ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

أخرج ابن مروديه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان ابن طلحة فلما أتاه قال : أدّني المفتاح فأتاه به، فلما بسط يده قام العباس فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي أجمعه لك مع السقاية وخلف عثمان يده فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم " هات المفتاح يا عثمان " فقال : هات بأمانة الله فقام ففتح الكعبة ثم خرج فطاف بالبيت ثم نزل عليه بردّ المفتاح فدعا عثمان بن طلحة فأعطاه المفتاح " ثم قال : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها حتى فرغ من الآية وأخرج سنيد في تفسيره عن حجاج بن والأزرقي عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية في عثمان بن طلحة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه مفتاح الكعبة فدخل به البيت يوم الفتح فخرج وهو يتلو هذه الآية فدعا عثمان فناوله المفتاح، قال وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى عليه وسلم من الكعبة وهو يتلو هذه الآية فداه أبي وأمي وما سمعته يتلو قبل ذلك، فالظاهر أنها نزلت في جوف الكعبة، وروي أيضا نحوه عن سعيد بن المسيّب وفيه " خذوها يا بني طلحة خالدة لا يظلمكموها إلا كافر " وروى ابن سعد عن إبراهيم بن محمد العبدري عن أبيه ومحمد بن عمرو عن شيوخه قالوا قال عثمان بن طلحة لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة فدعاني إلى الإسلام، فقلت : يا محمد أتعجب لك حيث تطمع إن أتبعك وقد خالفت دين قومك وجئت بدين محدث وكنا نفتح الكعبة في الجاهلية الاثنين والخميس، فأقبل يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظت عليه ونلت منه فحلم عني، ثم قال يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت، فقلت : لقد هلكت قريش وذلّت، قال : بل عمرت وعزت ودخل الكعبة فوقعت كلمة مني موقعا ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال فأردت الإسلام فإذا قومي يزبرونني زبرا شديدا، فلما كان يوم الفتح قال لي يا عثمان ائت بالمفتاح فأتيته به فأخذه مني ثم دفعه إليّ وقال :" خذها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما وصل إليكم من هذا البيت بالمعروف " فلما وليت ناداني فرجعت إليه فقال :" ألم يكن الذي قلت لك " فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة فقلت : بلى أشهد أنك رسول الله. وروى الفاكهاني عن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ناول عثمان المفتاح قال له غيّبه، قال الزهري فلذلك يغيب المفتاح، فقلت : ولعل الوجه في الأمة بتغييب المفتاح أن الناس كانوا يطمعون في أن يكون المفتاح عندهم كما ذكرنا من رواية ابن مردويه طمع عباس فيه، وروى ابن عابد والأزرقي أن عليا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : اجمع لنا الحجابة والسقاية فنزلت هذه الآية، فدعا عثمان فقال :" خذوها يا بني طلحة خالدة مخلدة لا ينزعها منكم إلا ظالم " وروى عبد الرزاق والطبراني عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من البيت قال علي رضي الله عنه إنا أعطينا النبوة والسقاية والحجابة ما من قوم بأعظم نصيبا منا فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع إليه وقال :" غيبوه ". وذكر البغوي أنه لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح فقيل له : إنه مع عثمان، فأبى وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، فلوى علي رضي الله عنه عنقه فأخذ منه المفتاح وفتح الباب فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس المفتاح أن يعطيه ويجمع له بين السقاية والسدانة فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه ففعل ذلك علي، فقال له عثمان : أكرهت وأذيت ثم جئت ترفق، فقال : لقد أنزل الله في شأنك وقرأ عليه الآية، فقال عثمان : أشهد أن محمدا رسول الله وكان المفتاح معه فلما مات دفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة في أولادهم إلى يوم القيامة.
فائدة : نزول الآية وإن كان في إعطاء المفتاح لبني طلحة لكن الآية بعموم لفظها يفيد وجوب أداء كل أمانة إلى أهلها، عن أنس قال قلما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال :" لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له " رواه البيهقي في شعب الإيمان، وفي الصحيحين عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو مرفوعا أنه صلى الله عليه وسلم ذكر من علامات النفاق " إذا اؤتمن خان ". (١)
فائدة : ليس أداء الأمانة منحصرا في مال الوديعة ونحو ذلك بل كل حق لأحد على أحد أمانة يجب أداؤه لأهله كما يدل عليه سبب نزول هذه الآية فلهذا قال الصوفية العلية : إن الوجود وتوابعه وكل كمال في الممكن فهو ليس لذاته بل مقتبس من مرتبة الوجوب جلت عظمته وأمانة مودعة مستعارة منه تعالى، ومقتضى هذه الآية وجوب رد تلك الأمانات إلى أهلها بحيث يرى نفسه عاريا منها كما أن السلطان إذا لبس كناسا لباس الأمارة فالواجب على الكناس أن يرى نفسه في كل حين عاريا كما كان منتسبا لباسه إلى مالكه، وإذا غلب على الصوفي هذه الملاحظة وجد نفسه في نفسه معدوما خاليا عن الوجود وعن سائر الكمالات مبدأ للشرور والمناقص وذلك هو مرتبة الفناء، ثم قد ينتفي عنه هذه الرؤية المستعارة أيضا وذلك فناء الفناء ثم يرى نفسه موجودا بوجود مستعار من الله تعالى متصفا بصفات مضافة إليه سبحانه باقيا ببقائه وذلك مرتبة البقاء، ومن هاهنا قال الله تعالى في الحديث القدسي :" كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به " (٢) الحديث، فإذا وصل الصوفي إلى تلك المرتبة المعبر عنها بالفناء و البقاء المكنى عنها بأداء الأمانة لا يتصور حينئذ أ ن يصدر من الصوفي تزكية لنفسه حيث يرى نفسه معدوما خاليا عن الكمالات وجاز له حينئذ التكلم بما أعطاه الله من الكمالات والتحديث بما أنعم الله عليه من الفضائل والمقامات والمعاملات، لأن الكمالات حينئذ مضافة إلى الله تعالى وكل ثناء واقع على تلك الكمالات راجعة إلى الله سبحانه ويظهر استغراق المحامد لله وانحصار المدائح في الله تعالى : فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ٤٥ (٣) فكأن هذه الآية متصلة بقوله تعالى : لا تزكوا أنفسكم بل الله يزكي من يشاء(٤). وما بينهما اعتراض ومعنى الآيتين لا تزكوا أنفسكم فإن كمالاتكم ليست ناشئة من أنفسكم بل الله يزكي من يشاء بإعطاء نور من أنواره ورشحة من بحار كماله والله يأمركم أن تؤدوا الأمانات التي عندكم من الكمالات إلى أهلها حتى يتصور منكم تزكية نفوسكم ويتأتى منكم أداء بعض محامد ربكم، ومن هاهنا يظهر لك جواب ما اعتراض بعض الجهال على كلمات المشايخ المشعرة بالتفاخر فإنها بعد أداء الأمانات إلى أهلها ناشئة على سبيل التحديث بالنعمة بإذن ربهم على مقتضى الحكمة والله أعلم.
وإذا حكمتم الظرف متعلق بمحذوف دل عليه ما بعده تقديره ويأمركم أن تحكموا بالعدل إذا حكمتم أي قضيتم بين الناس أن تحكموا بالعدل تفسير للمحذوف لا محل له من الإعراب والحكم بالعدل أيضا من باب أداء الأمانة والإخلال به خيانة، عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله استعملني قال : يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذ بحقها وأدى الذي عليه فيها " وفي رواية قال :" يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وأني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم " (٥) رواه مسلم، وكذا ما يذكر بعد ذلك من إطاعة الله والرسول وأولي الأمر أيضا أمانة إن الله نعما ما نكرة منصوبة على التمييز موصوفة بيظلم أو موصولة مرفوعة على الفاعلية أي نعم شيئا أو نعم الشيء الذي يعظكم به والمخصوص محذوف أي أداء الأمانة والعدل في الحكم إن الله كان سميعا بأقوالكم وأحكامكم بصيرا بما تفعلون في الأمانات عن عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال :" المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، هم الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا " (٦) رواه مسلم، وعن أبي سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا وفي رواية أبعدهم منه مجلسا إمام جائر " (٧) رواه الترمذي وقال : هذا حديث حسن غريب، وعن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أتدون من السابقون إلى ظل الله عز وجل يوم القيامة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال :" الذين إذا أعطوا الحق قبلوا وإذا سألوه بذلوا وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم " (٨) رواه أحمد : وروى البيهقي في شعب الإيمان نحوه عن عمر بن الخطاب مرفوعا.

١ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: علامة المنافق (٣٣)...
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: التواضع (٦٥٠٢)...
٣ سورة الأنعام، الآية: ٤٥..
٤ الآية هي: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم). سورة النساء، الآية: ٤٩..
٥ أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: كراهة الإمارة يغير ضرورة (١٨٢٦) وأخرجه النسائي في كتاب: الوصايا باب: النهي عن الولاية على مال اليتيم (٣٦٦٠)..
٦ أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر (١٨٢٧)..
٧ أخرجه الترمذي في كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في الإمام العادل (١٣٢٩)...
٨ رواه أحمد في المسند المجلد السادس/حديث السيدة عائشة رضي الله عنها...

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير