قوله : وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ كالأول. وقوله : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى الجمهور على رفع الجلالة، وهي واضحةٌ. و " تَكْلِيماً " مصدرٌ مؤكد رافعٌ للمجاز.
قال الفرَّاء(١) : العَرَبُ [ تُسَمِّي ](٢) ما يُوصَلُ إلى الإنْسَانِ كلاماً بأيِّ طَرِيقٍ وَصَلَ ولكِنْ لا تُحَقِّقُه بالمصْدَرِ، فإذا حُقِّق بالمصْدَرِ، لم يَكُنْ إلاَّ حَقِيقَةَ الكلامِ ؛ كالإرادَةِ، يُقال : أراد فُلانٌ إرادَةً، يريد : حَقيقةَ الإرَادَة.
قال القُرْطُبِي(٣) :" تَكْلِيماً " يقدر مَعْنَاه بالتَّأكِيدِ، وهذا يَدُلُّ على بُطْلانِ قول من يقُولُ : خَلَق [ اللَّه ](٤) لِنَفْسه كَلاَماً في شَجَرةٍ، فَسَمِعَهُ مُوسَى - [ عليه السلام ](٥) -، بل هو الكلامُ الحقيقيُّ الذي يكُون به المُتَكَلِّم مُتَكَلِّماً.
قال النَّحَّاس(٦) : وأجمع النَّحوِيُّون على أنَّك إذا أكَّدْت الفِعْلَ بالمصْدَر، لم يَكُنْ مجازاً، وأنَّه لا يجُوزُ في قول الشاعر :[ الرجز ]
امْتَلأ الْحَوْضُ وقال قَطْنِي(٧) ***. . .
أن يقول : قال قولاً فكذا لمَّا قال :" تَكْلِيماً " وجَبَ أن يكُون كلاماً على الحَقِيقَةِ.
ومعنى الآية : أنَّ الله - تعالى - ذكر هَؤلاء الأنْبِيَاء والرُّسُل [ وخص مُوسَى ](٨) بالتكْلِيم مَعَهُ ولم يَلْزَم مِنْ تَخْصِيصِ مُوسَى عليه السلام بهَذَا التَّشْرِيف، الطَّعْن في نُبُوة الأنْبِيَاء - عليهم السلام -، فكَذَلِك لا يلزم من إنْزَالُ التَّوْرَاة دفْعَةً واحِدَةً الطَّعْن فيمن أُنْزِل عليه الكِتَاب مُفَصَّلاً.
وقرأ إبْراهيم(٩) ويَحْيَى بن وَثَّاب : بنَصْبِ الجلالة.
وقال بعضُهُم : وَكَلَّمَ اللَّهُ [ مُوسَى تَكْلِيماً ](١٠) معناه : وجَرَحَ اللَّهُ مُوسَى بأظْفَار المحن ومَخَالِب الفَتن، وهذا تَفْسِيرٌ بَاطِلٌ.
وقد جاء التأكيد بالمصدر في ترشيح المجاز ؛ كقول هند بنت النعمانِ بن بشير في زوْجِها رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ وزيرِ عبد الملِكِ بْنِ مَرْوَانَ :[ الطويل ]
بَكَى الْخَزُّ مِنْ رَوْحٍ وأنْكَرَ جِلْدَهُ *** وَعَجَّتْ عَجِيجاً مِنْ جُذَامَ المَطَارِفُ(١١)
تقول : إنَّ زوْجَها رَوْحاً قد بكَى ثيابُ الخَزِّ مِنْ لُبْسِهِ ؛ لأنه ليس من أهل الخَزِّ، وكذلك صرخَتْ صُرَاخاً من جُذَام - وهي قبيلة رَوحٍ - ثيابُ المطارِفِ، تعني : أنهم ليسوا من أهل تلك الثياب، فقولها :" عَجَّتِ المَطَارِفُ " مجازٌ ؛ لأن الثياب لا تعجُّ، ثم رَشحَتْهُ بقوله عَجِيجاً، وقال ثَعْلَبٌ : لولا التأكيد بالمصدر، لجاز أن يكونَ كما تقول :" كَلَّمْتُ لك فُلاناً "، أي : أرسلْتُ إليه، أو كتبتُ له رُقْعةً.
٢ سقط في أ..
٣ ينظر: تفسير القرطبي ٦/١٣..
٤ سقط في أ..
٥ سقط في ب..
٦ ينظر: تفسير القرطبي ٦/١٤..
٧ صدر بيت وعجزه:
مهلا رويدا قد ملأت بطني ***...
ينظر إصلاح المنطق ص ٥٧، ٣٤٢ والإنصاف ص ١٣٠ وأمالي المرتضى ٢/٣٠٩ وتخليص الشواهد ص ١١١ وجواهر الأدب ص ١٥١ والخصائص ١/٢٣ ورصف المباني ص ٣٦٢ وسمط اللآلئ ص ٤٧٥ وشرح الأشموني ١/٥٧ وشرح المفصل ١/٨٢، ٢/١٣١، ٣/١٢٥ واللسان (قطط) والمقاصد النحوية ١/٣٦١ ومجالس ثعلب ص ١٨٩..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٣٧، والبحر المحيط ٣/٤١٤، والدر المصون ٢/٤٦٦..
١٠ سقط في أ..
١١ تقدم..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود