ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

وبعد أن تكلم الحق على ما سبق من الأحكام في الزواج وفي المحرمات، وأخذنا من مقابلها المحللات، وتكلم عمن لا يستطيع طولا وتكلم عن المال.. وحذرنا أن نأكله بالباطل، وتكلم عن الحال بين الرجل والمرأة، وبعد ذلك لفتنا الحق ووجهنا ونبهنا إلى المنهج الأعلى وهو قوله سبحانه :
واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ٣٦ .
وعندما يقول لنا الحق : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا أي : إياكم أن تدخلوا في قضية من هذه القضايا على غير طاعة الله في منهجه.. والعبادة هي : طاعة العابد للمعبود، فلا تأخذها على أنها العبادات التي نفعلها فقط من : الصلاة والصوم والزكاة والحج ؛ لأن هذه أركان الإسلام، ومادامت هذه هي الاركان والأسس التي بني عليها الإسلام، إذن فالإسلام لا يتكون من الأركان فقط بل الأركان هي الأسس التي بني عليها الإسلام، والأسس التي بني عليها البيت ليست هي كل البيت ؛ لذلك فالإسلام بنيان متعدد. فالذين يحاولون أن يأخذوا من المصطلح التصنيفي، أو المصطلح الفني في العلوم ويقولون : إن العبادات هي الصلاة وما يتعلق بها والزكاة والصوم والحج لانها تسمى في كتب الفقه :" العبادات " فلقد قلنا : إن هذا هو الاسم الاصطلاحي، لكن كل أمر من الله هو العبادة.
ولذلك فبعض الناس يقول : نعبد الله ولا نعمل. نقول لهم : العبادة هي طاعة عابد لأمر معبود، ولا تفهموا العبارة على أساس أنها الشعائر فقط، فالشعائر هي إعلان استدامة الولاء لله. وتعطى شحنة لنستقبل أحداث الحياة، و لكن الشعائر وحدها ليست كل العبادة، فالمعاملات عبادة، والمفهوم الحقيقي للعبادة أنها تشمل عمارة الأرض، فالحق سبحانه وتعالى قال :
يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ( من الآية ٩ سورة الجمعة ).
كأنه أخرجهم من البيع إلى الصلاة، ولم يخرجهم من فراغ بل أخرجهم من حركة البيع، وجاء ب " البيع " لأنه العملية التي يأتي ربحها مباشرة ؛ لأنك عندما تزرع زرعاستنتظر مدة تطول او تقصر لتخرج الثمار لكن البيع تاتي ثمرته مباشرة تبيع فتأخذ الربح في الحال. والبيع كما نعلم ينظم كل حركات الحياة، لأن معنى البيع : انه وسيط بين منتج ومستهلك، فعندما تبيع سلعة، هذه السلعة جاءت من منتج، والمنتج يبحث عن وسيط يبيعها لمستهلك، وهذا المستهلك تجده منتجا أيضا، والمنتج تجده أيضا مستهلكا. فالإنتاج والاستهلاك تبادل وحركة الحياة كلها في البيع وفي الشراء، ومادام هناك بيع ففيه شراء. فهذا استمرار لحركة الحياة. والبائع دائما يحب أن يبيع، لكن المشتري قد لا يحب أن يشتري ؛ لأن المشتري سيدفع مالا والبائع يكسب مالا، فيوضح الله : أتركوا هذه العملية التي يأتي ربحها مباشرة، ولبوا النداء لصلاة الجمعة. لكن ماذا بعد الصلاة ؟ يقول الحق : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ١٠ ( سورة الجمعة ).
إذن فهذا أمر أيضا. فإن اطعنا الأمر الأول : فاسعوا إلى ذكر الله فالأمر في فانتشروا في الأرض يستوجب الطاعة كذلك. إذن فكل هذه عبادة، وتكون حركة الحياة كلها عبادة : إن كانت صلاة فهي عبادة، والصوم عبادة، وبعد ذلك.. ألا تحتاج الصلاة لقوام حياة ؟ لا بد أن تتوافر لك مقومات حياة حتى تصلي. وما هي مقومات حياتك ؟ إنها طعام وشراب ومسكن وملبس، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب. إذن فجماع حركة الحياة كلها سلسلة عبادة، ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول :
اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها ( من الآية ٦١ سورة هود ).
إذن فكل عمل يؤدي إلى عمارة الكون واستنباط أسرار الله في الوجود يعتبر عبادة لله ؛ لأنك تخرج من كنوز الله التي أودعها في الأرض ما يلفت الناس إلى الحقيقة الكونية التي جاء بها الإيمان.
وإياك أن تظن أن العبادة هي فقط العبادة التصنيفية التي في الفقه " قسم العبادات " و " قسم المعاملات ".. لا، فكله عبادة، لكن الحركات الحياتية الأخرى لا تظهر فيها العبادة مباشرة ؛ لأنك تعمل لنفعك، أما في الصلاة فأنت تقتطع من وقتك، فسميناها العبادة الصحيحة ؛ لأن العمليات الأخرى يعمل مثلها من لم يؤمن بإله، فهو أيضا يخرج للحياة ويزرع ويصنع.
ولماذا سموها العبادات ؟ لأن مثلها لا يأتي من غير متدين. إنما الأعمال الأخرى من عمارة الكون والمصلحة الدنيوية فغير المتدين يفعلها ولكن كل أمر لله نطيعه فيه اسمه عبادة. هذا مفهوم العبادة الذي يجب أن يتأكد لنا أن نخلص العمل بالعقول التي خلقها الله لنا بالطاقات المخلوقة لنا، في المادة المخلوقة وهي الأرض وعناصرها لنرقى بالوجود إلى مستوى يسعدنا ويرضى الله عنه.
واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا . بعدما قال كل هذا الكلام السابق، لفتنا ربنا إلى قضية يجب أن نلخظها دائما في كل تصرفاتنا هي أن نأتمر بأمر الله في منهجه، وألا نشرك به شيئا ؛ لأن الشرك يضر قضية الإنسان في الوجود، فإن كنت في عمل إياك أن تجعل الأسباب في ذهنك أمام المسبب الأعلى.. بل اقصد في كل عمل وجه الله.
ويضرب الحق المثل لراحة الموحد ولتعب المشرك فقال :
ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ٢٩ ( سورة الزمر ).
فهذا عبد مملوك لجماعة، والجماعة مختلفة ومتشاكسة، وهو لا يعرف كيف يوفق بين أوامر كل منهم التي تتضارب، فإن أرضي هذا، وأغضب ذاك. إذن فهو عبد مبدد الطاقة موزع الجهد، مقسم الالتفاتات، ولكن العبد المملوك لواحد، لا يتلقى أمرا إلا من سيد واحد ونهيا من السيد نفسه. والحق يشرع القضية لعباده بصيغة الاستفهام، وهو العليم بكل شيء ليجعل المؤمن به يشاركه في الجواب حتى إذا ما قال الحق :" هل يستويان " ؟ هنا يعرضها الإنسان على عقله ويريد أن يجيب، فماذا يقول ؟ سيجيب بطبيعة الفطرة وطبيعة منطق الحق قائلا : لا يا رب لا يستويان.
إذن فأنت أيها العبد المؤمن قد قلتها، ولم يفرضها الله عليك. وقد طرحها الحق سبحانه سؤالا منه إليك ؛ حتى يكون جوابك الذي لن تجد جوابا سواه. فإذا ما كنت كذلك أيها العبد المؤمن قد ارتحت في الوجود وتوافرت لك طاقتك لأمر واحد ونهي واحد، هنا تصبح سيدا في الكون، فلا تجد في الكون من يأخذ منك عبوديتك للمكون. وتلك هي راحتنا في تنفيذ قول الله : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا لأن الإشراك بالله والعياذ بالله يرهق صاحبه. ويا ليت المشركين حين يشركون يأخذون عون الله، ولا يأخذون عون الشركاء. لكن الله يتخلى عن العبد المشرك، لأنه سبحانه يقول :
( أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه )(١).
الحق إذن يتخلى عن العبد المشرك. وليت العبد المشرك يأخذ حظه من الله كشريك.. وإنما ينعدم عنه حظ الله ؛ لأن الله غني أن يشرك معه أحدا آخر. وهكذا يكون المشرك بلا رصيد إيماني، ويحيا في كد وتعب. ويردف الحق سبحانه وتعالى عبادته بالإحسان إلى الوالدين فيأتي قوله جل شانه : وبالوالدين إحسانا والوالدان هما الأب والأم ؛ لأنهما السبب المباشر في وجودك أيها المؤمن. ومادامت عبادتك لله هي فرع وجودك، إذن فإيجادك من أب وأم كسببين يجب أن يلفتك إلى السبب الأول ؛ إن ذلك يلفتك إلى من أوجد السلسلة إلى أن تصل إلى الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام.
وبالوالدين إحسانا .. انظر إلى المنزلة التي أعطاها الله للوالدين، وهما الأب والام. والخطاب لك أيها المسلم لتعبد الله، والتكليف لك وأنت فرع الوجود ؛ لأن الخطاب لمكلف، والتكليف فرع الوجود، والوالدان هما السبب المباشر لوجودك، فإذا صعدت السبب فالوالدان من أين جاءا ؟.. من والدين، وهكذا حتى تصل لله، إذن فانتهت المسألة إلى الواحد ؛ لأن التكليف من المكلف إلى المكلف فرع الوجود. والوجود له سبب ظاهري هما " الوالدان "، وعندما تسلسلها تصل لله إنه سبحانه أمر : اعبدني ولا تشرك بي شيئا، وبعد ذلك.. بالوالدين إحسانا .. كلمة " الإحسان " تدل على المبالغة في العطاء الزائد.. الذي نسميه مقام الإحسان.
وبالوالدين إحسانا .. الحق سبحانه وتعالى حينما قرن الوالدين بعبادته ؛ لأنه إله واحد ولا نشرك به شيئا، لم ينكر أو يتعرض لإيمانهما أو كفرهما ؛ لأن هناك آية أخرى يقول فيها :
وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ( من الآية ١٥ سورة لقمان ).
صحيح لا تطعهما ولكن احترمهما ؛ لأنهما السبب المباشر في الوجود وإن كان هذا السبب مخالفا لمن أنشأه وأوجده وهو الله جلت قدرته، وصاحبهما في الدنيا معروفا والمعروف يصنعه الإنسان فيمن يحبه وفيمن لا يحبه، إياك أن يكون قلبك متعلقا بهما إن كانا مشركين، لكن صاحبهما في الدنيا معروفا ؛ ولذلك قال :" وصاحبهما في الدنيا " أي انظر مصلحتهما في أمور الدنيا معروفا منك. والمعروف تصنعه فيمن تحب وفيمن لا تحب. والحق يقول :" وبالوالدين إحسانا ".. ويكررها في آيات متعددة.. فقد سبق في سورة البقرة ان قال لنا :
وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ( من الآية ٨٣ سورة البقرة ).
وبعد ذلك تأتي هذه الآية التي نحن بصددها.. واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا .
وبعد ذلك يأتي أيضا قوله سبحانه :
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ( من الآية ١٥١ سورة الأنعام ).
وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى فيقول :
ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ( من الآية ١٥ سورة الأحقاف ).
ويأتي أيضا في سورة العنكبوت فيقول :
ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ( من الآية ٨ سورة العنكبوت ).
لكن إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، فإن كان الوالدان مشركين فلا بد أن نعطف عليهما معروفا.. والمعروف كما أوضحنا يكون لمن تحب ومن لا تحب، ولكن الممنوع هو : الودادة القلبية ؛ ولذلك قال : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ( من الآية ٢٢ سورة المجادلة ).
ولا يوجد تناقض أو شبه تناقض بين الآية التي نحن بصددها وبين آية سورة المجادلة. وهناك آيات تكلم فيها الحق وقرن عبادته بالإحسان إلى الوالدين، وهناك آيتان جاء الأمر فيهما بالتوصية بالوالدين استقلالا.
وذلك في قوله تعالى :
ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ( من الآية ١٥ سورة الأحقاف ).
وفي قوله سبحانه :
ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ( من الآية ٨ سورة العنكبوت ).
ففيه " إحسان "، وفيه " حسن "، " الإحسان " : هو أن تفعل فوق ما كلفك الله مستشعرا أنه يراك. فإن لم تكن تراه فإنه يراك، و " الإحسان " من " أحسن "، فيكون معناها أنه ارتضى التكليف وزاد على ما كلفه. وعندما يزيد الإنسان على ما

١ رواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير