم المؤمن بأن لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولو كان الأمر يتعلق بالوالدين، إذ لا علاقة للبرور والعقوق، بما على الوالدين لغيرهما من الحقوق.
ونبه كتاب الله إلى أن ميزان الحق والعدل يجب أن لا يؤثر في رجحان كفته أو انخفاضها ما يتأثر به ضعاف الناس من المؤثرات العاطفية، والاعتبارات الشخصية والاجتماعية، وذلك قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ أي بالعدل شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا أي لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، فحق الله أولى بالرعاية والإشفاق، كما أنه لا يسوغ لك الميل بالهوى مع الفقير والتساهل معه لضعفه، والميل على الغني والتحامل عليه لغناه، فكن مع الحق أينما كان، واتبع الحق حيث كان فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ أي لا يحملكم الهوى على ترك العدل، بل ألزموه في كل حال كما في الآية الأخرى وَلاَ يَجرِمَنَّكُم شَنئَانُ قَومٍ عَلَى أَلاَّ تَعدِلُوا، اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا( ١٣٥ ) أي إذا حرفتم أو ماطلتم، أو غلبتم الهوى وتجنبتم العدل فإن الله تعالى لا يغيب عن علمه ما عملتم من تحريف أو انحراف، بل يعلمه ويؤاخذكم عليه.
وقد سبق لنا في نفس هذه السورة-سورة النساء- قوله تعالى في موضوع العدل والأمانة : إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُم أن تُؤَدُّوا الأمانات إِلَى أَهلِهَا، وإذَا حَكَمتُم بَينَ النَّاسِ أن تَحكُمُوا بالعَدلِ، إِنَّ اللهَ نِعِمًّا يَعِظُكُم بِه، إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعَا بَصِيراً( ٥٨ ) .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير