*إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا٥٨ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تاويلا٥٩ .
هاتان الآيتان هما أساس الحكومة الإسلامية ولو لم ينزل في القرآن غيرهما لكفتا المسلمين في ذلك إذا هم بنوا جميع الأحكام عليهما وقد ذكروا لنزولهما أسبابا وصرحوا بأن السبب الخاص لا يخصص عموم الخطاب.
قال في لباب النقول أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن طلحة فلما أتاه قال أرني المفتاح ( أي مفتاح الكعبة ) فلما بسط يده إليه قام العباس فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجمعه لي مع السقاية فكف عثمان يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هات المفتاح يا عثمان فقال هاك أمانة الله فقام ففتح الكعبة ثم خرج فطاف بالبيت ثم نزل عليه جبريل برد المفتاح فدعا عثمان ابن طلحة فأعطاه المفتاح ثم قال : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها حتى فرغ من الآية. وأخرج شعبة في تفسيره عن حجاج عن ابن جريج قال : نزلت هذه الآية في عثمان ابن طلحة أخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة فدخل به البيت يوم الفتح فخرج وهو يتلو هذه الآية فدعا عثمان فناوله المفتاح. قال : وقال عمر بن الخطاب ما سمعته يتلوها قبل ذلك، قلت ظاهر هذا أنها نزلت في جوف الكعبة اه.
أقول بل الظاهر أنها نزلت قبل فتح مكة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلاها يومئذ استشهادا وإن لم يتذكر عمر أنه سمعها قبل ذلك إن صحت الرواية وصح أن عمر قال ذلك فقد صح عنه أنه ذهل عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما ورد في ذكر موته حتى قرأ أبو بكر وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم [ آل عمران : ١٤٤ ] فتذكر وذهل عن آية وآتيتم أحداهن قنطارا [ النساء : ٢٠ ] حتى ذكرته بها المرأة التي راجعته في مسألة تحديد المهور كما تقدم في أوائل هذه السورة وكل أحد عرضة للنسيان والذهول، والرواية عن ابن عباس لا تصح وإن اعتمدها الجلال فقد ذكرنا من قبل أن المحدثين قالوا إن أوهى طرق التفسير عن ابن عباس هي طريق الكلبي عن أبي صالح قالوا إن انضم إليها مروان الصغير فهي سلسلة الكذب. وأما رواية شعبة عن حجاج هذا هو المصيصي الأعور فقد كان ثقة ولكنه تغير في آخر عمره وهو ممن روى عن شعبة وابن جرير ولم يذكروا أن شعبة روى عنه ولكن شعبة روى عن حجاج الأسلمي وهو مجهول كما قال أبو حاتم.
وفي الروايتين بحث من جهة المعنى أيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بمفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة ومن كل أحد فلو أعطاه للعباس أو غيره لم يكن فاعلا إلا ما له الحق فيه ومن أعطاه إياه يكون هو أهله وأحق به، وليس هذا من باب النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم [ الأحزاب : ٦ ] بل لأن الكعبة من المصالح العامة وإنما كان يكون من هذا الباب لو كان المفتاح مفتاح بيت عثمان بن طلحة نفسه ونزع ملكه منه وأعطاه آخر بل الحكام الآن في جميع الممالك ينزعون ملك من يرون المصلحة العامة في نزع ملكه منه ولكنهم يعطونه ثمنه شاء أم أبى.
الأستاذ الإمام : بعد ما بين الله تعالى لنا من شأن أهل الكتاب ما بينه حتى تفضيلهم المشركين في الهداية على المؤمنين بالله وحده وبجميع كتبه ورسله أدبنا بهذا الأدب العالي وأمرنا بالأمانة العامة وهي الاعتراف بالحق سواء كان الحق حسيا أو معنويا فقال : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فالكلام متصل بما قبله بمناسبة قوية تجعل السياق كعقد من الجوهر متناسب اللآلي فسواء صح ما ذكر من حكاية مفتاح الكعبة أو لم يصح فإن صحته لا تضر بالتئام السياق ولا بعموم الحكم إذ السبب الخاص لا ينافي عموم الحكم.
الأمانة حق عند المكلف يتعلق به حق غيره ويودعه لأجل أن يوصله إلى ذلك الغير كالمال والعلم سواء كان المودع عنده ذلك الحق قد تعاقد مع المودع على ذلك بعقد قولي خاص صرح فيه بأنه يجب على المودع عنده أن يؤدي كذا إلى فلان مثلا أم لم يكن كذلك فإن ما جرى عليه التعامل بين الناس في الأمور العامة هو بمثابة ما يتعاقد عليه الأفراد في الأمور الخاصة فالذي يتعلم العلم قد أودع أمانة وأخذ عليه العهد بالتعامل والعرف بأن يؤدي هذه الأمانة ويفيد الناس ويرشدهم بهذا العلم وقد أخذ الله العهد العام على الناس بهذا التعامل المتعارف بينهم شرعا وعرفا بنص قوله : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه [ آل عمران : ١٨٧ ] ولذلك عد علماء أهل الكتاب خائنين بكتمان صفات النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على العالم أن يؤدي أمانة العلم إلى الناس كما يجب على من أودع المال أن يرده إلى صاحبه، ويتوقف أداء أمانة العلم على تعرف الطرق التي توصل إلى ذلك فيجب أن تعرف هذه الطرق لأجل السير فيها. وإعراض العلماء عن معرفة الطرق التي تتأدى بها هذه الأمانة بالفعل هو ابتعاد عن الواجب الذي أمروا به وإخفاء الحق بإخفاء وسائله هو عين الإضاعة للحق، فإذا رأينا الجهل بالحق والخير فاشيا بين الناس واستبدلت به الشرور والبدع ورأينا أن العلماء لم يعلموهم ما يجب في ذلك فيمكننا أن نجزم بأن هؤلاء العلماء لم يؤدوا الأمانة وهي ما استحفظوا عليه من كتاب الله ولا عذر لهم في ترك استبانه الطريق الموصل إلى ذلك بسهولة وقرب، فهم خونة الناس وليسوا بالأمناء.
أقول : يعني رحمه الله تعالى أنه يجب على العلماء أن يعرفوا الطرق التي تؤدي إلى إيصال العلم إلى الناس وقبوله وهذه الطرق تختلف باختلاف الزمان والمكان كما تختلف الطرق التي تؤدي بها أمانة المال ففي هذا العصر تؤدى الأموال إلى أصحابها بطرق لم تكن معروفة في العصور السابقة منها التحويل على مصلحة البريد ومنها المصارف ومنها غير ذلك. وكذلك توجد طرق لنشر العلم بين الناس أسهل من الطرق السابقة فمن أبى سلوكها لا يعذر بعدم تأديته لأمانة العلم النافع وأكثر العلماء المتأخرين يقولون إنه لا يجب على العالم أن يتصدى لتعليم الناس وإنما يجب عليه أن يجيب إذا سئل وربما قيدوا هذا بما إذا فقد من يقوم مقامه في الإفتاء. وإنما قال مثل هذا من قاله من المتقدمين في المسائل الخاصة التي يحتاج إليها عند وقوع الوقائع فأما ما لا بد منه ولا يسع الناس جهله من العقائد والواجبات وأحكام الحلال والحرام فلم يشترط أحد فيه هذا الشرط ولذلك اتفقوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يقيدوه بالاستفتاء، والمجهول لا تتوجه النفوس إلى السؤال عنه أفيترك الجاهلون بالسنن العاملون بالبدع حتى يطرقوا أبواب العلماء في بيوتهم أو مدارسهم مع العلم بأنهم لا يفعلون.
ولا يخرج علماء الدين من تبعة الكتمان والخيانة في أمانة الله بتصديهم لتدريس كتب الفقه والعقائد فإن هذه الكتب لا تفهمها العامة ولا تجب عليها معرفتها لأنها وضعت للمنقطعين للعلم يستعينون بها على القضاء والإفتاء في المسائل التي لا يحتاج إليها كل الناس دائما ومنها ما تمر الأعصار ولا يقع بل منها يستحيل وقوعه. فيجب على العلماء أن يتصدوا لتعليم الجمهور ما لا يسع أحدا منهم جهله وأن يأمروهم المعروف وينهوهم عن المنكر من أقرب الطرق وأسهلها وإنما يعرف ذلك بالتجربة والاختبار ولله در الشاعر الذي قال :
لو صح منك الهوى أرشدت للحيل
وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل قال الأستاذ الإمام بعد ما تقدم آنفا وكذلك أمر الله من يحكم بين الناس أن يحكم بالعدل، والحكم بين الناس له طرق منها الولاية العامة والقضاء ومنها تحكيم المتخاصمين لشخص في قضية خاصة فكل من يحكم يجب عليه أن يعدل وقد أمر الله بالعدل في آيات أخرى كقوله : إن الله يأمر بالعدل [ النحل : ٩٠ ] الآية وقوله : اعدلوا هو أقرب للتقوى [ الأنعام : ٧ ] وقوله : كونوا قوامين بالقسط [ المائدة : ١٣٤ ] ونهى عن الظلم وأوعد عليه في آيات كثيرة، ولم يذكر لنا حد العدل ولا تفسيره ولم يرد في السنة تفسير له أيضا. والعدل وقف على أمرين أحدهما : أن يعلم الحاكم الحكم الذي شرعه الله ليكون الفصل بين الناس به مثال ذلك قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود [ المائدة : ١ ] فهو يوجب علينا أن نوفي بما نتعاقد عليه وقوله : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [ البقرة : ١٨٧ ] الآية وهو قد حرم أكل أموال الناس ورشوة الحكام، وكذلك ما ورد في السنة المتواترة من أحكامه وقضائه صلى الله عليه وآله فيجب على الحاكم تطبيق أحكامه على ما علم من حكم الله ورسوله وقد يكون التطبيق ظاهرا وقد يحتاج فيه إلى قياس واستنباط وإجهاد للفكر، فهذا النوع من العدل معروف عند الناس وإنما يذكر لتنبيه الناس وتذكيرهم.
والركن الثاني للعدل ( هكذا عبر تارة بالنوع وتارة بالركن ) يتألف من أمرين أحدهما : فهم الدعوى من المدعي والجواب من المدعى عليه ليعرف موضوع ما به التنازع والتخاصم بأدلته من الخصمين، ثانيهما : استقامة الحاكم وخلوه من الميل إلى أحد الخصمين ومن الهوى بأن يكره أحد الخصمين وإن كان لا يميل إلى الآخر، وهذا المعنى معروف للناس أيضا فكل من ركني العدل معروف. ولذلك ذكر الله العدل ولم يفسره لأنه معروف بنفسه كالنور.
ولك وقد فهمت ما قلناه أن تقول : العدل عبارة عن إيصال الحق إلى صاحبه من أقرب الطرق إليه ولا يتحقق ذلك إلا بإقامة الركنين اللذين بيناهما فكل ما خرج عنهما فهو ظلم. فإذا أخر القاضي النظر في القضية اتباعا لرسوم وعادات لا يتوقف عليها إقامة العدل أو لم يقبل الشهادة لأنها لم تؤد بألفاظ مخصوصة وإن تبين بها الحق المراد أو أخر الحكم بعد انتهاء المحاكمة واستيفاء أسبابها، هل يكون مقيما للعدل ؟ ( قال الأستاذ هذا في الدرس فضج الحاضرون بقول لا لا ) إذا علمنا هذا وتأملنا في الأحكام التي تجري عندنا اليوم فهل نراها جارية على أصول العدل ( قالوا لا لا ).
نجد محاكمنا الشرعية تشترط في توجيه الدعوى وفي شهادة الشهود شروطا وألفاظا معينة كلفظ أشهد ولفظ هذا والمذكور وتبيين النقد وذكر البلد الذي ضرب فيه وإن كان ذلك مفهوما من الكلام لا يختلف في فهمه القاضي ولا الخصم، فهذه الاصطلاحات كثيرا ما تحول دون العدل، ترد الدعوى من أصلها، أو الشهادة لعدم موافقتها للألفاظ المصطلح عليها وإن أدت معناها، وكذلك كل ما يحول بين الناس وفهم الشريعة يكون من أسباب إضاعة العدل ولا عذر للناس بالجهل إذ يجب عليهم فهم الشريعة وإزالة كل ما يحول دون فهمها من الاصطلاحات. ولو كنا نقيم العدل لما كنا في هذه الحالة من الضعف وسوء الحال.
ثم قال الأستاذ في درس آخر أنه اطلع بعد الدرس الأول ( الذي لخصناه بما رأيت ) على كتاب السياسية الشرعية لابن تيمية فإذا هو كله مبني على هذه الآية، فإنه توسع في ذكر أنواع الأمانة التي أودعها الله في أيدي الحكام، ومنها أن لا يولوا الأمور إلا خيار الناس الصالحين لها وأورد في ذلك أحاديث كثيرة منها الحديث المشهور ( أي برواية البخاري له ) " إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة " (١) أي ساعة قيامة الأمة وهلاكها لأن لكل أمة ساعة أي وقتا تهلك فيه أو يذهب استقلالها.
أقول إن معنى الآية لم يتجلَّ تمام التجلي فيما ذكرناه فلا بد من زيادة البيان، ونفصله في مسائل :
( المسألة الأولى في معنى الأمانة ) الأمانة ما يؤمن عليه الإنسان من الأمن وهو طمأنينة النفس وعدم الخوف، يقال أمنته ( كسمعته ) على الشيء هل آمنكم عليه إلا كما آمنتكم على أخيه [ يوسف : ٦٤ ] ويقال أمنه بكذا ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك [ آل عمران : ٧٥ ] ويقال ائتمن فلانا أي عده أو اتخذه أمينا وائتمنه على الشيء كأمنه ع
*إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا٥٨ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تاويلا٥٩ .
هاتان الآيتان هما أساس الحكومة الإسلامية ولو لم ينزل في القرآن غيرهما لكفتا المسلمين في ذلك إذا هم بنوا جميع الأحكام عليهما وقد ذكروا لنزولهما أسبابا وصرحوا بأن السبب الخاص لا يخصص عموم الخطاب.
تفسير المنار
رشيد رضا