يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ. . .
قلت : الاستثناء منقطع، وكان تامة لمن رفَع، وناقصه لمن نصب، واسمها : ضمير الأموال، على حذف مضاف، إلاَّ أن تكون الأموال أموالَ تجارة.
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الذي لا تُجوزه الشريعة، كالربا والقمار، والغصب والسرقة، والخيانة والكهانة والسحر وغير ذلك إلا أن تكون ، أي : لكن إن وجدت تجارة صحيحة عن تراضٍ منكم أي : اتفاق منكم على البيع، وبه استدلت المالكية على انعقاد البيع بالعقد ولو لم يحصل تفرق بالأبدان.
وقال الشافعي : إنما يتم بالتفرق بالأبدان، لقوله عليه الصلاة والسلام :" البَيِّعَان بالخِيَار مَا لَمْ يتَفَرَّقَا " وحمله مالك على التفرق بالكلام، وقال أكثر المفسرين : التخيير، هو أن يُخير كلُ واحد منهما صاحبه بعد عقد البيع، وقد ابتاع عمرو بن جرير فرسًا، ثم خَيَّر صاحبه بعد البيع، ثم قال : سمعت أبا هريرة يقول : البيع عن تراض. قال البيضاوي : وتخصيص التجارة من الوجوه التي يحل بها انتقال مال الغير، لأنها أغلب وأوفق لذوي المروءات، ويجوز أن يُراد بها الانتقال مطلقًا. وقيل : المقصود بالنهي : صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى، وبالتجارة : صرفه فيما يرضى. ه.
الإشارة : لا تصرفوا أموالكم ولا أحوالكم في غير ما يُقربكم إلى الحق ؛ فإن ما سوى الحق كله باطل، كما قال الشاعر :١
| ألا كُلُّ شيء مَا خَلآ اللهَ باطلُ | وكُلٌّ نَعِيمٍ لا مَحَالةَ زائل |
ثم تكلم على بعض ما يتعلق بحفظ الأبدان، وسيأتي تمامه في قوله :
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ. . . [ النساء : ٩٢ ] إلى آخر الآيات، فقال :
. . . وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
يقول الحقّ جلّ جلاله : ولا تقتلوا أنفسكم ، بالخنق أو بالنخع٢ أو بالجرح، الذي يؤدي إلى الموت، أو بالإلقاء إلى التهلكة. وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال :( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزوة ذَات السَّلاَسِلِ، فأجنَبتُ في لَيْلَة بَارِدَة، فَأشْفَقْتُ على نفسي وصَليْتُ بأصحَابِي صَلاة الصُبح بالتيمم. فلَمّا قَدِمتُ ذَكَرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :" يا عَمرُو صلَّيتَ بأصحَابِكَ وأنت جُنُب ؟ " قلت : نعم يا رسول الله، أشفيتُ إن اغتسلتُ أن أهلك، فذكرت قوله تعالى : لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئاً ).
أو : ولا تقتلوا إخوانكم في الإسلام، فإن المؤمنين كنفس واحدة.
قال البيضاوي : جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال الذي هو شقيقها من حيث إنه سبب قوامها استبقاء لهم. ه.
وإنما نهاكم عن قتل أنفسكم رأفة، ورحمة بكم، إن الله كان بكم رحيمًا ، فقد أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم، وأنتم نهاكم عنه.
٢ النخع: هو القتل الشديد، مشتق من قطع النخاع..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي