ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (١).
فيه ثلاث مسائل :
[ ٣١ ] المسألة الأولى : في عموم الآية.
يرى الإمام ابن حزم أن الخطاب في هذه الآية عام للرجل والمرأة، والحر والعبد(٢).
[ ٣٢ ] المسألة الثانية : في وجوب رد الأمانات إلى أهلها.
قال الإمام ابن حزم :( فرض على من أُودعت عنده وديعة حفظها وردها إلى صاحبها إذا طلبها منه ؛ لقول الله تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى (٣)، ولقوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها .
ومن البر حفظ مال المسلم أو الذمي(٤). وقد صح نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال(٥)، وهذا عموم لمال المرء، ومال غيره )(٦).
[ ٣٣ ] المسألة الثالثة : في ضمان العارية(٧).
قال الإمام ابن حزم :( العارية غير مضمونة إن تلفت من غير تعدي المستعير، وسواء ما غُيِّب عليه من العواري، وما لم يغب عليه منها.
فإن ادعى عليه أنه تعدى، أو أضاعها حتى تلفت، أو عرض فيها عارض، فإن قامت بذلك بينة أو أقر ضمن بلا خلاف، وإن لم تقم بينة ولا أقر لزمته العين، وبرئ ؛ لأنه مدعى عليه. وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين على المدعى عليه.
وليست في هذه الآية تضمين ؛ لأن أداء الغرامة هو غير أداء الأمانة.
رُوينا من طريق ابن أبي شيبة نا وكيع عن ابن صالح بن حي عن عبد الأعلى عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب قال :( العارية ليست بيعا، ولا مضمونة، إنما هو معروف، إلا أن يخالف فيضمن )(٨).
وهذا صحيح عن علي.
ومن طريق عبد الرزاق نا قيس بن الربيع عن الحجاج بن أرطأة عن هلال الوزان عن عبد الله بن عُكيم قال : قال عمر بن الخطاب :( العارية بمنزلة الوديعة، ولا ضمان فيها، إلا أن يتعدى )(٩).
وهو قول إبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وغيرهم.
قال أبو محمد : قول الله تعالى : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم (١٠)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام " (١١).
فصح أن مال المستعير محرم، إلا أن يوجبه نص قرآن أو سنة، ولم يوجبه قط نص منهما. وقال الله تعالى : ما على المحسنين من سبيل (١٢)، وقال تعالى : إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق (١٣).
والمستعير ما لم يتعد ولا ضيع محسن، فلا سبيل عليه بنص القرآن، والغرم سبيل بيقين، فلا غرم عليه )(١٤).

١ سورة النساء، الآية (٥٨)..
٢ انظر: المحلى ١٠/٢٩٦..
٣ سورة المائدة، من الآية (٢)..
٤ الذمة: بمعنى العهد، والأمان، والضمان، والحرمة، والحق. وسمي أهل الذمة بذلك؛ لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم. انظر: النهاية في غريب الحديث ٤/١٦٨..
٥ إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال". الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: لا يسألون الناس إلحافا ٣/٣٩٨، حديث رقم (١٤٧٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة ٧/٤٧٢٢، حديث رقم (٥٩٣)..
٦ انظر: المحلى ٩/٨٥..
٧ العارية – بتخفيف الياء وتشديدها – من العري، وهو التجرد، لتجردها من العوض، وجمعها عواري – مسدد ومخفف -. وفي الاصطلاح: هي العين المأخوذة للانتفاع بها بلا عوض، مع بقاء العين. انظر: تحرير التنبيه للنووي ص ٢٣٢، طلبة الطلبة للنسفي ص ٢٠٣، هداية الراغب للنجدي ص ٣٨٥..
٨ رجال الإسناد:
وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي – بضم الراء وهمزة ثم مهملة -، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومائتين، وله سبعون سنة (ع). انظر: تقريب التهذيب ٢/٣٣٨.
الحسن بن صالح بن صالح بن حي الهمداني – بسكون الميم – الثوري، ثقة، فقيه، عابد، رُمي بالتشيع، مات سنة تسع وتسعين ومائة، وكان مولده سنة مائة (بخ م ٤). انظر: تقريب التهذيب ١/١٦٨.
عبد الأعلى بن عامر الثعلبي الكوفي، روى عن محمد بن الحنفية، قال أحمد: ضعيف الحديث، وكذا قال أبو زُرعة. وقال ابن حجر: (صدقو يهم)، مات بعد المائة (٤). انظر: تهذيب لابن حجر ٦/٨٦، تقريب التهذيب ١/٤٣٤.
محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم، ابن الحنفية، المدني، ثقة عالم، مات بعد الثمانين (ع). انظر: تقريب التهذيب ٢/٢٠١.
بقية رجال الإسناد تقدمت ترجمتهم.
تخريج الأثر: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/١٧٩، وابن أبي شيبة في مصنفه ٥/٦٥.
درجته: ضعيف؛ لأن فيه عبد الأعلى الثعلبي صدوق يهم..

٩ رجال الإسناد:
قيس بن الربيع الأسدي، أبو محمد الكوفي، صدوق، تغير لما كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، مات سنة بضع وستين ومائة (د ت ق). انظر: تقريب التهذيب ٢/١٣٥.
حجاج بن أرطأة – بفتح الهمزة – بن ثور بن هبيرة النخعي، أبو أرطأة الكوفي، القاضي، أحد الفقهاء، صدوق، كثير الخطأ والتدليس، مات سنة خمس وأربعين ومائة (بخ م ٤). انظر: تقريب التهذيب ١/١٥٥.
هلال بن أبي حميد، أو ابن حميد، أو ابن مقلاص، أو ابن عبد الله الجهني مولاهم، أبو الجهم، ويقال غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفي الوزان، الكوفي، ثقة، مات بعد المائة (خ م د ت س). انظر: تقريب التهذيب ٢/٣٢٨.
عبد الله بن عكيم – بالتصغير – الجهني، أبو معبد الكوفي، مخضرم، وقد سمع كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جهينة، مات في إمرة الحجاج (م ٤). انظر: تقريب التهذيب ١/٤٠٩.
وبقية رجال الإسناد تقدمت ترجمتهم.
تخريج الأثر: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/١٧٩.
درجته: إسناده ابن حزم فيه بن الربيع صدوق تغير بآخره، ولم يتبين هل هذه الرواية قبل الاختلاط أم بعده، وبقية رجال الإسناد ثقات، إلا حجاج بن أرطأة، وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس..

١٠ سورة النساء، من الآية ٢٩..
١١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب حجة الوداع ٧/٧١١، حديث رقم (٤٤٠٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال ٧/٤٦٠١، حديث رقم (١٦٧٩)..
١٢ سورة التوبة، من الآية (٩١)..
١٣ سورة الشورى من الآية ٤٢..
١٤ انظر: المحلى ١٠/٧٧-٨٠..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير