ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

في الآيات السابقة كشف الله سبحانه وتعالى عن أوصاف المنافقين، وبين ظواهر أحوالهم ومجموع أمورهم وما يرتكبون من سيئات واضحة معلمة، وما يخفون في صدورهم من أحقاد مكنونة، وبين مآل أمرهم إن استمروا في غيهم يعمهون، وبين سبحانه وتعالى أن باب التوبة مفتوح، وأن الله تعالى لا يغلق باب الرحمة بالتوبة على أحد من عباده ولو كانوا منافقين فإن الله تعالى يحب التوابين، والتوبة عنده سبحانه تجب ما قبلها من سيئات مهما تكن.
وفي هذا النص الكريم بين أن الجهر بالسوء من القول لا يكون إلا في أحوال تقتضي ذلك، وقد وجد مقتضاه في أهل النفاق فليحترز المؤمن من الاسترسال في الجهر بالسوء إلا عند أشد الحاجة إليه، ولذا قال سبحانه : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم .
إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء بعد أن ذكر سبحانه وتعالى ما لا يحبه من الجهر بالسوء وأشار إلى الترخيص بالنطق به لدفع الظلم أو للقضاء على منكر من الأفعال أو زور من الأقوال، بين سبحانه وتعالى ما يحبه من الخير الإيجابي والخير السلبي ويكون بالعفو، فمعنى قوله تعالى إن تبدوا خيرا أن الله سبحانه وتعالى يحب الخير في كل صوره، والخير هو عمل البر والنفع الإنساني العام فإن عملتوه فإنكم تعملون ما يحبه الله، فإن تبدوه وتظهروه وتعلنوه، أو تخفوه وتكتموه فهو مقبول مجزي عليه في كلتا حاليه، فإن أظهرتموه للدعوة إليه، فإلى الخير تدعون وإن أخفيتموه اتقاء لله ومنعا للرياء، سترا على ما تعطون فنعما تفعلونه.
هذا فعل الخير الإيجابي وفعل الخير السلبي هو العفو عن الإساءة، والصفح الجميل عن الناس فإن ذلك مما يحبه تعالى. لقد روى أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما نقص مال من صدقة، وما زاد عبد بعفو إلا عزا ومن تواضع لله رفعه الله"(٧) وقال تعالى: خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين(١٩٩)(الأعراف).
وقوله تعالى: فإن الله كان عفوا قديرا موقعها من المعنى أنها تعليل لكلام مطوي تدل عليه إذ المؤدى: وما تفعلوا من خير وتبدوه أو تخفوه أو تعفوا عمن يسيء إليكم فإنكم تقربون إلى الله تعالى، ويحبكم الله لأنه سبحانه عفو دائما وقدير على أخذ المسيء بإساءته فتخلقوا بصفات الله تعالى، وله سبحانه المثل الأعلى.
وهنا ملاحظات ثلاث:
الأولى: أن الآية الكريمة تفيد أن إبداء الخير محبوب، فهل يدخل في هذا الرياء؟ ونقول في ذلك إن الفعل النافع إذ قصد به الرياء لا يكون خيرا، بل يكون شركا، فلا يدخل تحت عنوان إبداء الخير، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يراءي فقد أشرك"(٨) فهذا فعل خارج عن نطاق الخير فلا يلتفت إليه إذ يدخل في عمومه.
الثانية: أن العفو عن الأمر السيئ إنما يكون في حال ما إذا كانت الإساءة تمس شخص من يعفو، وهو بهذا بذل حقا خالصا له، أما إذا كان الأمر السيئ يتعلق بنظام في الإسلام، فلا يصح أن يترك بل لا بد أن يقاوم، ولا يقال لتاركه إنه عفا، بل يقال عنه إنه قصر وترك الواجب.
الثالثة: أن الإسلام دعا إلى الصفح الجميل، فقال الله لنبيه: "... فاصفح الصفح الجميل(٨٥)}(الحجر) وهو الصفح من غير من. ولله تعالى ولرسوله المن والفضل.
والآية جمعت مكارم الأخلاق، وقد قال في معناها فخر الدين الرازي: "اعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة في أمرين: صدق مع الحق، وخلق مع الخلق، والذي يتعلق بالخلق محصور في قسمين: إيصال نفع إليهم، ودفع ضرر عنهم، فقوله تعالى: إن تبدوا خيرا أو تخفوه إشارة إلى إيصال النفع إليهم، وقوله تعالى: أو تعفوا عن سوء إشارة إلى دفع الضرر عنهم، فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير، وأعمال البر". ١هـ.
اللهم اهدنا لنفع الناس، وجنبنا ضرهم، واعف عنا فيما كان ما واغفر لنا وارحمنا إنك غفور رحيم.

٧ عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". رواه مسلم/ البر والصلة استحباب العفو والتواضع (٢٥٨٨)، والترمذي: البر والصلة (٢٠٢٩)، وأحمد: باقي مسند المكثرين (٨٧٨٢)، ومالك: الجامع (١٨٨٥)، والدارمي: الزكاة (١٦٧٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه..
٨ سبق تخريجه..

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير