واعبدوا الله في الصحاح العبودية إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذليل ولا يستحقها إلا من له غاية العظمة ونهاية الإفضال، قلت : ولهذا نهى عن الإشراك به تعالى في العبادة وقال : ولا تشركوا به شيئا منصوب على المفعولية والتنوين للتحقير، وفيه توبيخ أي لا تشركوا به حقيرا مع عدم تناهي كبريائه، إذ كل ممكن بالنسبة إلى الواجب حقير جدا، أو على المصدرية يعني لا تشركوا به شيئا من الإشراك خفيا أو جليا. والعبادة ضربان : عبادة بالتسخير لا يمكن لشيء من الممكنات الاستنكاف عنها، وعبادة بالاختيار وهو المأمور في الآية والمراد به امتثال أوامراه والانتهاء عما نهى عنه، قال الصوفية العلية : العبادة عبارة عن جعل العبد نفسه عديم الإرادة والاختيار كالميت بين يدي الغسال في امتثال أوامره ونواهيه راضيا بما قضى فيه حتى يكون في أوامره التكليفية والتكوينية على نهج واحد قال تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ١ عن معاذ بن جبل قال : كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا معا ذ هل تدري ما حق الله على العباد ؟ قال : قلت الله ورسوله أعلم، قال : حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قال : قلت الله ورسوله أعلم، قال :" فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم " قال : قلت يا رسول الله ألا أبشر الناس ؟ قال " دعهم يعملون " ٢ رواه البغوي، وفي الصحيحين نحوه، قلت : وعند الصوفية معنى لا يعذبهم أن لا يعذبهم بعذاب الهجر والفراق وبالوالدين إحسانا يعني أحسنوا بهما إحسانا، عن معاذ قال : أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات قال :" لا تشرك بالله وإن قتلت أو أحرقت ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك " ٣ الحديث رواه أحمد وبذي القربى مصدر بمعنى القرابة، يعني أحسنوا بذي القرابة، عن سلمان بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم صدقة وصلة " ٤ رواه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم والترمذي وحسنه، وابن ماجة وابن خزيمة وصححه ولفظه " وعلى القريب صدقتان صدقة وصلة " وبهذه الآية يظهر وجوب نفقة الوالداين والأقارب لكن يشترط أن يكون غنيا لقوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ٥ يعني الفاضل عن حاجته، وقال عليه السلام :" خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول " ٦ رواه البخاري عن أبي هريرة وحكيم ومسلم عن حكيم، ويشترط لوجوب نفقة الأقارب غير الوالدين كونه عاجزا عن الكسب بأن يكون صغيرا أو زمنا أو امرأة ولا يشترط ذلك في الوالدين، وجه الوجوب أنه ليس من الإحسان أن يكون هو غنيا ويموت قريبه جوعا واليتامى والمساكين والإحسان الواجب في هؤلاء أن يؤيتهم زكاة ماله وما زاد على دلك فمستحب، عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا " وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا٧ رواه البخاري، وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعر تمر عليها يده عشرة حسنات، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وفرق بين أصبعيه " ٨ رواه البغوي والجار ذي القربى يعني الجار الذي قرب جواره، أو يكون جار أو ذا قرابة في النسب أو في الدين والجار الجنب يعني الجار الذي بعد جواره، أو يكون جارا بلا قرابة وبلا اشتراك في الدين، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام، وجار له حقان حق الجوار وحق الإسلام، وجار له حق واحد حق الجوار وهو المشترك من أهل الكتاب " رواه الحسن بن سفيان والبزار في مسنديهما وأبو الشيخ في كتاب الثواب وأبو نعيم في الحلية، وروى ابن عدي في الكامل من حديث عبد الله بن عمرو نحوه والحديثان كلاهما ضعيفان، وعن عائشة قالت : يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال :" إلى أقربهما منك بابا " ٩ رواه البخاري، وعن أبي ذر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك " ١٠ رواه مسلم، وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما زال جبرائيل يوصيني بالجار حتى ظنت أنه سيورثه " ١١ رواه البخاري والصاحب بالجنب قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة : هو الرفيق في السفر، وقال ابن جريح وابن زيد : الذي يصحبك رجاء نفعك فيشتمل التلميذ أستاذه، وقال علي وعبد الله وإبراهيم النخعي : هو المرأة تكون مع جنبه وابن السبيل قيل : هو المسافر والأكثرون على أنه الضيف، عن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من كان يؤمن بالله واليوم آخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " رواه البغوي، وفي الصحيحين عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه " ١٢ وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كان يؤمن بالله واليوم آخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " ١٣ متفق عليه وما ملكت أيمانكم أي العبيد والإماء، قلت : ويدخل فيه البهائم أيضا، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" للمملوك طعامه وكسوته وأن لا يكلف من العمل ما لا يطيق " ١٤ رواه مسلم، وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا يكلف من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه " ١٥ متفق عليه، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه وقد ولى حره ودخانه فليقعده معه وليأكل فإن كان الطعام مشقوها قليلا فليضع به في يده منه أكلة أو أكلتين " ١٦ رواه مسلم، وعن أبي مسعود الأنصاري قال : كنت أضرب غلاما لي فسمعت من خلفي صوتا : اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله هو حر لوجه الله تعالى، فقال :" أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار " ١٧ رواه مسلم، وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في مرضه " الصلاة وما ملكت أيمانكم " رواه البيهقي في شعب الإيمان، وروى أحمد وأبو داود عن علي نحوه، وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ثلاث من كن فيه يسر الله حقه وأدخله الجنة : رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، وإحسان إلى المملوك " ١٨ رواه الترمذي، وعن عبد الله بن عمرو قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كم نعفو من الخادم ؟ فسكت ثم أعاد عليه الكلام فصمت، فلما كانت الثالثة قال :" اعفوا عنه كل يوم سبعين مرة " ١٩ رواه الترمذي وروى أبو داود عن عبد الله ابن عمرو، وعن سهل بن حنظلة قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال :" اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة واتركوها صالحة " ٢٠ رواه أبو داود، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا أنبئكم بشراركم ؟ الذي يأكل وحده ويجلد عبده ويمنع رفده " ٢١ رواه رزين، وعن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا ضرب أحدكم خادمه فذكر الله فارفعوا أيديكم " ٢٢ رواه الترمذي.
إن الله لا يحب أي يبغض، ذكر عدم الحب وأراد به البغض من كان مختالا متكبرا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه لا يلتف إليهم فخورا يتفاخر عليهم، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه خسف به الأرض فهم يتجلجل فيها إلى يوم القيامة " ٢٣ وعن ابن عمر قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء " ٢٤ متفق عليه، وعن عياض بن حمار الأشجعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد " ٢٥ رواه مسلم، وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يا معشر المسلمين اتقوا الله فإن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام، وإنه لا يجد عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا إزاره خيلاء وإنما الكبرياء لرب العالمين " الحديث رواه الطبراني في الأوسط.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا (١٢٩) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا (٣٠)..
٣ رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد ثقات إلا أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ، وإسناد الطبراني متصل وفيه عمرو بن واقد القرشي وهو كذاب.
انظر مجمع الزوائد في كتاب: الوصايا، باب: وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم (٧١١٠)..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الصدقة على ذي القرابة (٦٥١) وأخرجه النسائي في كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على الأقارب (٢٥٧٢).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الزكاة، باب: فضل الصدقة (١٨٤٤)..
٥ سورة البقرة، الآية ٢١٩..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى (١٤٢٦) وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من
اليد السفلى (١٠٣٤)..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: فضل من يعول يتيما (٦٠٠٥)..
٨ رواه أحمد والطبراني وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف. انظر مجمع الزوائد في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في الأيتام والأرامل والمساكين (١٢٥١٤)..
٩ أخرجه البخاري في كتاب: الشفعة، باب: أي الجوار أقرب (٢٢٥٩)..
١٠ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: الوصية بالجار والإحسان إليه (٢٦٢٥)...
١١ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: الوصاة بالجار (٦٠١٤) وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: الوصية بالجار والإحسان إليه (٢٦٢٥)..
١٢ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (٦٠٤٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان باب: الحث على إكرام الجار والضيف (٤٧)..
١٣ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (٦٠٦٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان باب: الحث على إكرام الجار والضيف (٤٧)..
١٤ أخرجه مسلم في كتاب: الأيمان والنذور، باب إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما يغلبه (١٢٢٦)..
١٥ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك (٣٠) وأخرجه مسلم في كتاب: الأيمان والنذور، باب: إطعام المملوك مما يأكل (١٦٦١)..
١٦ أخرجه مسلم في كتاب: الأيمان والنذور، باب: إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما يغلبه (١٦٦٣)..
١٧ أخرجه مسلم في كتاب: الأيمان والنذور، باب: صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده (١٦٥٩)..
١٨ أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في العفو عن الخادم (١٩٥٠)..
١٩ أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في حق المملوك (٥١٤٢)..
٢٠ أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم (٢٥٤٦)..
٢١ رواه الطبراني وفيه عنبس بن ميمون وهو متروك. انظر مجمع الزوائد في كتاب: البر والصلة، باب: فيمن يرجى خيره وخير الناس وشرارهم (١٣٦٥٢)..
٢٢ أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في أدب الخادم (١٩٤٩)..
٢٣ أخرجه البخاري في كتاب: اللباس، باب: من جر ثوبه من الخيلاء (٥٧٨٩) وأخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: التبخر في المشي مع إعجابه بثيابه (٢٠٨٨)..
٢٤ أخرجه البخاري في كتاب: اللباس، باب: من جر ثوبه من الخيلاء (٥٧٨٨) وأخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب : تحريم جر الثوب خيلاء (٢٠٨٥)..
٢٥ أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٢٨٦٥)..
التفسير المظهري
المظهري