فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا
في الآيات السابقة بين سبحانه وتعالى وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة، سواء أكانت هذه العبادة في التكليفات التي خصصت للعبادة ذاتها، أم كانت من المعاملات بين الناس التي لا بد من نية القربة فيها. فالإنفاق لا بد أن يخلص لله تعالى، كالصلاة لا بد أن تكون خالصة لله. فالنية في الأقوال والأفعال أساس الجزاء من عقاب وثواب.
الاستفهام هنا للتنبيه، وبيان ما سيكون يوم القيامة من حساب يتبعه عقاب عادل، أو ثواب يتبعه جزاء سابغ وعطاء غير ممنون. والمعنى تنبهوا أي هؤلاء الذين يجحدون الأدلة القائمة، والرسالات الثابتة، وتصوروا حالكم، وأعمالكم تنطق بها ألسنتكم وجوارحكم، ومعكم النبيون يشهدون عليكم بالتبليغ والبيان، وأنه لم يكن لكم حجة في كفر، ولا معذرة في جحود. والشهيد هو الشاهد الناطق بالحق، المتحري المستقصي الذي لا يترك حقا لم يبينه. ومعنى قوله تعالى :
وجئنا بك على هؤلاء شهيدا أنه يؤتى لكل أمة من الأمم بشهيد منها هو نبيها الذي بعث فيها ودعاها إلى الحق، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فكل نبي يشهد على قومه بالتبليغ والبيان. وما من أمة إلا كان لها نذير، فقد قال تعالى : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير( ٢٤ ) ( فاطر )، وقال تعالى{... وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا( ١٥ )( الإسراء ).
وقد اختلف في الإشارة في قوله تعالى : وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ، فقال بعض المفسرين : إن الإشارة في هؤلاء إلى النبيين السابقين، فالنبي صلى الله عليه وسلم باعتباره خاتم النبيين، وأن رسالته خالدة إلى يوم القيامة، ولتكريم الله تعالى، يكون شاهدا على كل النبيين السابقين، والشهادة عليهم بمعنى أداء الشهادة بأنهم بلغوا، وكانت التعدية بعلى للإشارة إلى معنى المحافظة على أصول الشرائع السابقة لاشتمال القرآن الكريم عليها، ونشرها خالصة سائغة واضحة بينة للأجيال.
هذا هو القول الأول_ والقول الثاني أن المشار إليهم في النص الكريم هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي أكثر الأمم عددا ؛ لأن محمدا صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء تابعا ؛ إذ دينه لم يحرف ولم يبدل، فقد حفظت أصوله في القرآن الكريم، وهو نور الله تعالى الباقي إلى يوم القيامة، كما قال تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( ٩ ) ( الحجر ) وإن الكثيرين على الأول ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم له شهادتان إحداهما شهادة للرسالات السابقة بالصدق والبيان، وقد اطلع على الشهادة المسلمون ببيان القرآن، والثانية شهادته على أمته، وقد جمع الشهادتين قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا( ١٤٣ ) ( البقرة ) وإن تلك منزلة عالية للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به إيمانا صادقا الذين يذعنون للحق دائما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعظم أمر هذه الشهادة، فقد روى أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه والترمذي والنسائي في سننهما، عن عبد الله بن مسعود أنه قال :"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ علي"، قلت : يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل ؟ قال :"نعم أحب أن أسمع من غيري"، فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ، فقال :"أمسك"، وفي رواية :"حسبك الآن"، فإذا عيناه تذرفان١. وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرط إيمانه بالله تعالى تخوف يوم الحساب والعقاب، واستعظم تلك الشهادة التي وضعت في عنقه، وهي أعظم أمانة، فسالت عبرات عينيه صلى الله عليه وسلم٢.
٢ وفي البحر المحيط ج٣، ص٦٤٢: وبكاؤه_ والله أعلم_ هو إشفاق على أمته ورحمة لهم من هول ذلك اليوم. وقال الآلوسي ج٥، ص٣٣: "فإذا كان هذا الشاهد تفيض عيناه لهول هذه المقالة وعظم تلك الحالة، فماذا لعمرى يصنع المشهود عليه؟! وكأنه بالقيامة وقد أناخت لديه.."
وفي الدر المنثورج٢، ٥٤٠: وأخرج ابن أبي حاتم والبغوي في معجمه والطبراني بسند حسن عن محمد بن فضالة الأنصاري- وكان ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في نبى ظفر ومعه ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وناس من أصحابه، فأمر قارئا فقرأ فأتى على هذه الآيةفكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدافبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه، وقال:" يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أراه؟".
فائدة: في بكاء النبي صلى الله عليه وسلم من زاد المعاد ج١، ص١٣٤: وأما بكاؤه، فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا، ويسمه لصدره أزيز. وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال، مصاحب للخوف والخشية..
زهرة التفاسير
أبو زهرة