ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

*واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا٣٦ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا٣٧ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا٣٨ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما٣٩ .
قال البقاعي في وجه اتصال الآية الأولى من هذه الآيات بما قبلها ما نصه : ولما كثرت في هذه السورة الوصايا من أولها إلى هنا نتيجة التقوى ( كذا ) العدل والفضل والترغيب في نواله، والترهيب من نكاله، إلى أن ختم ذلك بإرشاد الزوجين إلى المعاملة بالحسنى وختم الآية بما هو في الذروة من حسن الختام من صفتي العلم والخبر وكان ذلك في معنى ما ختم به الآية الآمرة بالتقوى من الوصف بالرقيب، اقتضى ذلك تكرير التذكير بالتقوى التي افتتحت السورة بالأمر بها فكان التقدير حتما فاتقوه عطف عليه أو على نحو واسألوا الله من فضله أو على اتقوا ربكم الخلق المقصود من الخلق المبثوثين على تلك الصفة وهو العبادة الخالصة التي هي الإحسان في معاملة الخالق، وأتبعها الإحسان في معاملة الخلائق، فقال واعبدوا الله الخ وأقول إنه أبعد في العطف، وأحسن في الترتيب والوصف.
الأستاذ الإمام : كل ما تقدم من الأحكام كان خاصا بنظام القرابة والمصاهرة وحال البيوت التي تتكون منها الأمة، ثم إنه تعالى بعد بيان تلك الأحكام الخصوصية، أراد أن ينبهنا إلى بعض الحقوق العمومية، وهي العناية بكل من يستحق العناية وحسن المعاملة من الناس، فبدأ ذلك بالأمر بعبادته تعالى، وعبادته ملاك حفظ الأحكام والعمل بها وهي الخضوع له تعالى وتمكين هيبته وخشيته من النفس، والخشوع لسلطانه في السر والجهر، فمتى كان الإنسان على هذا فإنه يقيم هذه الأحكام وغيرها حتى تصلح جميع أعماله ولذلك كانت النية عندنا تجعل الأعمال العادية عبادات كالزارع يزرع ليقيم أمر بيته ويعول من يمونه ويفيض من فضل كسبه على الفقراء والمساكين ويساعد على الأعمال ذات المنافع العامة فعمله بهذه النية يجعل حرثه من أفضل العبادات فليست العبادة في قوله هنا : واعبدوا الله خاصة بالتوحيد كما قال المفسر ( الجلال ) بل هي عامة كما قلنا تشمل التوحيد وجميع ما يمده من الأعمال.
ولا تشركوا به شيئا من الأشياء أو شيئا من الإشراك ( قال ) اختلف تعبيرهم والمعنى واحد، والإشراك بالله يستلزم الإيمان به والنهي عنه يستلزم النهي عن التعطيل بالأولى. أقول يعني أن الشرك هو الخضوع لسلطة غيبية وراء الأسباب والسنن المعروفة في الخلق بأن يرجى صاحبها ويخشى منه ما تعجز المخلوقات عن مثله، وهذه السلطة لا تكون لغيره تعالى فلا يرجى غيره ولا يخشى سواه في أمر من الأمور التي هي وراء الأسباب المقدورة للمخلوقين عادة لأن هذا خاص به تعالى فمن اعتقد أن غيره يشركه فيه كان مؤمنا مشركا : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [ يوسف : ١٠٦ ] وأما التعطيل فهو إنكار الألوهية ألبتة أي إنكار تلك السلطة الغيبية التي هي مبدأ كل قوة وتصرف وفوق كل قوة وتصرف، فإذا نهى تعالى أن يشرك به غيره فيما استأثر به من السلطة والقدرة والتصرف ولم يجعله من الهبات التي منحها خلقه وعرفت عن سنته فيهم فلأن ينهى عن إنكار وجوده وجحد ألوهيته يكون أولى. قال : والإشراك قد ذكر في القرآن بعض ضروبه عند مشركي العرب وهو عبادة الأصنام باتخاذهم أولياء وشفعاء عند الله تعالى يقربون المتوسل بهم إليه ويقضون الحاجات عنده كما هو المعهود من معنى الولاية والشفاعة عندهم والآيات في ذلك كثيرة : ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض، سبحانه وتعالى عما يشركون [ يونس : ١٨ ] والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار [ الزمر : ٣ ].
وذكر أن أهل الكتاب دخل عليهم الشرك فالنصارى عبدوا المسيح عليه السلام وبعضهم عبد أمه السيدة مريم رضي الله عنها وقال الله في الفريقين : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون [ التوبة : ٣٢ ] وقد ورد في تفسيره بالحديث الصحيح المرفوع أنهم كانوا يضعون لهم أحكام الحلال والحرام فيتبعونهم فيها وسبق ذكر ذلك في التفسير غير مرة.
قال : فالشرك أنواع وضروب أدناها ما يتبادر إلى أذهان عامة المسلمين أنه العبادة لغير الله كالركوع والسجود له، وأشدها وأقواها هو ما سماه الله دعاء واستشفاعا وهو التوسل بهم إلى الله وتوسيطهم بينهم وبينه تعالى فالقرآن ناطق بهذا وهو المشهور في كتب السير والتاريخ، فهذا المعنى هو أشد أنواع الشرك وأقوى مظاهره التي يتجلى فيها معناه أتم التجلي، وهو الذي لا ينفع معه صلاة ولا صيام ولا عبادة أخرى.
ثم ذكر أن هذا الشرك قد فشا في المسلمين اليوم وأورد شواهد على ذلك عن المعتقدين الغالين في البدوي " شيخ العرب " والدسوقي وغيرهما لا تحتمل التأويل، وبين أن الذين يؤولون لأمثال هؤلاء إنما يتكلفون الاعتذار لهم لزحزحتهم عن شرك جليّ واضح إلى شرك أقل منه جلاء ووضوحا ولكنه شرك ظاهر على كل حال، وليس هو من الشرك الخفي الذي وردت الأحاديث بالاستعاذة منه الذي لا يكاد يسلم منه إلا الصديقون ومنه أن يعمل المؤمن العمل الصالح من العبادة لله تعالى ويحب أن يمدح عليه أو يتلذذ المدح عليه مثلا.
أقول : ثم عقب الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك بالوصية بالوالدين فقال : وبالوالدين إحسانا أي وأحسنوا بالوالدين إحسانا تاما لا تقصروا في شيء منه يقال أحسن به وأحسن له وأحسن إليه، وقيل إذا تعدى الإحسان بالباء يكون متضمنا لمعنى العطف وعندي أن التعدية بالباء أبلغ لإشعارها بإلصاق الإحسان بمن يوجه إليه من غير إشعار بالفرق بينه وبين المحسن، والتعدية بإلى تشعر بطرفين متباعدين يصل الإحسان من أحدهما إلى الآخر.
والإحسان في المعاملة يعرفه كل أحد وهو يختلف باختلاف أحوال الناس وطبقاتهم وإن العامي الجاهل ليدري كيف يحسن إلى والديه ويرضيهما ما لا يدري العالم النحرير إذا أراد أن يحدد له ذلك، وقال بعضهم إن جماع الإحسان المأمور به أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ولا يخشن في الكلام معهما، وأن يسعى في تحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما بقدر سعته، وأنت تعلم أن من فعل ذلك وهو لا يلقاهما إلا عابسا مقطبا، أو أدى النفقة التي يحتاجان إليها وهو يظهر الفاقة والقلة فإنه لا يعد محسنا بهما، فالتعليم الحرفي لا يحدد الإحسان المطلوب من كل أحد بل العمدة فيها اجتهاد المرء وإخلاص قلبه في تحري ذلك بقدر طاقته وحسب فهمه لأكمل الإرشاد الإلهي التفصيلي في ذلك بقوله عز وجل : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما* واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا* ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا [ الإسراء : ٢٣ ٢٥ ] فأنت ترى الرب العليم الحكيم الرحيم قد قفى هذه الوصية البليغة الدقيقة ببيان أن العبرة بما في نفس الولد من قصد البر والإحسان والإخلاص فيه وأن التقصير مع هذا مرجو الغفران، وقد فصل بعض العلماء القول في ذلك كالغزالي في الإحياء وابن حجر في الزواجر.
قال الأستاذ الإمام : الخطاب لعموم الأفراد أي ليحسن كل لوالديه وذلك أنهما السبب الظاهر في وجود الولد ونموه بذلا من الجهد والطاقة في تربيته بكل رحمة وإخلاص وقد بينت كتب الأحكام الظاهرة ما للوالدين من حقوق النفقة وبينت كتب الدين جميع الحقوق والمراد بكتب الدين كتب آدابه كالإحياء للغزالي ويجمع هذه الحقوق كلها آيتا سورة الإسراء وذكرهما وتكلم عليهما قليلا وأقول : إن ههنا مسألة مهمة قلما تجد أحدا من علمائنا بينها كما ينبغي وهو أن بعض الوالدين يتعذر إرضاؤهما بما يستطيعه أولادهما من الإحسان بل يكلفون الأولاد ما لا طاقة لهم به وما أعجب حكمة الله في خلق هذا الإنسان، قلما تجد ذا سلطة لا يجور ولا يظلم في سلطته حتى الوالدين على أولادهما، وهما اللذان آتاهما الفاطر من الرحمة الفطرية ما لم يؤت سواهما، قد تظلم الأم ولدها قليلا مغلوبة لبادرة الغضب أو طاعة لما يعرض من أسباب الهوى، كأن تتزوج رجلا تحبه، وهو يكره ولدها من غيره، وكان يقع التغاير بينها وبين امرأة ولدها وتراه شديد الحب لامرأته يشق عليه أن يغضبها لأجل مرضاتها هي، ففي مثل هذه الحال قلما ترضى الأم بالعدل، وتعذر ولدها في خضوعه لسلطان الحب، وإن هو لم يقصر فيما يجب لها من البر والإحسان، بل تأخذها عزة الوالدية، حتى تستل من صدرها حنان الأمومة، ويطغى في نفسها سلطان استعلائها على ولدها، ولا يرضيها إلا أن يهبط من جنة سعادة الزوجية لأجلها، وربما تلتمس له في مثل هذه الحال زوجا آخر ينفر منها طبعه، وما حيلته وقد سلب منه قلبه، كما أنها تظلمه من أول الأمر بمثل هذا الاختيار، وظلم الآباء فيه أشد من ظلم الأمهات، ولا تجب طاعة الوالدين في مثل هذا، ويا ويح الولد الذي يصاب بمثلهما، ولا سيما إذا كانا جاهلين بليدين يتعذر إقناعهما.
ولعلك إذا دققت النظر في أخبار البشر لا تجد فيها أغرب من تحكم الوالدين في تزويج الأولاد بمن يكرهون، أو إكراههم على تطليق من يحبون، ثبت في الهدي النبوي الشريف أن الثيب من النساء أحق بنفسها فليس لأبيها ولا لغيره من أوليائها أن يعقدوا لها إلا على من تختاره وترضاه لنفسها، لأنها لممارستها الرجال تعرف مصلحتها، وأن البكر على حيائها وغرارتها، وعدم اختبارها وعلم ما يعلم الأب الرحيم من مصلحتها، يجب أن تستأذن في العقد عليها، ويكتفي من إذنها بصماتها، وظاهره أنها إذا لم تظهر الرضى بل صرحت بعدمه لا يجوز العقد عليها، ومن قال من الفقهاء إن الأب ولي مجبر كالشافعية اشترطوا في صحة تزويجه لبنته بدون إذنها أن يكون الزوج كفؤا لها وأن يكون موسرا بالمهر حالا وأن لا يكون بينها وبينه عداوة ظاهرة ولا خفية، وأن لا يكون بينها وبين الولي العاقد عداوة ظاهرة. فهذا قولهم في العذراء المخدرة، وأما الرجل فهو أحق من أبيه بتزويج نفسه إجماعا وليس لأبيه ولاية عليه في ذلك فكيف يتحكم الوالد في ولده بما لا يحكم به الشرع ولا ترضى به الفطرة، أليس هذا من ظلم الاستعلاء الذي يوهم الرجل أن ابنه كعبده، يجب أن لا يكون له معه رأي ولا اختيار في أمره، لا في حاضره ولا في مستقبله الذي يكون عليه بعده، وإن كان الوالد جاهلا بليدا، والولد عالما رشيدا، وعاقلا حكيما ؟ والويل كل الويل للولد إذا كان والده الجهول الظلوم غنيا، وكان هو معوزا فقيرا، فإن والده يدل عليه حينئذ بسلطتين، ويحاربه بسلاحين، لا يهولنك أ

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير