المعنى الجملي : أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال : كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان ونبي قريظة هم حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وأبو عغمارة وهوذة بن قيس وباقيهم من نبي النضير فلما قدموا على قريش قالوا هؤلاء أحبار اليهود وأهل العلم بالكتب الأولى فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد ؟ فسألوهم فقالوا دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه فأنزل الله : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب إلى قوله ملكا عظيما قاله السيوطي في لباب النقول.
و قد تكون هذه الآيات نزلت بعد غزوة الأحزاب أو في أثنائها إذ نقض اليهود عهد النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا مع المشركين على استئصال شأفة المسلمين حتى لا يظهروا عليهم ومن ثم فضلوهم على المؤمنين كما أن هذا التفضيل ربما كان عند النداء بالنفير للحرب.
تفسير المفردات :
و الفضل : النبوة والكرامة في الدين والدنيا والكتاب : العلم بظاهر الشريعة والحكمة : العلم بالأسرار المودعة فيها والملك العظيم : ما كان لأنبياء نبي إسرائيل كداود وسليمان عليهما السلام وصد عن الشيء : أعرض عنه ونار مسعرة : موقدة ويقال أوقدت النار وأسعرتها.
الإيضاح :
ثم انتقل من توبيخهم بالبخل إلى توبيخهم بالحسد فقال :
أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله أي إن هؤلاء يريدون أن يضيق فضل الله بعباده ولا يحبون أن يكون لأمة فضل أكثر مما لهم أو مثله لما استحوذ عليهم من الغرور بنسبهم وتقاليدهم مع سوء حالهم.
و هم قد رأوا أن محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن أعطي النبوة جعله الله كل يوم أقوى دوله وأعظم شوكة وأكثر أعوانا وأنصارا من أجل هذا حسدوه حسدا عظيما.
و بعد أن ذكر أن كثرة نعمه عليه صارت سببا لحسد هؤلاء اليهود بين ما يدفع ذلك الحسد فقال :
فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما أي إن يحسدوا محمدا على ما أوتي فقد أخطؤوا إذ ليس هذا ببدع منا لأنا قد آتينا مثل هذا من قبل لآل إبراهيم والعرب منهم فإنهم من ذرية ولده إسماعيل فلم لم تعجبوا مما آتى آل إبراهيم وتعجبون مما آتى محمدا صلى الله عليه وسلم ؟ و لم لا يكون مستبعدا في حق هؤلاء ومستبعدا في حق محمد صلى الله عليه وسلم ؟
و في الآية رمز إلى أنه سيكون للمسلمين ملك عظيم يتبع النبوة والحكمة وقد ظهرت تباشيره عند نزول الآيات بالمدينة فقد قويت شوكتهم وأخذ أمرهم بعظم رويدا رويدا.
و الخلاصة : إن اليهود إما مغرورون مخدوعون يظنون أن فضل الله لا يعدوهم ورحمته تضيق بغيرهم وإما حاسبون أن ملك الكون في أيديهم فهم لا يعطون أحدا منه ولو حقيرا كالنقير وإما حاسدون للعرب على ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة والملك الذي ظهرت مبادئه ومقدماته.
تفسير المراغي
المراغي