ومن بعد ذلك يقول الحق :
إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا( ١٦٨ ) إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا( ١٦٩ ) .
والحديث هنا يبدأ عن الكفر والظلم " إن الذين كفروا وظلموا " والكفر هو ستر الوجود الأعلى والظلم معناه أنهم عاشوا بمنهج بشري لا يؤدي لهم متاعا ولا سعادة في حياتهم الدنيا وبذلك يكونون قد ظلموا أنفسهم ومن بعد ذلك يقودهم هذا المنهج إلى عذاب الآخرة والذي كفر ستر وجود الله وحرم نفسه بستر الوجود الأعلى من المنهج الذي يأتي به الله إنه بذلك قد ضل ضلالا بعيدا وسبحانه القائل :
فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ( من الآية١٢٣سورة طه ).
وهناك آية أخرى يقول فيها الحق : فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( من الآية٣٨سورة البقرة ).
والذي يأخذ بهوى نفسه وبمنهج البشر فإن له معيشة ضنكا ضيقة شديدة. ولا يظنن ظان أن الذي يأخذ ويتناول الأمور بهواه قد أخذ انطلاقا بلا حدود وراحة لا نهاية لها، لا، لأن الذي يفعل ذلك قد يرتاح مرة لكنه يقابل التعب ويعيش فيه ولا ينفك عنه من بعد ذلك، وهكذا يظلم نفسه.
وقد يقول قائل : لقد ظلموا أنفسهم، ومعنى ذلك أنه لا بد من وجود ظالم ومظلوم فمن هو الظالم ومن هو المظلوم ؟ كل واحد منهم الظالم وكل واحد منهم المظلوم، لأن الإنسان مركب من ملكات متعددة، ملكة شهوات تريد أن تنطلق إلى الشهوات وملكة قيم تريد أن يحفظ الإنسان نفسه ويسير على صراط القيم المستقيم.
وفي حالة من يكفر ولا يتبع منهج الله إنما يترك الفرصة لملكة الشهوات أن تظلم ملكة القيم، والإسلام إنما جاء ليوازي بين الملكات لتتساند في النفس البشرية فلا يطغى سيال ملكة على سيال ملكة أخرى.
إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا( ١٦٨ )إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا( ١٦٩ ) ( سورة النساء ).
هذا هو حكم الحق في الذين يكفرون ويظلمون أنفسهم، لن ينالوا مغفرة الله وليس أمامهم إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا.
تفسير الشعراوي
الشعراوي