ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

ويقول الحق بعد ذلك :
أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ٥٤ .
والحسد هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لان ربنا قد اصطفاه واختاره للرسالة ولذلك قال بعض منهم :
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ٣١ ( سورة الزخرف ).
إذن فالقرآن مقبول في نظرهم، لكن الذي يحزنهم أنه نزل على محمد، وهذا من تغفيلهم، وهو مثل تغفيل من قالوا :
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ( من الآية ٣٢ سورة الأنفال ).
لقد تمنوا الموت والقتل رميا بالحجارة من السماء ولم يتمنوا إتباع الحق، وهذا قمة التغفيل الدال على أنها عصبية مجنونة، ولذلك يقول الحق :
أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم ( من الآية ٣٢ سورة الزخرف ).
وسبحانه يؤكد لنا أنه يختص برحمته من يشاء، فلماذا الحسد إذن ؟ إنهم يحسدون الناس أن جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولو أنهم استقبلوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم استقبالا عادلا بعين الإنصاف لوجدوا أن كل ما جاء به هو كلام جميل. من يتبعه تتجمل به حياته. وكان مقتضى من آتاهم الله من فضله علما من الكتاب أن يبشروا برسول الله صلى الله عليه وسلم كما دعاهم إلى ذلك ما نزل عليهم في كتابهم وأن يكونوا أول المصدقين به، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل كذبوا وصدوا عن سبيله وفضلوا عليه الكافرين الوثنيين. فقالوا إنهم أهدى من محمد سبيلا.
والحق سبحانه وتعالى حي يتفضل على بعض خلقه بخصوصيات يحب سبحانه أن تتعدى الخصوصيات إلى خلق الله ؛ لأننا نعرف أن في كل خلق من خلق الله خصوصية مواهب، فإذا ما تفضل المتفضل بموهبته على الخلق تفضل بقية الخلق عليه بمواهبهم، إذن فقد أخذ مواهب الجميع حين يعطي الجميع.
وهؤلاء قوم آتاهم الله نصيبا فبخلوا وضنوا أن وليتهم ضنوا على أمر يتعلق بهم، بل على الأمر الذي وصلهم بالإله، وهو أنهم أصحاب كتاب عرفوا عن الله منهجه، وعرفوا عن الله ترتيب مواكب رسله فيريد الحق سبحانه أن يقول لهم : أنتم أوتيتم نصيبا من الكتاب فلم تؤدوا حقه، وأيضا أنكم لو ملكتم الملك فإنكم لن تؤدوا حقه، ولن تعطوا أحدا مقدار نقير وهو النقرة على ظهر النواة، ولذلك قال :
أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ٥٣ ( سورة النساء ).
إذن فلا هم في المعنويات والقيم معطون، ولا هم في الماديات معطون. فإذا كانوا قد بخلوا بما عندهم من القيم فهم أولى أن يبخلوا بما عندهم من المادة، وبذلك صاروا قوما لا خير فيهم أبدا.
ثم يوضح الحق : إذا كان هؤلاء قد أوتوا نصيبا من الكتاب يعرفهم سمات الرسول المقبل الخاتم فما الذي منعهم أن يؤمنوا به أولا ويؤيدوه ؟. لا شك أنه الحسد، على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم، جاء مصدقا لما معهم انهم لاشك حسدوا الرسول صلى الله عليه وسلم والحسد لا يتأتى إلا عن قلب حاقد، قلب متمرد على قسمة الله في خلقه ؛ لأن الحسد كما قالوا : هو أن تتمنى زوال نعمة غيرك، ويقابله " الغبطة " وهي أن تتمنى مثل ما لغيرك، فغيرك يظل بنعمة الله عليه، ولكنك تريد مثلها. وأنت إن أردت مثلها من الله فلا بد أن تغبطه، والحق يقول :
ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ( من الآية ٩٦ سورة النحل ).
ولذلك يجب أن يكون الناس في عطاء الله غير حاسدين وغير حاقدين. لكن بعض الناس ربما حسدوا غيرهم من الذين يعطيهم الأغنياء رغبة في أن يكون ذلك لهم وحدهم فإنك إن كان عندك كم من المال ثم اتصل بك قوم في حاجة فأعطيتهم منه، ربما قال الآخرون ممن يرغبون في عطائك ويأملون في خيرك : إنك ستنقص مما عندك بقدر ما تعطي هؤلاء ؛ لأن ما عندك محدود، ولكن هنا العطاء ممن لا ينفذ ما عنده، إذن فيعطيك ويعطي الآخرين ولا ينقص مما عنده شيء.
إذن فالغبطة أمر بديهي عند المؤمن ؛ لأنه يعلم أن عطاء الله لواحد لا يمنع أن يعطي الآخر، ولو أعطى سبحانه كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر، وذلك كما جاء في الحديث القدسي :" يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر " ١.
أم يحسدون الناس على ما آتاهم ، فالحسد كما عرفنا هو : أن يتمنى إنسان زوال نعمة غيره، هذا التمني معناه أنك تكره أن تكون عند غيرك نعمة، ولا تكره أن يكون عند غيرك نعمة إلا إذا كنت متمردا على من يعطي النعم.
إن أول خطأ يقع فيه الحاسد هو : رده لقدر الله في خلق الله، وثاني ما يصيبه أنه قبل أن ينال المحسود بشر منه ؛ فقلبه يحترق حقدا. ولذلك قالوا : الحسد هو الذنب أو الجريمة التي تسبقها عقوبتها ؛ لأن كل جريمة تتأخر عقوبتها عنها إلا الحسد، فقبل أن يرتكب الحاسد الحسد تناله العقوبة ؛ لأن الحقد يحرق قلبه وربما قال قائل : وما ذنب المحسود ؟.. ونقول : إن الله جعل في بعض خلقه داء يصيب الناس، والحسد يصيبهم قي نعمهم وفي عافيتهم. وما ذنب المقتول حين يوجه القاتل مسدسه ليقتله به ؟ هذه مثل تلك. فالمسدس نعمة من نعم الله عند إنسان ليحمي نفسه به، وليس له ان يستعمله في باطل.
وهب أن الله سبحانه وتعالى خلق في الإنسان شيئا يكره النعمة عند غيره، فلماذا لا يتذكر الإنسان حين يستقبل نعمة عند غيرك أن يقرنها بقوله : ما شاء الله لا قوة إلا بالله . فلو قارنت كل نعمة عند غيرك بما شاء الله الذي لا قوة إلا به لرددت عن قلبك سم حقدك. فأنت تتذكر أن الإنسان لم يعط نفسه أي نعمة. إنما ربنا هو الذي أعطاه، وسبحانه قادر على كل عطاء، ومن الممكن أن يحسد الإنسان. لكن الذي يجد الحسد في نفسه ويريد أن يطفئه، عليه أن يرد كل شيء إلى الله، ومادام قد رد كل شيء إلى الله فقد عمل وقاية لنفسه من أن يكون حاسدا. ووقاية للنعمة عند غيره من أن تكون محسودة، والحق سبحانه وتعالى يبين لنا ذلك في قوله سبحانه : ومن شر حاسد إذا حسد ٥ ( سورة الفلق ).
إذن فمن الممكن أن يمتلئ قلب أي واحد منا بالحقد على نعمة وبعد ذلك يحدث منها حسد، وعلى كل واحد منا أن يمنع نفسه من أن يدخل تيار الحقد على قلبه ؛ لأن تيار الحقد يحدث تغييرا كيماويا في تكوين الإنسان وهذا التغير الكيماوي هو الذى يسبب التعب للانسان، وما يدرينا أن هذا التوتر الكيماوي من النعمة عند غيره تجعل في نفس الإنسان وفي مادته تفاعلات، وهذه التفاعلات يخرج منها إشعاع يذهب للمحسود فيقتله ؟ لأن الحق سبحانه وتعالى يقول :
ومن شر حاسد إذا حسد ٥ ( سورة الفلق ).
وعندما تستعيذ بالله من شر الحاسد ألا يصيبك، قد يصيبك، ولكن استعاذتك من شره تعني أنه إن أصابك فعليك أن تسترجع، فتقول إنا لله وإنا إليه راجعون وتعلم أن ذلك خير لك ؛ فإن أصابك في نعمة فاعلم أن هذه المصيبة فيها خير، فالحاسد إذا أصابك في شيء من نعم الله عليك، فالشر هو أن تحرم الثواب عليها ! !.. فالمصاب هو من حرم الثواب، فإذا جاءت مصيبة لأي واحد وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم إنك ربي وإنك لا تحب لي إلا الخير لأني صنعتك ولم تجر علي إلا الخير.. لكنني قد لا أستطيع أن أفهم ذلك الخير.
إن المسلم إذا صنع ذلك فالله سبحانه وتعالى يبين له فيما بعد أنها كانت خيرا له، فإن أصابه في ولده وقال : من يدريني لعل ولدي الذي أماته الله كان سيفتنني فأكفر أو أسرق له وآخذ رشوة من أجله. لكن الله أخذه مني ومنع عني ذلك الشر، أو أن النعمة قد تطغيني، وقد تجعلني أتجبر على الناس، وقد تجعلني أتطاول وأعتدي على الخلق، فيقول لي ربنا : امرض قليلا واهدأ. وهكذا نرى أن المصاب لابد أن يتوقع الخير وأن يسترجع وأن يقول : لابد أنه سيأتيني من الابتلاء خير، وقد يقول قائل : نحن نقول :
قل أعوذ برب الفلق ١ من شر ما خلق ٢ ومن شر غاسق إذا وقب ٣ ومن شر النفاثات في العقد ٤ ومن شر حاسد إذا حسد ٥ ( سورة الفلق ).
نقرأ ونكرر هذه السورة ولم يعذنا الله من شر الحاسدين. ويحسدنا الحاسدون أيضا !.
نقول له : أنت لم تفهم معنى قوله : من شر حاسد إذا حسد . إنك تفهمه على أساس ألا يصيبك حسده، لا.. إن حسده قد يصيبك، لكن عليك أن تعرف قدر الله في تلك الإصابة وتقول : يا رب إنك أجريتها علي لخير عندك لي. فإن فعلت ذلك فقد كفيت شرا.
ونحن نعيش في عالم نرى فيه أنه كلما ارتقت الدنيا في العلم بين لنا ربنا آيات في كونه وفي أسرار الوجود تقرب لنا كثيرا من المعاني ؛ فالذين يصنعون الآن أسلحة الفتك والتدمير، كلما يلطف السلاح ويدق ولا يكون داخلا تحت مرائى البصر كان عنيفا ويختلف عن أسلحة الأزمنة القديمة حيث كان الإنسان يرمي آخر بحجر، ثم آخر يرمي بمسدس، ثم صار في قدرة دولة أن تصنع قنبلة ذرية لا ينوب أي فرد منها إلا قدر رأس مسمار لكنها تقتل، إذن فأسلحة الفتك كلما لطفت أي دقت عنفت. ونرى الآن الأسلحة كلها بإشعاع، والإشعاع ليس جرما وعمل الإشعاع نافذ لكن لا يوجد له جرم وكما يقول الأطباء : نجري العملية من غير أن نسيل دما بواسطة الأشعة، ومثال ذلك أشعة الليزر، إذن فكلما دق السلاح كان عنيفا وفتاكا.
وهذا مثال يوضح ذلك : لنفرض أنك أردت أن تبني لك قصرا في خلاء، ثم مر عليك صديق فقال : لماذا لم تضع لنوافذ الدور الأول حديدا ؟ تقول له : لماذا ؟. ويقول لك : هنا سباع وذئاب. فتضع الحديد ليمنع الذئاب، وآخر يمر على قصرك فيقول : إن فتحات الحديد واسعة وهنا توجد ثعابين كثيرة، فتضيق الحديد. وثالث يقول : هناك بعوض يلسع ويحمل الميكروبات. فتضع سلكا على النوافذ.
إذن فكلما دق العدو كان عنيفا فيحتاج احتياطا أكبر. ونحن نعلم أن الميكروب الذي لا يرى يأتي فيفتك بالناس، فالآفة التي تصيب الناس كلما لطفت، أي دقت وصغرت عنفت، فلو كانت ضخمة فمن الممكن أن يدفعها الإنسان قليلا قليلا، لكن عندما تصل إلى مرتبة من الدقة والصغر، هنا لا يستطيع الإنسان أن يدفعها. وأفتك الميكروبات هي التي تدق لدرجة أن الأطباء يقولون عن بعض الأمراض : لا نعرف لها فيروسا ؛ بمعنى ان هذا الفيروس المسبب للمرض صار دقيقا جدا حتى عن معايير المجاهر.
إذن فما الذي يجعلنا نضيق ذرعا بأن نقدر أن هناك شرارة من ميكروب تخرج من كيماوية الإنسان الحاقد الحاسد الذي تشقيه النعمة عند غيره، وشرارة الميكروب هذه مثل أشعة الليزر تتجه لشيء فتفتك به ! ! ما المانع من هذا ؟ ! إننا نفعل ذلك الآن ونسلط الأشعة على أي شيء، والأشعة هي من أفتك الأسلحة في زماننا، ولماذا لا نصدق أن كيماوية الحاسد عندما تهيج يتكون منها إشعاع يذهب إلى المحسود فيفتك به ؟ ومثلها مثل أي نعمة ينعمها ربنا عليك، وبعد ذلك تستعملها في الضرر. ومثال ذلك الرجل الذي عنده بعض من المال ؛ ومع ذلك يغلي حقدا على خصومه فيشتري مسدسا أو بندقية ليقتلهم ؛ إنه يأخذ النعمة ويجعلها وسائل انتقام، وهذا ياتي من هيجان الغريزة الداخلية المدبرة لانفعالات الإنسان.
إذن فهؤلاء القوم عندما جاء رسول الله مصدقا بما عندهم، ما الذي منعهم أن يصدقوه ؟. لاشك أنهم حسدوه في أن يأخذ هذه النعمة، ونظروا إلى نعمة الرسالة على أنها مزية للرسل وهل كان ذلك صحيحا

١ رواه مسلم في باب تحريم الظلم، ورواه أحمد..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير