ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

ويقول الحق من بعد ذلك :
ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما١٦٤ .
والرسل الذين ذكرهم الله في الآية السابقة ليسوا كل الرسل الذين يجب الإيمان بهم تفصيلا فحسب، فكما علمونا في الأزهر الشريف يجب أن نؤمن بخمسة وعشرين رسولا وقد نظمهم بعض الشعراء في قوله :

في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو
إدريس، هود، شعيب، صالح وكذا ذو الكفل آدام بالمختار قد ختموا
وفي سورة الأنعام نجد قوله الحق : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم( ٨٤ ) ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين( ٨٤ ) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين( ٨٥ ) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين( ٨٦ ) .
وفي هذه الآيات ثمانية عشر رسولا، وبالإضافة إلى سبعة هم إدريس وهود وشعيب وصالح وذو الكفل وآدم ومحمد صلى الله عليه وسلم، هم إذن خمسة وعشرون رسولا ذكرهم الله، لكن الآية التي تسبق الآية التي نحن بصددها لم يذكر الله كل أسماء الرسل، وذكر أسماء بعض الرسل في سورة الأنعام وبعضهم في سورة هود وبعضهم في سورة الشعراء ويقول الحق :
{ ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما( ١٦٤ )( سورة النساء ).
أي أن الخمسة والعشرين رسولا ليسوا كل الرسل الذين أرسلهم الحق إلى الخلق فقد قال :
وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ( من الآية٢٤سورة فاطر ).
أي أنه قد قص علينا أعلام الرسل الذين كانت أممهم لها كثافة أو حيز واسع أو لرسلهم معهم عمل كثيف، ولكن هناك بعض الرسل أرسلهم سبحانه إلى مائة ألف أو يزيدون مثل يونس عليه السلام وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون( ١٤٧ ) ( سورة الصافات ).
وكان العالم قديما في انعزالية ولم يكن يملك من وسائل الالتقاء ما يجعل الأمم تندمج، وكان لكل بيئة داءاتها ولكل بيئة طابع مميز في السلوك ولذلك أرسل الله رسولا إلى كل بيئة ليعالج هذه الداءات ولا يذكر الداءات الأخرى حتى لا تنتقل من مجتمع إلى مجتمع آخر بالأسوة وحين علم الحق بعلمه الأزلي أن خلقه بما أقدرهم هو سبحانه على الفكر والإنتاج والبحث في أسرار الكون سيبتكرون وسائل الالتقاء ليصير العالم وحدة واحدة، وأن الشيء يحدث في الشرق فيعلمه الغرب في اللحظة نفسها، وأن الداءات ستصبح في العالم كله داءات واحدة، لذلك كان ولا بد أن يوجد الرسول الذي يعالج الداءات المجتمعة، فكان صلى الله عليه سلم الخاتم والرسول الجامع والرسول المانع.
ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما( ١٦٤ ) ( سورة النساء ).
ويتكلم الحق سبحانه عن تاريخ النبوات مع قومهم بكلمة " قصصنا " ولذلك حكمة، فالقصص معناه أنه لا عمل في الأحداث للرسول بل تأتي الأحداث في السياق كما وقعت وسبحانه يعلم أزلا أن خلقه سيبتكرون فنا اسمه " فن القصص ".
ومن العجيب أنهم يسمونه فن القصص، وينسج المؤلفون حكايات خيالية أو حكايات ليس لها واقع، وعندما يأتون إلى التاريخ الواقع يزيد المؤلف جزءا من الأحداث أو يضيف من خياله أشياء، ويقولون هذه متطلبات إتقان فن القص، ويحرمون أنفسهم من أمانة النقل، ولذلك يأتي الحق ليوضح لنا أن القص الخاص بالرسل وبغيرهم في القرآن قصص واقعي حقيقي حدث فعلا.
وكلمة " القصص " مأخوذة من قص الأثر أي أن نسير مع القدم كما تذهب، فلا نذهب هنا ولا نذهب هناك، وحكايات الأنبياء في القرآن واقعية ومن رواية الحق لا من رواية الخلق، وثمة فارق بين ما يرويه الحق لخلقه ليسيروا على المنهج وما يرويه الخلق بعضهم لبعض للتسلية أو غير ذلك ونجد روايات الخلق تزدحم في بعض الأحيان بخيال البشر مثل روايات جورجي زيدان عن الإسلام والأنبياء، وعندما سألوه لماذا أضاف من عنده إلى الواقع أجاب الإجابة التقليدية : فعلت ذلك من أجل الحبكة القصصية.
ويجب أن نميز ونفرق بين روايات الخلق وقصص الحق ونضعه في بؤرة الشعور حتى لا يدخل أحد من خياله على قصص القرآن ما ليس فيه وحتى لا يأتي واحد ذات يوم ويقول : إن كل القصص واحد، فنحن في القرآن لسنا أمام مؤلف بل أمام الخالق الأعلى الذي يروي لنا ما يعلمنا وسبحانه علم أزلا ما سيدور في كونه لذلك قال :
نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين( ٣ ) ( سورة يوسف ).
وسبحانه قد قص على الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن أحسن القصص، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيعالج أجناس العالم التي توزعت على جميع الرسل من إخوانه ومادام عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون مع كل الأجناس البشرية الذين تفرقوا من قبل على الرسل من إخوانه فلا بد أن يوضح سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده : أنه حدث مع الرسول فلان كذا، وكان مبعوثا إلى قوم كان موقفهم منه كذا، وكانت داءات ذلك المجتمع هي كذا وكذا، ومحمد صلى الله عليه وسلم كما نعلم موكول إليه علاج كل أجناس البشر وكذلك أمته من بعده، ولا بد أن يعرفوا أخبار كل المجتمعات والرسل ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ).
إذن فكلمة " قصص " تدل على أنها حكايات لحركة العقيدة التي كانت مع كل الرسل، والتاريخ كما نعلم هو ربط الأحداث بأزمانها فمرة نجعل الحدث هو المؤرخ له، ثم نأتي بأشخاص كثيرين يدورون حول الحدث ومرة نجعل الشخص هو الأصل والأحداث تدور حوله، فإذا قلنا كلمة " سيرة " فنعني أننا جعلنا الشخص هو محور الكلام، ثم تدور الأحداث حوله وإن أرخنا للحدث، نجعل الحدث هو الأصل والأشخاص تدور حوله.
مثال ذلك : عندما نأتي لنتكلم عن حدث الهجرة نجعل هذا الحدث هو المحور ونروي كيف هاجر رسول الله ومعه أبو بكر، وكيف هاجر عمر ابن الخطاب وغيره من الصحابة وبذلك تكون الهجرة هي المحور وكيف دار الأشخاص حول هذا الحدث الجليل.
ومثال آخر : عندما نروي سيرة من السير مثل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نجعل النبي صلى الله عليه وسلم محور الحديث والتاريخ ونروي كيف دارت الأحداث في حياته.
إذن فأخبار قصص الرسل تكون هي المحور ونلتقط الأحداث التي مرت عليهم، لأن الرسالات حين تأتي بمنهج السماء تنقسم إلى قسمين : قسم نظري يريد الحق أن يعلمه لخلقه بواسطة الرسول، وهو القسم العلمي فتلك قضايا يجب أن يعلموها وقسم عملي، لأن الحق يريد من خلقه أن يعلموا ويريد منهم أيضا بعد أن يعلموا أن يطوعوا حركة حياتهم على ضوء ما علموا فليست المسألة رفاهية علم، ولكنها مسؤولية تطبيق ما علموا في محور " افعل " و " لا تفعل ". ولو كانت المسألة أن يعلم الخلق فقط، لكان من الممكن أن نقول : ما أيسرها من رحلة.
لقد وجدنا كفار قريش عندما طلب الرسول منهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، قاوموا ذلك، ولو كانوا يعلمون أنها مجرد كلمة تقال لقالوها لكنهم عرفوا مطلوب الكلمة وعرفوا أنهم لن توجد سيادة ولا عبودية ولا أوامر لأحد غير الله ومعنى ذلك المساواة المطلقة بين العباد.
إذن فكل تكليف من السماء إنما نزل، والقصد من العلم به هو العمل به، أي توظيف العلم تطبيقا فلا قيمة لعلم دون عمل وعندما يبلغ الرسول القوم : هذا هو الحكم ومطلوب من كل واحد منكم أن يطوع حركة حياته على ضوء هذا الحكم وتجيء الأحكام دائما في طاقة البشر.
وهناك أناس قد علموا وعملوا وهذه هي قصصهم، هذه قصة فلان وقصة فلان، فالقصص يعطينا الجانب العملي المطلوب للمنهج ولذلك قص لنا الحق قصص الرسل في القرآن ويبلغنا الحق بالنسب الإيماني ويعلمنا النسب المعترف به عند الأنبياء فيحكي قصة نوح عليه السلام، عندما أوحي إليه بضرورة أن يصنع السفينة وسخر قومه منه وبعد أن صنعها جاءه الأمر الإلهي بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين ويقول الحق :
ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون( ٣٨ )فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم( ٣٩ )حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل( ٤٠ ) ( سورة هود ).
قوله الحق " إلا من سبق عليه القول " كان يجب ألا تمر على فطنة نوح ذلك لأنها تتضمن أن هناك أناسا من أهله لن يؤمنوا فيقول لابنه :
ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ( من الآية٤٢سورة هود ).
وكان الرد :
قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ( من الآية٤٣سورة هود )
فقال نوح :
قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ( من الآية٤٣سورة هود )
وبعد أن غرق ابن نوح وابتلعت الأرض ماءها نادى نوح ربه فقال :
رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ( من الآية٤٥سورة هود )
نحن إذن أمام لقطة قصصية في قصة نوح يلفتنا بها الحق إلى مسألة بنوة الرسالات فالبنوة هنا منهجية ومن يتبع النبي هو الذي يكون من نسبه ومن لا يتبع النبي فليس من نسبة. لذلك قال الحق ( يا نوح إنه ليس من أهلك ). فأهل النبوة هم الذين اتبعوا منهج النبي ويشرحها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال عن سلمان الفارسي :
( سلمان منا أهل البيت )(١).
ولم يقل : إن سلمان عربي، أو إنه من المسلمين لكنه قال : إنه من أهل البيت وقد أوضح الحق ذلك في قصة ابن نوح ( إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ).
وخاض في معنى " ليس من أهلك " بعض الخائضين باللغو وقالوا : إن أم ابن نوح قد فعلت السوء ولهؤلاء نقول : استغفروا ربكم وانظروا إلى حيثية الحكم.
إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم ( من الآية٤٦سورة هود ).
إذن فنسبة الأبناء للآباء من الأنبياء نسبة عمل لا نسبة دم ولا نسبة عن زواج أو إنجاب أما الذين قالوا السوء في امرأة فعليهم أن يستغفروا الله، فالحق سبحانه منزه عن التدليس على رسوله وهب أن أم الولد قد فعلت ذلك معاذ الله فما ذنب الولد حين تصير أمه إلى هذا ؟ لا دخل للولد بذلك لكن قول الله : " إنه عمل غير صالح " يدل على أن ثبوت البنوة الإيمانية يكون بالعمل فقط.
ولننظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله وعشيرته فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : لما نزلت ( وأنذر عشيرتك الأقربين جعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بطون قريش بطنا بطنا : يا بني فلان أنقذوا أنفسكم من النار حتى انتهى إلى فاطمة فقال : يا فاطمة ابنة محمد أنقذي نفسك من النار لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها )(٢).
ويضرب الله المثل في الزوجات، فيقول :
ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين( ١٠ ) ( سورة التحريم )
وليس المقصود بالخيانة هنا الخيانة الجنسية، لكن لنستدل على أن الرسول وإن كان رسولا ليس له من القدرة على أن يقهر زوجه وامرأته على عقيدة، فهي تملك حرية الاعتقاد فلا ولاية هنا للرجل على المرأة في العقيدة حتى إن ادعى الألوهية كفرعون مثلا يقول ا
١ رواه الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير عن عمرو بن عوف.
.

٢ رواه الإمام أحمد ورواه مسلم في الإيمان، والبخاري في الأدب والترمذي في التفسير والنسائي في الوصايا.
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير