ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

ولما كان الحسد والبخل رذيلتين متناهيتين في الذم وصفهم الحق –تعالى- أيضا به، فقال :
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً
قلت : أم بمعنى بل.
يقول الحقّ جلّ جلاله : توبيخًا لليهود على الحسد : أم يحسدون الناس ، أي : العرب حيث انتقلت النبوة إليهم، وقد كانت في أسلافهم، على ما آتاهم الله من فضله ، وهو ظهور النبوة فيهم، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه اجتمع فيه ما افترق في سائر الناس، حسدوه على ما آتاه الله من فضله، من النبوة وغيرها، وقالوا لعنهم الله : ما له همٌّ إلا النساء ولو كان نبيًا لشغله أمر النبوة عن النساء.
فكَّذبهم الله تعالى وردَّ عليهم بقوله : فقد آتينا آل إبراهيم وهم : يوسف وداود وسليمان، الكتاب والحكمة أي : النبوّة، وآتيناهم مُلكّاً عظيمًا . فقد اجتمع لداود عليه السلام مائة امرأة. ولسليمان عليه السلام ألف امرأة : ثلاثمائة مهيرة، أي بالمهر وسبعمائة سرية، فقال لهم عليه الصلاة والسلام حين نزلت الآية : ألف امرأة عن رجل، ومائة امرأة عند آخر، أكثر من تسع نسوة، فسكتوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الحسد خلق مذموم، لا يتطهر منه إلا الصديقون، وكل من بقي فيه بقية من الحسد لا يشم رائحة المعرفة، إذ لو عرف الله لم يجد من يحسد، وقد قيل : الحسود لا يسود. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أن قال :" الحَسدُ يأكُلُ الحسنَاتِ كما تأكلُ النَّارُ الحَطَبَ " وقال سفيان :( بلغني أن الله تبارك وتعالى يقول : الحاسدُ عدو نعمتي، غيرُ راضٍ بقسمتي التي قسمت بين عبادي ). وأنشدوا :

ألاَ قُل لمَن كانَ لي حَاسِدًا أتدري على مَن أسَأتَ الأدَب
أسَأتَ على اللهِ في فِعلِه إذا أنتَ لم تَرضَ لي مَا وَهَب
جَزَاؤُكَ منه الزيادةُ لي وألاَّ تَنَالَ الذِي تَطَّلِب

وقال آخر :
إن تحسُدُوني فإني غيرُ لائمكم قَبَلى من الناسِ أهل الفضلِ قّد حُسِدُوا
فَدَامَ لي وَلَهُم ما كَانَ بي وبهم وماتَ أكثَرُنا غيظًا بما يَجِدُ
ثم إن الحسود لا تزول عداواته، ولا تنفع مداواته، وهو ظالم يشتكي كأنه مظلوم. ولقد صدق القائل :
كلُ العَدَاوةِ قد تُرجىَ إزالتُها إلا عداوة مَن عَادَاكَ مِن حَسَدٍ

وقال حكيم الشعراء :
وأظلمُ خَلقِ اللهِ مَن بَاتَ حَاسِدًا لِمَن بَاتَ في نَعمَائِه يَتَقَلَّبُ

وقال آخر :
أني لأرحمُ حاسِدِيَّ لفرطِ ما ضَمَّت صُدُوُرُهُم مِن الأوغَارِ
نَظَرُوا صنيعَ اللهِ في فَعُيُونهُم في جَنَّةٍ وقَلوبُهُم في نارِ
قال بعض الحكماء :( الحاسدُ يضرُّ نفسه ثلاث مضرات : إحداها : اكتساب الذنوب ؛ لأن الحسد حرام. الثانية : سوء الأدب مع الله ـ تعالى ـ فإنَّ حقيقة الحسد : كراهية إنعام الله على غيره، واعتراض على الله في فعله. الثالثة : تألم قلبه وكثرة همه وغمه ). عافانا الله من ذلك كله، فالحاسد لا ينفك عن نار الحجاب وغم الحساب، والمتطهر منه يدخل جنة الرضى والتسليم في جوار الحبيب، وهو محل الراحة والأمن في الدارين، وهو الظل الظليل. والله تعالى أعلم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير