ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

باب بِرِّ الوالدين


قال الله تعالى : واعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوَالِدَيْنِ إحْسَاناً فقرن تعالى ذكره إلزامَ بِرِّ الوالدين بعبادته وتوحيده وأمر به كما أمر بهما، كما قرن شكرهما بشكره في قوله تعالى : أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير [ لقمان : ١٤ ]، وكفى بذلك دلالةً على تعظيم حقهما ووجوب بِرِّهما والإحسان إليهما. وقال تعالى : ولا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً [ الإسراء : ٢٣ ] إلى آخر القصة. وقال تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه حسناً [ العنكبوت : ٨ ]. وقال في الوالدين الكافرين : وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً [ لقمان : ١٥ ]. ورَوَى عبدالله بن أنيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" أَكْبَرُ الكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بالله وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ وَاليَمِينُ الغَمُوسُ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَحْلِفُ أحَدٌ وإن كانَ على مِثْلِ جَنَاحِ البَعُوضَةِ إلا كانَتْ وَكْتَةً فِي قَلْبِهِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ ! ".
قال أبو بكر : فطاعة الوالدين واجبة في المعروف لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقد حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا سعيد بن منصور قال : حدثنا عبدالله بن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث أن درّاجاً أبا السَّمْح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري : أن رجلاً من اليمنِ هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :" هَلْ لَكَ أحَدٌ باليَمَنِ ؟ " قال : أبواي : قال :" أذِنَا لَكَ ؟ " قال : لا، قال :" ارْجِعْ إلَيْهِمَا فاسْتَأذِنْهُما فإنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وإلا فَبَرَّهُما ". ومن أجل ذلك قال أصحابنا : لا يجوز أن يجاهد إلا بإذن الأبوين إذا قام بجهاد العدوّ من قد كفاه الخروج، قالوا : فإن لم يكن بإزاء العدوّ مَنْ قد قام بفرض الخروج فعليه الخروج بغير إذن أبويه، وقالوا في الخروج في التجارة ونحوها فيما ليس فيه قتال : لا بأس به بغير إذنهما ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما منعه من الجهاد إلا بإذن الأبوين إذا قام بالفرض غيره، لما فيه من التعرُّض للقتل وفجِيعَةِ الأبوين به، فأما التجارات والتصرف في المباحات التي ليس فيها تعرُّضٌ للقتل فليس للأبوين مَنْعه منها ؛ فلذلك لم يَحْتَجْ إلى استئذانهما. ومن أجل ما أكّد الله تعالى من تعظيم حق الأبوين قال أصحابنا : لا ينبغي للرجل أن يقتل أباه الكافر إذا كان محارباً للمسلمين، لقوله تعالى : ولا تقل لهما أفّ [ الإسراء : ٢٣ ] وقوله تعالى : وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً [ لقمان : ١٥ ]، فأمر تعالى بمصاحبتهما بالمعروف في الحال التي يجاهدانه فيها على الكفر، ومن المعروف أن لا يُشْهِرَ عليهما سلاحاً ولا يقتلهما إلا أن يُضطرَّ إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله، فحينئذٍ يجوز قتله لأنه إن لم يفعل ذلك كان قد قَتَلَ نفسه بتمكينه غيره منه، وهو منهيٌّ عن تمكين غيره من قتله كما هو منهيٌّ عن قتل نفسه، فجاز له حينئذٍ من أجل ذلك قتله. وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم :" أنه نَهَى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركاً ". وقال أصحابنا في المسلم يموت أبواه وهما كافران : إنه يغسلهما ويتبعهما ويدفنهما ؛ لأن ذلك من الصحبة بالمعروف التي أمره الله بها.
فإن قال قائل : ما معنى قوله تعالى : وَبِالوَالِدَيْنِ إحْسَاناً وما ضميره ؟ قيل له : يحتمل : استوصوا بالوالدين إحساناً، ويحتمل : وأحسنوا بالوالدين إحساناً.
وقوله تعالى : وَبِذِي القُرْبَى أمْرٌ بصلة الرَّحِمِ والإحسان إلى القرابة، على نحو ما ذكره في أول السورة في قوله تعالى : والأرحام ، فبدأ تعالى في أول الآية بتوحيده وعبادته، إذ كان ذلك هو الأصل الذي به يصح سائر الشرائع والنبوات وبحصوله يُتَوَصَّل إلى سائر مصالح الدين، ثم ذكر تعالى ما يجب للأبوين من الإحسان إليهما وقضاء حقوقهما وتعظيمها، ثم ذكر الجار ذا القربى وهو قريبك المؤمن الذي له حق القرابة وأوجب له الدين الموالاة والنصرة، ثم ذكر الجار الجنب وهو البعيد منك نسباً إذا كان مؤمناً فيجتمع حقّ الجوار وما أوجبه له الدين بعصمة الملّة وذمة عقد النِّحْلَة. ورُوي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك قالوا :" الجار ذو القربى القريب في النسب ". ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" الجِيرَانُ ثَلاَثَةٌ : فَجَارٌ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ حَقُّ الجِوَارِ وَحَقُّ القَرَابَةِ وحَقُّ الإِسْلامِ، وجَارٌ له حَقَّانِ حَقُّ الجِوَارِ وَحَقُّ الإسْلامِ، وجَارٌ له حَقُّ الجِوَارِ المُشْرِكُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ".
وقوله تعالى : والصَّاحِبِ بالجَنْبِ رُوي فيه عن ابن عباس في إحدى الروايتين وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك :" أنه الرفيق في السفر ". ورُوي عن عبدالله بن مسعود وإبراهيم وابن أبي ليلى :" أنه الزوجة "، ورواية أخرى عن ابن عباس :" أنه المنقطع إليك رَجَاءَ خيرك ". وقيل :" هو جار البيت دانياً كان نسبه أو نائياً إذا كان مؤمناً ".
قال أبو بكر : لما كان اللفظ مُحْتَمِلاً لجميع ذلك وجب حَمْلُهُ عليه وأن لا يُخَصَّ منه شيءٌ بغير دلالة، وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ما زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ". وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أو لِيَصْمُتْ ". ورَوَى عبيد الله الوصافي عن أبي جعفر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما آمَنَ مَنْ أمْسَى شَبْعَانَ وأَمْسَى جَارُهُ جائعاً ". ورَوَى عمر بن هارون الأنصاري عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ سُوءُ الجِوَارِ وقَطِيعَةُ الأَرْحَامِ وتَعْطِيلُ الجِهَادِ ". وقد كانت العربُ في الجاهلية تعظّم الجوار وتحافظ على حفظه وتوجب فيه ما توجب في القرابة، قال زهير :
* وجَارُ البَيْتِ والرّجُلُ المنادِي * أمَامَ الحيِّ عَقْدُهُما سَوَاءُ *
يريد بالرجل المنادي من كان معك في النادي، وهو مجلس الحيّ. وقال بعض أهل العلم : معنى الصاحب بالجَنْبِ أنه الجار الذي يلاصق دارُهُ دارَهُ، وإنَّ الله خصه بالذكر تأكيداً لحقه على الجار غير الملاصق. وقد حدثنا عبدالباقي بن قانع قال : حدثنا أبو عمر ومحمد بن عثمان القرشي ورّاق أحمد بن يونس قال : حدثنا إسماعيل بن مسلم قال : حدثنا عبدالسلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عن أبي العلاء الأزدي عن حميد بن عبدالرحمن الحِمْيري عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إذا اجتمع الداعيان فأجِبْ أقْرَبَهُما باباً، فإنّ أقْرَبَهُما باباً أقْرَبُهما جواراً، وإذا سبق أحدهما فابدأ بالذي سبق ". وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم :" أن أربعين داراً جوارٌ ". وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال : حدثنا الحسن بن شبيب المعمري قال : حدثنا محمد بن مصفّى قال : حدثنا يوسف بن السفر عن الأوزاعي عن يونس عن الزهري قال : حدثني عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال :" أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال : إني نزلت بمحلة بني فلان وإنّ أشدّهم لي أذًى أقربهم من جِواري ؛ فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليّاً أن يأتوا باب المسجد فيقوموا على بابه فيصيحوا ثلاثاً ألا إنّ أربعين داراً جوارٌ ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائِقَه " قال : قلت للزهري : يا أبا بكر أربعين داراً ؟ قال : أربعين هكذا وأربعين هكذا. وقد جعل الله الاجتماع في مدينة جواراً، قال الله تعالى : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً [ الأحزاب : ٦٠ ] فجعل تعالى اجتماعهم معه في المدينة جواراً.
والإحسان الذي ذكره الله تعالى يكون من وجوه : منها المواساة للفقير منهم إذا خاف عليه الضرر الشديد من جهة الجوع والعُرْي، ومنها حسن العشرة وكفّ الأذى عنه والمحاماة دونه ممن يحاول ظلمه وما يتبع ذلك من مكارم الأخلاق وجميل الفعال. ومما أوجب الله تعالى من حقّ الجوار الشفعة لمن بِيعَتْ دارٌ إلى جنبه ؛ والله الموفق.
ذكر الخلاف في الشفعة بالجوار
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر :" الشريك في المبيع أحقُّ من الشريك في الطريق، ثم الشريك في الطريق أحقُّ من الجار الملازق، ثم الجار الملازق بعدهما "، وهو قول ابن شبرمة والثوري والحسن بن صالح. وقال مالك والشافعي :" لا شفعة إلا في مشاع، ولا شفعة في بئر لا بياض لها ولا تحتمل القَسْم ". وقد رُوي وجوبُ الشفعة للجار عن جماعة من السلف، رُوي عن عمر وعن أبي بكر بن أبي حفص بن عمر قال : قال شريح : كتب إليّ عمرُ أن أقضي بالشفعة للجار ". وروى عاصم عن الشعبي عن شريح قال :" الشريك أحَقّ من الخليط، والخليطُ أحقّ من الجار، والجارُ أحقّ ممن سواه ". وروى أيوب عن محمد قال :" كان يقال الشريك أحَقُّ من الخليط، والخليطُ أحقُّ ممن سواه ". وقال إبراهيم :" إذا لم يكن شريكٌ فالجار أحقُّ بالشفعة ". وقال طاوس مثل ذلك. وقال إبراهيم بن ميسرة : كتب إلينا عمر بن عبدالعزيز :" إذا حُدَّتِ الحدود فلا شفعة "، وقال طاوس :" الجار أحقُّ ".
والذي يدل على وجوب الشفعة للجار ما رَوَى حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرض ليس لأحد فيها شريك إلا الجار ؟ فقال :" الجَارُ أحَقُّ بسَقَبِهِ ما كَانَ ". وروى سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" الجَارُ أحَقُّ بسَقَبِهِ ". وَرَوَى أبو حنيفة قال : حدثنا عبدالكريم عن المِسْوَرِ بن مخرمة عن رافع بن خديج قال : عرض سَعْدٌ بيتاً له، فقال : خذه فإني قد أُعطيت به أكثر مما تعطيني ولكنك أحقّ به ؛ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" الجَارُ أحَقُّ بسَقَبِهِ ". وروى أبو الزبير عن جابر قال :" قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة بالجوار ". وروى عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الجَارُ أحَقُّ بسَقَبِهِ ينتظِرُ بِهِ وإنْ كَانَ غَائِباً إذا كانَ طَرِيقُهُما واحداً ". وروى ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الجَارُ أحَقُّ بسَقَبِهِ ما كانَ ". ورَوَى قتادة عن الحسن عن سَمُرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : جَارُ الدّارِ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ الجَارِ " ؛ وقتادة عن أنس

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير