يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ٢٩ .
وعندما يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفت خلقه إلى أن يؤمنوا به يلفتهم إلى الكون، ويلفتهم إلى ما خلق الله من ظواهر ليتأكدوا أن هذه الظواهر لا يمكن أن تكون قد نشأت إلا عن قادر عليم حكيم، فإذا ما انتهوا إلى الإيمان به استقبلوا التكليف الذي يتمثل في افعل كذا ولا تفعل كذا، فحين يخاطبهم بالتكليف يجعل لأمر التكليف مقدمة هي أنك ألزمت نفسك في أن تدخل إلى هذا التكليف، ولم يرغمك الله على أن تكون مكلفا، وإنما أنت دخلت إلى الإيمان بالله باختيارك وطواعيتك. وما دمت قد دخلت على الإيمان باختيارك وطواعيتك فاجعل إيمانك بالله حيثية كل حكم يحكم به الله عليك. من افعل كذا ولا تفعل كذا، ولا تقل : لماذا أفعل كذا يا رب، ولماذا لا أفعل كذا يا رب ؟ بل يكفي أن تقول : الذي آمنت به إلها حكيما قادرا هو سبحانه مأمون على أن يأمرني وأن ينهاني. ولذلك يجيء الحق دائما قبل آيات التكليف بقوله سبحانه : يا أيها الذين آمنوا فهو لم يكلف مطلق الناس، وإنما كلف من آمن به.
إذن فحين يكلف من آمن به لا يكون قد اشتط وجار عليه لأنه قد آمن به بمحض اختياره.
وإذا لفت إنسانا ونبهته وأمرته بأمر تكليفي مثل صل، أو امتنع عن فعل المنكر فقال لك : لا إكراه في الدين هنا يجب أن تقول له : أنت لم تفهم معنى قول الحق : لا إكراه في الدين فأصل التدين والإيمان بالله ألا يكرهك أحد عليه، بل ادخل إلى الإيمان بالله باختيارك، لكن إذا دخلت إلى الإيمان بالله فالتزم بالسماع من الله في " افعل " و " لا تفعل " فحين يقول الحق : يا أيها الذين آمنوا فهو يعطينا حيثيات التكليف، أي علة الحكم. فعلة الحكم أنك آمنت بالله إلها حكيما قادرا.
وما دمت آمنت بالله إلها حكيما قادرا فسلم زمام الأوامر والنواهي له سبحانه، فإن وقفت في أمر بشيء أو نهي عن شيء فراجع إيمانك بالله.
إذن فقوله : لا إكراه في الدين أي أنك حر على أن تدخل في الإيمان بالله أو لا تدخل، لكن إذا ما دخلت فإياك أن تكسر حكما من أحكام الله الذي آمنت به، وإن كسرت حكما من أحكام الله تدخل معنا في إشكال ارتكاب السيئات أو الذنوب.
والأحكام التي سبقت للذين آمنوا هي أحكام تعلقت بالأعراض وبإنشاء الأسرة على نظام طاهر نقي كي يأتي التكاثر نقيا طاهرا، وتكلمت الآيات عن المحرمات من النساء وكذلك المحللات ؛ وهاهو ذا سبحانه يتكلم عن المال، وهو الذي يقيم الحياة، والمال كما نعرف ثمرة الجهد والمشقة، وكل ما يتمول يعتبر مالا، إلا أن المال ينقسم قسمين : مال يمكن أن تنتفع به مباشرة، فهناك من يملك الطعام، وآخر يملك الشراب، وثالث يملك أثوابا، وهذا نوع من المال ينتفع به مباشرة، وهناك نوع آخر من المال، وهو " النقد " ولا ينتفع به مباشرة، بل ينتفع به بإيجاد ما ينتفع به مباشرة.
وهكذا ينقسم المال إلى رزق مباشر ورزق غير مباشر. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة الحياة، لأنه بحماية حركة الحياة يغري المتحرك بأن يتحرك ويزداد حركة. ولو لم يحم الحق حركة الحياة، وثمرة حركة الحياة فماذا يقع ؟ تتعطل حركة الحياة.
وإننا نلاحظ أن كل مجتمع لا يؤمن فيه على الغاية والثمرة من عمل الإنسان تقل حركة العمل فيه، ويعمل كل واحد على قدر قوته. ويقول لنفسه : لماذا أعمل ؟ لأنه غير آمن. لكن إذا كان آمنا على ثمرة حركته يغريه الأمن على ماله على أن يزيد في حركة العمل، وحين تزيد حركة العمل فالمجتمع ينتفع وإن لم يقصد المتحرك. فليس ضروريا أن يقصد الإنسان بكل حركته أن ينفع المجتمع. لا، اجعله يعمل لنفع نفسه.
لقد ضربنا هذا المثل سابقا : إنسان مثلا عنده آلاف الجنيهات وبعد ذلك وضعها في خزانة ثم تساءل : لماذا أضعها في خزانة ؟ لماذا لا أبني بها بيتا آخر وأكري منه شقتين، فسيأتيني منه عائد ؟ هل كان المجتمع في بال مثل هذا الإنسان ؟ لا، إن باله مشغول بمصلحته ؛ لذلك فلنجعل مصلحة كل إنسان في باله، وهنا سيستفيد المجتمع بحركته قصد أو لم يقصد. لأنه ساعة يأتي ليحفر الأساس سيعطى أناسا أجورهم ؛ وساعة يأتي بالطوب يشتريه بثمن، وساعة يبنى يعطى المهندس والعمال أجورهم ؛ لذلك أقول : اعمل لنفسك في ضوء شرع الله، وسينتفع المجتمع قهرا عنك.
ومن العجيب أنك تريد أن تنفع نفسك فيبين لك ربنا : أنت ستنفع غيرك قبل أن تنتفع بعائد المنزل الذي بنيته، ولا تظن أن أحدا سيأخذ رزق ربنا ولن يجريه على الخلق، لا، إن المجتمع سينتفع بالرغم منك.
إذن فمن حظ المجتمع أن نصون حركة الحياة. ونؤمن كل متحرك في الحياة على ماله. لكن إن كنا حاكمين يجب أن تكون أعيننا مبصرة : أيكسب من حل أم لا ؟ فإذا كان الكسب حلالا نشكره، اما إذا كان يكسب من حرام، فنحن نسائله، وإن عمل على غير هذا توقفت حركة الحياة، وإن توقفت حركة الحياة فهذا أمر ضار بالذين لا يقدرون على الحركة، لماذا ؟ لأن الله قسم المواهب على الناس، فليس كل واحد من الناس يملك الطموح الحركي، ولا يملك كل إنسان فكرا يخطط به، فقد لا يكون في المجتمع إلا قلة تخطط، والباقون هم جوارح تنفعل للفكر المخطط، والفكر يعمل لجوارح كثيرة، فكذلك يكون هناك مفكر واحد هو الذي يضع خطة ينتفع بها الكثير من الناس.
إذن فلا بد أن نرعى حركة المتحرك وننميها ؛ لأن المجتمع ينتفع منها، وإن لم يقصد المتحرك إلا مصلحة نفسه، صحيح أن الذي ليس في باله إلا نفسه إنما يحبط ثواب عمله، وصحيح أن من يضع الناس في باله إنما يعطى ثمرة عمله ويأخذ ثوابا أيضا من الله.
والحق سبحانه وتعالى يأتي في مسائل المال ويوضحها توضيحا تاما ليحمي حركة الحياة ويغري الناس بالحركة وبذلك يتعدد المتحركون وتتعدد الحركات، ويستفيد المجتمع، فقال : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وساعة تجد أمرا لجماعة في جمع مأمور به فقسم الأفراد على الأفراد.
مثال ذلك : عندما نقول لجماعة : اركبوا سياراتكم أي : ليركب كل واحد منكم سيارته، والمدرس يدخل الفصل ويقول للتلاميذ : أخرجوا كتبكم. أي أن كل تلميذ عليه أن يخرج كتابه. فمقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، وقول الحق : لا تأكلوا فهذا أمر لجمع. و أموالكم أيضا جمع، فيكون معناه : لا يأكل كل واحد ماله، وكيف لا يأكل كل واحد منكم ماله ؟ يوضح الحق : " بالباطل ". فيكون مطلوبا من كل واحد منكم ألا يأكل ماله بالباطل. والإنسان يأكل الشيء لينتفع به. والحق يوصيك ويأمرك : إياك أن تصرف قرشا من مالك وتضيعه إلا في حق، هذا إذا كنا سنقابل المفرد، فلا يأكل واحد منكم ماله بالباطل، بل يوجهه إلى الأمر النافع، الذي ليس فيه حرمة، والذي لا يأتي بعذاب في الآخرة.
وإذا كان المراد أن لا أحد يأكل مال الآخر، فسنوضحه بالمثل الآتي : لنفترض أن تلميذا قال لمدرسه : يا أستاذ قلمي كان هنا وضاع. فيقول الأستاذ للتلاميذ : لا تسرقوا أقلامكم، فهل معنى ذلك أن الأستاذ يقول : لا يسرق كل واحد قلمه أو لا يسرق كل واحد قلم أخيه، إذن فيكون المعنى الثاني ولا تأكلوا أموالكم ، أي لا يأكل كل واحد منك مال أخيه بالباطل.
وكيف يقول :" أموالكم " ؟ ومادام مالهم فليس عليهم حرج ؟ لا ؛ لأن معناها المقصود : لا يأكل كل واحد منكم مال أخيه. ولماذا لم يقل ذلك وقال :" أموالكم " ؟ لأن عادة الأوامر من الحق ليست موجهة إلى طائفة خلقت على أن تكون آكلة، وطائفة خلقت على أن تكون مأكولة، بل كل واحد عرضة في مرة أن يكون آكلا لمال غيره ؛ ومرة أخرى يكون ماله مأكولا. فأنا إذا أكلت مال غيري فسوف يأكل غيري مالي. فأكون قد عملت له أسوة ويأكل مالي أيضا، فكأنه سبحانه عندما يقول لك : لا تأكل مالك إنما ليحمي لك مالك.
إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يصنع من المجتمع الإيماني مجتمعا واحدا. ويقول إن المال الذي عند كل واحد هو للكل. وإنك إن حافظت على مال غيرك حافظ غيرك على مالك. وأنت إن اجترأت على مال غيرك فسيجترئ المجموع على مالك. وأنت ساعة تأكل مال واحد تجرئ آلاف الناس على أن يأكلوا مالك. وحين لا تأكل مال غيرك كأنك لم تأكل مالك.
لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وكلمة " أكل " معناها : الأخذ ؛ لأن الأكل هو أهم ظاهرة من ظواهر الحياة ؛ لأنها الظاهرة المتكررة، فقد تسكن في بيت واحد طوال عمرك، وتلبس جلبابا كل ستة أشهر، لكن أنت تتناول الأكل كل يوم، وحينما نزلت الآية قال المسلمون : نحن لا نأكل أموالنا بالباطل. وتحرجوا أن يأكلوا عند إخوانهم. وبعد ذلك رفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوضح أن أكل التكارم ليس بالباطل أنزل الله قوله :
ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ( من الآية ٦١ سورة النور ).
هذه رفعت عندهم الحرج، إنما ساعة سمعوا أكل الباطل قالوا : لا آخذ حاجة من أحد إلا بمقابل.
وما هو " الباطل " ؟.. الباطل هو أن تأخذ الشيء بغير حقه. مثال ذلك الربا، لأن معنى " ربا " أن واحدا عنده فائض وآخر يحتاج، والمحتاج ليس عنده الأصل أنطلب منه أن يرد الأصل وزيادة، ويعطى الزيادة لمن عنده ؟.
كيف يتأتى هذا ؟ هذا هو الآخذ بالربا، أو الأخذ بالسرقة، بالاختلاس أو بالرشوة أو بالغش في السلع، كل ذلك هو آكل مال بالباطل، وساعة تريد أن تأكل مالا بالباطل ؛ كأنك تريد أن تتمتع بثمرة عمل غيرك، وأنت بذلك تتعود على التمتع بثمرة عمل غيرك، وتضمحل عندك قدرة العمل ويصير أخذك من غيرك. أخذا لماله كرها وبغير وجه حق وبذلك تتعطل حركة متحرك في الحياة وهو ذلك العاطل " البلطجي "، ويخاف المتحرك في الحياة وهو من تفرض عليه الإتاوة فيقل ويضعف نشاطه في الحياة، كيف يكون شكل هذا المجتمع ؟ إن المجتمع في هذه الحالة سيعاني من كرب وصعوبات في الحياة.
فقوله سبحانه : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل هو أمر لكل مسلم : لا تراب، ولا تسرق، ولا تغش، ولا تدلس، ولا تلعب ميسرا، ولا تختلس، ولا ترتش ؛ لأن كل هذه الأمور هي أكل أموال بالباطل. وعندما ندقق في مسألة لعب الميسر نجد أمرا عجيبا ؛ فالذين يلعبون الميسر يدعون أنهم أصدقاء، وينتظر بعضهم بعضا ويأكلون معا، وكل واحد منهم يجلس أمام الآخر وهو حريص أن يأخذ ما في جيبه، فأي صداقة هذه ؟.
إذن فساعة يقول الحق : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، وساعة يأمرك الحق : إياك أن يصعب عليك التكليف ؛ لأنه شاق عليك، ولكن قدر ما يأخذه منك التكليف من تضييق حركة تصرفك، وما يعطيك التكليف من تضييق حركة الآخرين، الحق قال لك : لا تأخذ مال غيرك لكي لا يأخذ غيرك مالك، وبذلك تكسب أنت ويكسب كل المجتمع، فحين يصدر أمر لإنسان أن يكف يده عن السرقة فهو أمر للناس جميعا كي يكفوا عن سرقة هذا الإنسان ؛ لذلك فحين تستقبل أي حكم عن الله
تفسير الشعراوي
الشعراوي