ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄ

ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ٤٤ .
حين يريد الحق سبحانه وتعالى أن يؤكد قضية من قضايا الكون ليمهد لقضية من قضايا العقائد التي تحرس نظام الكون فهو يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : " ألم تر ". والرؤية عمل العين وعمل العين متعلق بانكشاف الأحداث التي تتعرض لها العين والشيء المرئي دليله معه ؛ لأن الشيء المسموع دليله يؤخذ من صدق قائله، وصدق قائله أمر مضنون، أيكذب أم يصدق ؟ أما المرئي فدليله معه ؛ ولذلك قالوا : ليس مع العين أين، أي أنك إذا رأيت شيئا فلا تقل : أين هو، وليس الخبر كالعيان، فالخبر الذي تسمعه ليس كالمشاهدة، إذن فالمشاهدة دليلها معها، فلا يقال : دلل على أن فلانا يلبس جلبابا أبيض وأنت تراه.
إذن فحين يريد الحق أن يؤكد قضية يقول : أرأيت. ولذلك فأنت إذا حدثت إنسانا عن انحراف إنسان آخر. قد يصدقك وقد لا يصدقك، لكن إذا ما رأيت الإنسان يلعب ميسرا أو يشرب خمرا ثم تقول لمن حدثته من قبل : أرأيت من قلت لك عليه، كان الرؤية دليل. والحق سبحانه وتعالى حين يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله :" أرأيت " ننظر إلى الأمر، فإذا كان مشهودا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يراه بذلك تكون " أرأيت " على حقيقتها، كما يقول له :
أرأيت الذي ينهى ٩ عبدا إذا صلى ١٠ ( سورة العلق ).
هو صلى الله عليه وسلم قد رآه، فتكون " أرأيت " على حقيقتها أم ليست على حقيقتها ؟ ولماذا يأتي بهمزة الاستفهام " أرأيت " ؛ على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم قد رأى من ينهى إنسانا عن الصلاة ولماذا لم يقل : رأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ، لا ؛ لأن الحق يريد أن يؤكد الخبر بمراحل. فمرة يكون الخبر خبرا تسمعه الأذن، ومرة يكون رؤية تراه، ومرة لا يقول له : أنت رأيت، ولكن يستفهم منه ب " أرأيت " لكي ينتظر منه الجواب. وبذلك يأتي الجواب من المخاطب نفسه وليس من المتكلم، وهذه آكد أنواع البيان وآكد ألوان التحقيق، فحين يخاطب الحق سبحانه وتعالى بقوله :" أرأيت " نقول : أكان ذلك مشهدا لرسول الله رآه، فتكون الرؤية على حقيقتها. فإذا كان الأمر لم يكن معاصرا لرسول الله ثم يخاطب الله رسوله بقوله :
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ١ ( سورة الفيل ).
ونعلم أن أصحاب الفيل كانوا عام ميلاده صلى الله عليه وسلم، فهو حين يخاطب رسوله لم يكن المشهد أمامه، ف " ألم تر " هنا بمعنى أعلمت، ولماذا عدل هنا عن أعلمت إلى قوله :" ألم تر " ؟. لأن الحق سبحانه وتعالى حين يخاطب رسوله بأمر منه فهو يوضح له : إن أخبرتك بشيء فاعلم أني أصدق من عينك، فإذا قال سبحانه :" ألم تر " فهذا يعني أنك علمت من الحق سبحانه وتعالى، وإخبار الحق ليس كإخبار الخلق ؛ لأن إخبار الخلق يحتمل الصدق والكذب، لكن إخبار الحق لا يعني إلا الصدق، إذن فرؤية عينك قد تخونك ؛ لأنك قد تكون غافلا فلا ترى كل الحقيقة، لكن إذا أخبرك الحق سبحانه وتعالى فسيخبرك بكل زوايا الحقيقة. إذن فإخبار الحق أوثق وآكد من رؤية العين وسبحانه عندما قال : أرأيت الذي ينهى ٩ عبدا إذا صلى ١٠ ( سورة العلق ).
هذه مثلت الأولى، وحين قال سبحانه :
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ١ ( سورة الفيل ).
كأنك تراهم الآن، ف " ألم تر " تعني كأن المشهد أمامك.
إذن فوسائل تأكيد الأشياء : خبر من خلق يحتمل الصدق ويحتمل الكذب. هذه واحدة، ورؤية من خلق تحتمل انها استوعبت كل المرئي أو أحاطت ببعضه، أو خبر من خالق أحاط بكل شيء، فيجب أن يكون الخبر من الخالق أوثق الأخبار في تصديقهم.
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب جاءت هذه الآية ورسول الله يعاصره قوم من اليهود. ورأى منهم بالفعل أنهم أوتوا نصيبا من الكتاب ؛ لأنهم أهل كتاب، ومع ذلك يشترون الضلالة ؛ ولا يقولون الحق، فيكون هذا أمرا مشهديا بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وحينما أرسل محمدا جعله ختاما للأنبياء وختم به ركب النبوة، وهذا يعني : أن النبوة كان لها ركب. وفي كل عصر من العصور يأتي نبي على مقدار اتساع الحياة، وعلى مقدار التقاء الكائنين في الحياة، وعلى مقدار الداءات والأمراض التي تأتي في المجتمع، ولكن الله علم أزلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيأتي في فترة ورسالته ومنهجه ينتظم ويضم كل قضايا الزمن إلى أن تقوم الساعة. وهو زمن يعلم الله أن فوارق المواصلات فيه ستنتهي، وفوارق الحواجز فيه ستنتهي، فيحدث الخبر في أدنى الشرق وأعلاه فتسمعه في أدنى الغرب وأعلاه، والخبر في الغرب تسمعه في الشرق. والداء يوجد مرة في أمريكا وبعد يوم أو يومين يوجد في أي بلد من البلاد.
إذن فالمسافات انتهت، وجعلت المواصلات العالم كقطعة واحدة، إذن فالداءات في المجتمع القديم لعسر الاتصال كانت تنعزل انعزالا إقليميا وكل داء في جماعة قد لا يصل إلى الجماعة الأخرى، فهؤلاء لهم داء لا يصل إلى الجماعة الأخرى ؛ لذلك كان الحق يرسل رسولا لكل جماعة ليعالج داءاتها، لكن إذا التحم العالم هذا الالتحام ؛ فلا بد أن يأتي رسول واحد جامع للناس جميعا ؛ لأن قضايا الداءات ستكون واحدة. ونحن نرى الآن كل يوم عجبا، كلما تحدث حادثة هناك نجدها عندنا.
إذن فلا بد أن تتوحد الرسالة. وحين تتوحد الرسالة فلا يأتي رسول ليستدرك بعد ذلك، فرسول الله صلى الله عليه وسلم جاء خاتما ؛ ولذلك أخذ الله العهد على كل رسول أن يبشر قومه بأنه سيأتي رسول خاتم ليكون عند أهل كل ديانة خلفية تطمئنهم على أنه إذا جاء رسول، فقد عرفوا خبر مقدمه ويقولون : لقد قالت لنا رسلنا ؛ ولذلك قال الحق :
وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ( من الآية ٨١ سورة آل عمران ).
ثم قال :
قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ٨١ ( من الآية ٨١ سورة آل عمران ).
إذن فرسول الله مشهود له من كل الرسل ؛ ولذلك أكد صلى الله عليه وسلم ديانات كل الرسل. وجاء دينه بديانات كل الرسل ؛ لأنهم معه على منهجه الذي نزل به، والذين يلتحمون بالإيمان بالسماء بواسطة الرسل السابقين ؛ إذا ما جاءهم خبر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد يجعلهم تعصبهم لدينهم ينصرفون عنه، فأعطاهم الحق الخميرة الإيمانية وأوضح لهم : سيأتي رسول خاتم فتنبهوا يا كل الأقوام إذا ما جاء الرسول الخاتم فلا بد أن تؤمنوا به. وكان عندهم في كتبهم الدلالات والإخبارات. إذن فالله أعطاهم نصيبا من الكتاب. وانظروا إلى دقة الأداء القرآني : " ألم تر " يا محمد " إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب " جاء هذا القول وهو يحمل لهم عذرهم إن فاتهم شيء من الكتاب ؛ لأنه سيقول في آية أخرى :
ونسوا حظا مما ذكروا به ( من الآية ١٣ سورة المائدة ).
وماداموا قد نسوا فهم معذورون، لكن من عندهم كفاية في العلم من الذين " أوتوا نصيبا من الكتاب "، كان المفروض فيهم أن تكون آذانهم مستشرقة إلى صوت داعية الحق الخاتم، وهذا كان معروفا لهم من قبل ؛ لذلك يقول لنا ربنا : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ( من الآية ٨٩ سورة البقرة ).
فهم كانوا يقولون لعبدة الأوثان من العرب : نحن في انتظار النبي الخاتم الذي سيرسله الله لنسبقكم إلى الإيمان به، فإذا ما سبقناكم إلى الإيمان به وظللتم على كفركم، سنقتلكم به قتل عاد وإرم. إذن فهم معتصمون بالإيمان بالسماء، فقل لي : إذا قالوا هذا القول، وهم معروفون أنهم أهل كتاب فلماذا كفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم ؟ إن كفار قريش لم يقولوا : إننا أهل كتاب، بل كانوا على فترة من الرسل، فكان المفروض أنه إذا ما جاء الرسول تسابق أهل الكتاب إلى الإيمان به لأنه سبق لهم أن توعدوا به العرب. لقد أعطاهم الله منزلة عالية لكنهم من لؤمهم لم ينتفعوا بها ؛ فيقول الحق :
ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ٤٣ ( سورة الرعد ).
لقد جعلكم الحق شهودا على صدق الدعوة، هو شاهد وأنتم شهود، وهذه منزلة كبيرة، لكنهم لم يلتفتوا إلى تلك المنزلة وركبوا سفينة العناد الغارقة : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ( من الآية ٨٩ سورة البقرة ).
ولكن يجب أن نفطن إلى أن الحق سبحانه وتعالى حينما يرسل قضية عقدية في الكون فيخالفها مخالف يظن أنه يضار الله، نقول له : لا. أنت تفعل ذلك لشهوة في نفسك. لكن الحق سيجعلها لنصرة الدين الخاتم، وتكون أنت مغفلا في هذا الموقف. فإياك أن تظن أنك قادر أن تصادر مرادات الله حين كذبت بمحمد وجعلك ربنا تقول هذه الكلمة للمشركين من قريش، فانظر ماذا ستفعل هذه الكلمة ؟. ولكي تعرف أنت بإنكارك ماذا قدمت للإيمان. أنت فهمت أنك صادمت الإيمان. لا. أنت أيدت ونصرت الإيمان لكن بتغفيل ! وعليك وزر.
فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلن دعوته من ربه. قال العرب المشركون الوثنيون : إن هذا النبي هو الذي توعدتنا به اليهود، فهيا نسبق إلى الإيمان به قبل أن يسبقونا.
إذن أخدموا الايمان أم لا ؟.. لقد خدموا الإيمان. إذن فلا يظنن عاص أنه يقدر أن يطفئ نور الله ؛ لأن الله يتم نوره ولو كره الكافرون. ومثال لذلك عندما غير ربنا القبلة ويوضح : يا محمد أنا أعرف أنك مستشرق ومتشوق إلى أن تتوجه إلى الكعبة، وأنا قد وجهتك أولا لبيت المقدس لمعنى. ولكن أنا سأوجهك للكعبة وعليك أن تلاحظ أنني حين أوجهك إلى الكعبة سيقول السفهاء " وهم اليهود " : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ( من الآية ١٤٢ سورة البقرة ).
فهم يتساءلون : ما الذي جعلهم يتركون القبلة التي كانوا عليها ؟ فإن كانت قبلة إبراهيم هي الكعبة فلماذا لم يتجه إليها من أول الأمر ؟ هم سيقولون هذا الكلام. ونزل به قرآن يتلى ويسجل. ومن تغفيلهم ساعة تغيرت القبلة قالوا ذلك القول أيضا، ولم يلتفتوا إلى أن الحق قال من قبل :
سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ( من الآية ١٤٢ سورة البقرة ).
فعلى الرغم من ذكائهم إلا أنهم قالوا هذا الكلام، مما يدل على أن الكفر مظلم والكافر في ظلام فلا يعرف كيف ينصر نفسه. وجعل الله الكفر وسيلة للإيمان. فلو أنهم كانوا أذكياء بحق وأصحاب بصيرة لكانوا بمجرد أن قال القرآن : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، لجمعوا بعضهم وقالوا : القرآن قال : إننا سنقول كذا وكذا، فهيا لا نقول كي يكون القرآن غير صادق، لكنهم لم يقدروا على ذلك. إذن فالكافر مغفل. هم يظنون أنهم بكفرهم يطمسون الإيمان بالله. لا ؛ لأن الله جعل الكفر وسيلة للإيمان، والحديث الشريف يقول :
( إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر )١.
فالحق سبحانه وتعالى يبين : هؤلاء أوتوا نصيبا من الكتاب، وكان المفروض لمن أوتوا نصيبا من الكتاب أن يكونوا أول من آمن. لكنهم لم يؤمنوا، هذه أول مرتبة، وليتهم اقتصروا في الشر على هذه، وبذلك تقف المسألة وتظل معلقة بهم، ولكنهم يشترون الضلالة، ليس فقط في نفوسهم بل يريدون أن يضلوا غيرهم، وهذه هي المرحلة الثانية، فهناك من يضل في ذاته وهو حر، لكن أن يحاول إضلال غير

١ رواه البخاري..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير