أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ٤٤ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا ٤٥ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( النساء : ٤٤-٤٦ ).
تفسير المفردات : ألم تر : أي ألم تنظر نصيبا :: حظا السبيل : الطريق القويم
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في سابق الآيات كثيرا من الأحكام الشرعية ووعد فاعلها بجزيل الثواب وأوعد تاركها بشديد العقاب وانتقل هنا إلى ذكر حال بعض الأمم الذين تركوا أحكام دينهم وحرفوا كتابهم واشتروا الضلالة بالهدى لينبه الذين خوطبوا بالأحكام المتقدمة إلى أن الله مهيمن عليهم كما هيمن على من قبلهم فإذا هم قصّروا أخذهم بالعقاب الذي رتبه على ترك أحكام دينه في الدنيا والآخرة والمؤمنون بالله حقا بعد أن سمعوا الوعد والوعيد المتقدمين لا بد أن يأخذوا بهذه الأحكام على الوجه الموصل إلى إصلاح الأنفس وذلك هو الأثر المطلوب منها ولن يكون ذلك إلا إذا أخذت بصورها ومعانيها لا بأخذها بصورها الظاهرة فحسب.
و قد اكتفى بعض الأمم من الدين ببعض رسومة الظاهرة فقط كبعض اليهود الذين امنوا يكتفون ببعض القرابين وأحكام الدين الظاهرة وهذا لا يكفى في إتباع الدين والقيام به على الوجه المصلح للنفوس كما أراد الله.
فأرشدنا سبحانه إلى عمل الرسوم الظاهرة في الدين كالغسل والتيمم لا يغني عنهم شيئا إذا لم يطهروا القلوب حتى ينالوا مرضاته ويكونوا أهلا لكرامته ولا يكون حالهم كحال بعض من سبقهم من الأمم.
الإيضاح : ألم تر إلى الذين أتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل أي ألم تنظر إلى هؤلاء الذين أعطوا طائفة من الكتاب الإلهي كيف حرموا هدايته واستبدلوا بها ضدها فهم يختارون الضلالة لأنفسهم ويريدون أن تضلوا أيها المؤمنون طريق الحق القويم كما ضلوا هم فهم دائبون على الكيد لكم ليردوكم عن دينكم إن استطاعوا.
و التعبير بالشراء دون الاختيار للإيماء إلى أنهم كانوا فرحين بما عملوا ظانين أن الخير كل الخير فيما صنعوا والتعبير بالنصيب يدل على أنهم لم يحفظوا كتابهم كله إذ هم لم يستظهروه زمن التنزيل كما حفظ القرآن ولم يكتبوا منه نسخا متعددة في العصر الأول كما فعلنا حتى إذا ما فقد بعضها قام مقامه بعض آخر بل كان عند اليهود نسخة من التوراة هي التي كتبها موسى عليه السلام ففقدت ويؤيد هذا قوله تعالى : فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ( المائدة : ١٤ ).
و الخلاصة : إنهم لم يأخذوا الكتاب كله بل تركوا كثيرا من أحكامه لم يعلموا بها وزادوا عليها والزيادة فيه كالنقص منه فالتوراة تنهاهم عن الكذب وإيذاء الناس وأكل الربا وكانوا يفعلون ذلك وزاد لهم علماؤهم ورؤساؤهم كثيرا من الأحكام والرسوم الدينية فتمسكوا بها وهي ليست من التوراة ولا مما يعرفونه عن موسى عليه السلام.
فالذي لم يعملوا به من التوراة قسمان : أحدهما ما أضاعوه ونسوه وثانيهما ما حفظوا حكمه وتركوا العمل به وهو كثير أيضا.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في سابق الآيات كثيرا من الأحكام الشرعية ووعد فاعلها بجزيل الثواب وأوعد تاركها بشديد العقاب وانتقل هنا إلى ذكر حال بعض الأمم الذين تركوا أحكام دينهم وحرفوا كتابهم واشتروا الضلالة بالهدى لينبه الذين خوطبوا بالأحكام المتقدمة إلى أن الله مهيمن عليهم كما هيمن على من قبلهم فإذا هم قصّروا أخذهم بالعقاب الذي رتبه على ترك أحكام دينه في الدنيا والآخرة والمؤمنون بالله حقا بعد أن سمعوا الوعد والوعيد المتقدمين لا بد أن يأخذوا بهذه الأحكام على الوجه الموصل إلى إصلاح الأنفس وذلك هو الأثر المطلوب منها ولن يكون ذلك إلا إذا أخذت بصورها ومعانيها لا بأخذها بصورها الظاهرة فحسب.
و قد اكتفى بعض الأمم من الدين ببعض رسومة الظاهرة فقط كبعض اليهود الذين امنوا يكتفون ببعض القرابين وأحكام الدين الظاهرة وهذا لا يكفى في إتباع الدين والقيام به على الوجه المصلح للنفوس كما أراد الله.
فأرشدنا سبحانه إلى عمل الرسوم الظاهرة في الدين كالغسل والتيمم لا يغني عنهم شيئا إذا لم يطهروا القلوب حتى ينالوا مرضاته ويكونوا أهلا لكرامته ولا يكون حالهم كحال بعض من سبقهم من الأمم.
تفسير المراغي
المراغي