ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒ

المعنى الجملي : بعد أن بين عزّ اسمه صفات المتكبرين وسوء أحوالهم توعدهم على ذلك بأشد أنواع الوعيد – زاد الأمر توكيدا وتشديدا فذكر أنه لا يظلم أحدا من العاملين بوصاياه لا قليلا ولا كثيرا بل يوفيه حقه بالقسطاس المستقيم وفي هذا أعظم الترغيب لفاعلي البر والإحسان وحفز لهممهم على العمل وفي معنى الآية قوله : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ( الزلزلة : ٧ ).
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا أي إذا كان الله لا يضيع من عمل العاملين مثقال ذرة فكيف يكون الناس إذا جمعهم الله وجاء بالشهداء عليهم وهم أنبياؤهم فما من أمة إلا لها بشير ونذير.
و هذه الشهادة عبارة عن عرض أعمال الأمم على أنبيائهم ( لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين ) ومقابلة عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم بعائد الأنبياء وأعمالهم وأخلاقهم فمن شهد لهم نبيهم بأنهم على ما جاء به وما أمر الناس بالعمل به فهم ناجون ومن تبرأ منهن أنبياؤهم لمخالفة أعمالهم وعقائدهم لما جاؤوا به فأولئك هم الخاسرون وإن ادعوا إتباعهم والانتماء إليهم.
و قوله : وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يراد به شهادة محمد صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين على أمته كما قال تعالى :
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ( البقرة : ١٤٣ )أي إن هذه الأمة بحسن سيرتها تكون شهيدة على الأمم السالفة وحجة عليها في انحرافها عن هدى المرسلين والرسول صلى الله عليه وسلم بسيرته وأخلاقه الغالية وسننه المرضية يكون حجة على من تركها وتساهل في اتباعها وعلى من تغالى فيها وابتدع البدع المحدثة من بعده.
روى البخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث ابن مسعود أنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اقرأ علي قلت : يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال نعم أحب أن أسعه من غيري فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد الخ فقال ( حسبك الآن ) فإذا عيناه تذرفان ".
فانظر كيف اعتبر بهذه الشهادة الشهيد الأعظم صلى الله عليه وسلم فبكى لتذكر هذا اليوم وهل نعتبر كما اعتبر ونستعد لهول ذلك اليوم باتباع سننه ونجتهد في اجتناب البدع والتقاليد التي لم تكن في عهده وبذا نكون أمة وسطا لا تفريط عندها في الدين ولا إفراط لا في الشؤون الروحية أو نظل في غوايتنا تقليدا للآباء فنكون كما قال الكافرون : إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ( الزخرف : ٢٣ ).

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير