المعنى الجملي : لا يزال الحديث مع أهل الكتاب فإنه ذكر عنهم أولا أنهم يفرقون بين الله ورسله فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ثم انتقل إلى ذكر شيء من عنادهم وإعناتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وطلبهم أن ينزل عليهم كتابا من السماء وبين أنه لا غرابة في ذلك فقد شاغبوا موسى من قبله وسألوه ما هو أكبر من ذلك ثم ذكر كفرهم بعيسى عليه السلام وبهتهم أمه ومحاولتهم قتله وصلبه وفي كل هذا دليل على تأصل العناد فيهم ولولا ذلك لما شاغبوك فإن الدليل على نبوتك أوضح مما يدعون الإيمان بمثله ممن قبلك – وهنا ختم الكلام في محاجتهم ببيان أن الوحي جنس واحد ولو كان إيمانهم بالرسل السابقين صحيحا لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل أي وأرسلنا غير هؤلاء رسلا آخرين قد قصصناهم عليكم من قبل تنزيل هذه السورة وهم الذين ذكرت أسماؤهم في السور المكية كقوله في سورة الأنعام في سياق الكلام عن إبراهيم : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ والْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ( الأنعام : ٨٤-٨٦ ).
و أجمع السور لقصص الأنبياء هود والشعراء.
ورسلا لم نقصصهم عليك كالذين أرسلوا إلى الأمم المجهول تاريخها عند قومك وعند أهل الكتاب المجاورين لبلادك كالصين واليابان والهند وأوربا وأمريكا.
و إنما لم يقص الله علينا خبرهم لان القصد من القصص العبرة والتثبيت والذكرى والاحتجاج على نبوته صلى الله عليه وسلم كما أشار إلى ذلك في قوله تعالى : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ ( يوسف : ١١١ ) وقوله : وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ( هود : ١٢٠ ) وكل هذا يثبت بذكر من قصهم الله علينا من الرسل وعلينا أن نعلم أن الله أرسل رسلا في كل الأمم فكانت رحمته بهم عامة لا مختصة بشعب معين كما يزعم أهل الكتاب يرشد إلى ذلك قوله تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ( النحل : ٣٦ ) وقوله : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ ( فاطر : ٢٤ ) وهذه حقيقة دل عليها الدين السماوي ولم يكن يعلمها أهل الكتاب الذين يزعمون أن القرآن مقتبس من كتبهم وكم فيه من حقائق جلاها للناظرين بجميل بيانه واهتدى العلم الصحيح بعد قرون خلت إلى معرفتها وما كان العقل وحده يكشف عنها لولا أن هدى إليها الكتاب الكريم.
وكلم الله موسى تكليما خاصا له ميزه عن غيره من ضروب الوحي العام لأولئك النبيين وليس لنا أن نخوض في معرفة حقيقته لأنا لم نكن من أهله على أنا لا نعرف حقيقة الكلام بعضنا بعضا وكيف تحمل ذرات الهواء الأصوات إلى الآذان فضلا عن أن نعرف حقيقة كلام الباري.
و الوحي إلى الأنبياء يسمى تكليما والتكليم لهم يسمى وحيا كما قال تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( الشورى : ٥١ ) والحكمة في الحجاب الاستعداد بالتوجه إلى شيء واحد تتحد فيه هموم النفس وأهواؤها المتفرقة كما كان شأن موسى إذ رأى النار في الشجرة.
و الرسول الذي يرسله الله فيوحي بإذنه ما يشاء هو ملك الوحي المعبر عنه بالروح الأمين.
تفسير المراغي
المراغي