ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

أَوْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ فَعِنْدَ هَذَا يَبْطُلُ اسْتِدْلَالُ الْمُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها [النِّسَاءِ: ٩٣] عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ يَبْقَى فِي النَّارِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، لِأَنَّا بَيَّنَّا بِدَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْخُلُودَ لِطُولِ الْمُكْثِ لَا لِلتَّأْبِيدِ، وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَالْمُرَادُ طَهَارَتُهُنَّ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَجَمِيعِ أَقْذَارِ الدُّنْيَا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سورة البقرة: لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] وَاللَّطَائِفُ اللَّائِقَةُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ. وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ:
وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الظَّلِيلُ لَيْسَ يُنْبِئُ عَنِ الْفِعْلِ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَوْ مَفْعُولٍ، بَلْ هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي نَعْتِ الظِّلِّ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لَيْلٌ أَلْيَلُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ بِلَادَ الْعَرَبِ كَانَتْ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ، فَكَانَ الظِّلُّ عِنْدَهُمْ أَعْظَمَ أَسْبَابِ الرَّاحَةِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى جَعَلُوهُ كِنَايَةً عَنِ الرَّاحَةِ.
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: «السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّه فِي الْأَرْضِ»
فَإِذَا كَانَ الظِّلُّ عِبَارَةً عَنِ الرَّاحَةِ كَانَ الظَّلِيلُ كِنَايَةً عَنِ الْمُبَالَغَةِ الْعَظِيمَةِ فِي الرَّاحَةِ، هَذَا مَا يَمِيلُ إِلَيْهِ خَاطِرِي، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَنْدَفِعُ سُؤَالُ مَنْ يَقُولُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ شَمْسٌ تُؤْذِي بِحَرِّهَا فَمَا فَائِدَةُ وَصْفِهَا بِالظِّلِّ الظَّلِيلِ. وَأَيْضًا نَرَى فِي الدُّنْيَا أَنَّ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَدُومُ الظِّلُّ فِيهَا وَلَا يَصِلُ نُورُ الشَّمْسِ إِلَيْهَا يَكُونُ هَوَاؤُهَا عَفِنًا فَاسِدًا مُؤْذِيًا فَمَا مَعْنَى وَصْفُ هَوَاءِ الْجَنَّةِ بِذَلِكَ لِأَنَّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْنَاهُ تَنْدَفِعُ هَذِهِ الشُّبُهَاتُ.
[سورة النساء (٤) : آية ٥٨]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨)
اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا شَرَحَ بَعْضَ أَحْوَالِ الْكُفَّارِ وَشَرَحَ وَعِيدَهُ عَادَ إِلَى ذِكْرِ التَّكَالِيفِ مَرَّةً أُخْرَى، وَأَيْضًا لَمَّا حَكَى عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ كَتَمُوا الْحَقَّ حَيْثُ قَالُوا لِلَّذِينِ كَفَرُوا: هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ مِنْ بَابِ الْمَذَاهِبِ وَالدِّيَانَاتِ، أَوْ مِنْ بَابِ الدُّنْيَا وَالْمُعَامَلَاتِ، وَأَيْضًا لَمَّا ذَكَرَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَكَانَ مِنْ أَجَلِّ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْأَمَانَةٌ/ لَا جرم أمر بها في هذه الآية. [في قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها] وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَغْلَقَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ وَكَانَ سَادِنَ الْكَعْبَةِ بَابَ الْكَعْبَةِ، وَصَعِدَ السَّطْحَ وَأَبَى أَنْ يَدْفَعَ الْمِفْتَاحَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّه لَمْ أَمْنَعْهُ، فَلَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَدَهُ وَأَخَذَهُ مِنْهُ وَفَتَحَ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلَهُ الْعَبَّاسُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمِفْتَاحَ وَيَجْمَعَ لَهُ السِّقَايَةَ وَالسَّدَانَةَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى عُثْمَانَ وَيَعْتَذِرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال: لقد أنزل اللَّه في شأنك قرآنا وقرأ عليه الآية فقال عثمان: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَخْبَرَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ السَّدَانَةَ فِي أَوْلَادِ عُثْمَانَ أَبَدًا. فَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَقَ.
وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَانَ: أَعْطِنِي الْمِفْتَاحَ فَقَالَ: هَاكَ بِأَمَانَةِ اللَّه، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ ضَمَّ يَدَهُ، فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً:
إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ باللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَأَعْطِنِي الْمِفْتَاحَ، فَقَالَ: هَاكَ بِأَمَانَةِ اللَّه، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ ضَمَّ يَدَهُ، فَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ مَرَّةً ثَالِثَةً، فَقَالَ عُثْمَانُ فِي الثَّالِثَةِ: هَاكَ بِأَمَانَةِ اللَّه وَدَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقام

صفحة رقم 108

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ وَمَعَهُ الْمِفْتَاحُ وَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى الْعَبَّاسِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عُثْمَانُ خُذِ الْمِفْتَاحَ عَلَى أَنَّ لِلْعَبَّاسِ نَصِيبًا مَعَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَانَ: «هَاكَ خَالِدَةٌ تَالِدَةٌ لَا يَنْزِعُهَا مِنْكَ إِلَّا ظَالِمٌ» ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ هَاجَرَ وَدَفَعَ الْمِفْتَاحَ إِلَى أَخِيهِ شَيْبَةَ فَهُوَ فِي وَلَدِهِ الْيَوْمَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَا يُوجِبُ كَوْنَهَا مَخْصُوصَةً بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْأَمَانَاتِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مُعَامَلَةَ الْإِنْسَانِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعَ رَبِّهِ أَوْ مَعَ سَائِرِ الْعِبَادِ، أَوْ مَعَ نَفْسِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ الْأَمَانَةِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ.
أَمَّا رِعَايَةُ الْأَمَانَةِ مَعَ الرَّبِّ: فَهِيَ فِي فِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَهَذَا بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْأَمَانَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَازِمَةٌ، فِي الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: إِنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فَرْجَ الْإِنْسَانِ وَقَالَ هَذَا أَمَانَةٌ خَبَّأْتُهَا عِنْدَكَ فَاحْفَظْهَا إِلَّا بِحَقِّهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، فَأَمَانَةُ اللِّسَانِ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي الْكَذِبِ وَالْغَيْبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ وَالْفُحْشِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَانَةُ الْعَيْنِ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهَا فِي النَّظَرِ إِلَى الْحَرَامِ، وَأَمَانَةُ السَّمْعِ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي سَمَاعِ الْمَلَاهِي وَالْمَنَاهِي، وَسَمَاعِ الْفُحْشِ وَالْأَكَاذِيبِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا الْقَوْلُ/ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ رِعَايَةُ الْأَمَانَةِ مَعَ سَائِرِ الْخَلْقِ فَيَدْخُلُ فِيهَا رَدُّ الْوَدَائِعِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ التَّطْفِيفِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَنْ لَا يُفْشِيَ عَلَى النَّاسِ عُيُوبَهُمْ، وَيَدْخُلُ فِيهِ عَدْلُ الْأُمَرَاءِ مَعَ رَعِيَّتِهِمْ وَعَدْلُ الْعُلَمَاءِ مَعَ الْعَوَامِّ بِأَنْ لَا يحملوهم على التعصبات الباطلة، بل يرشدونهم إِلَى اعْتِقَادَاتٍ وَأَعْمَالٍ تَنْفَعُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَيَدْخُلُ فِيهِ نَهْيُ الْيَهُودِ عَنْ كِتْمَانِ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَهْيُهُمْ عَنْ قَوْلِهِمْ لِلْكُفَّارِ: إِنَّ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَمْرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِرَدِّ الْمِفْتَاحِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَمَانَةُ الزَّوْجَةِ لِلزَّوْجِ فِي حِفْظِ فَرْجِهَا، وَفِي أَنْ لَا تُلْحِقَ بِالزَّوْجِ وَلَدًا يُولَدُ مِنْ غَيْرِهِ. وَفِي إِخْبَارِهَا عَنِ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَمَانَةُ الْإِنْسَانِ مَعَ نَفْسِهِ فَهُوَ أَنْ لَا يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ إِلَّا مَا هُوَ الْأَنْفَعُ وَالْأَصْلَحُ لَهُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَأَنْ لَا يُقْدِمَ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ عَلَى مَا يَضُرُّهُ فِي الْآخِرَةِ، وَلِهَذَا
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رعيته»
فقوله: يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها يَدْخُلُ فِيهِ الْكُلُّ، وَقَدْ عَظَّمَ اللَّه أَمْرَ الْأَمَانَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [الْأَحْزَابِ: ٧٢] وَقَالَ: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ٨] وَقَالَ: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الْأَنْفَالِ: ٢٧]
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ»
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: ثَلَاثَةٌ يُؤَدَّيْنَ إِلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ: الْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ وَصِلَةُ الرَّحِمِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَفْظُ الْأَمَانَةِ وَإِنْ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِلْكُلِّ إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأَمَانَةِ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْمَالِ، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا إِلَى الْغَيْرِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْأَمَانَةُ مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ الْمَفْعُولُ، وَلِذَلِكَ جُمِعَ فَإِنَّهُ جُعِلَ اسْمًا خَالِصًا. قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : قُرِئَ (الْأَمَانَةَ) عَلَى التَّوْحِيدِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: مِنَ الْأَمَانَاتِ الْوَدَائِعُ، وَيَجِبُ رَدُّهَا عِنْدَ الطَّلَبِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا

صفحة رقم 109

غَيْرُ مَضْمُونَةٍ. وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ، رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: اسْتَحْمَلَنِي رَجُلٌ بِضَاعَةً فَضَاعَتْ مِنْ بَيْنِ ثِيَابِي، فَضَمِنَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ لِإِنْسَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَذَهَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ: ذَهَبَ لَكَ مَعَهَا شَيْءٌ؟ قُلْتُ لَا، فَأَلْزَمَنِي الضَّمَانَ، وَحُجَّةُ الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ مَا
رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ/ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا ضَمَانَ عَلَى رَاعٍ وَلَا عَلَى مُؤْتَمَنٍ»
وَأَمَّا فِعْلُ عُمَرَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُودِعَ اعْتَرَفَ بِفِعْلٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ: الْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ بَعْدَ الْهَلَاكِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ: غَيْرُ مَضْمُونَةٍ. حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَبَعْدَ هَلَاكِهَا تَعَذَّرَ رَدُّهَا بِصُورَتِهَا، وَرَدُّ ضَمَانِهَا رَدُّهَا بِمَعْنَاهَا، فَكَانَتِ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى وُجُوبِ التَّضْمِينِ. وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ»
أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ فِي الْوَدِيعَةِ، لَكِنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ، وَأَيْضًا فَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَامَ مَضْمُونٌ، وَأَنَّ الْمُودَعَ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَالْعَارِيَّةَ وَقَعَتْ فِي الْبَيْنِ، فَنَقُولُ: الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الْعَارِيَّةِ وَبَيْنَ الْمُسْتَامِ أَكْثَرُ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَهُ الْأَجْنَبِيُّ لِغَرَضِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْمُودَعِ، فَإِنَّهُ أَخَذَ الْوَدِيعَةَ لِغَرَضِ الْمَالِكِ، فَكَانَتِ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الْمُسْتَعَارِ وَبَيْنَ الْمُسْتَامِ أَتَمَّ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْتَعَارِ وَبَيْنَ الْمُودَعِ. حُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ».
قُلْنَا: إِنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي الْمُسْتَامِ، فَكَذَا فِي الْعَارِيَّةِ، ولأن دليلنا ظاهر القرآن وهو أقوى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً.
وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ الْأَمَانَةَ عِبَارَةٌ عَمَّا إِذَا وَجَبَ لِغَيْرِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ فَأَدَّيْتَ ذَلِكَ الْحَقَّ إِلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الْأَمَانَةُ، وَالْحُكْمُ بِالْحَقِّ عِبَارَةٌ عَمَّا إِذَا وَجَبَ لِإِنْسَانٍ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ فَأَمَرْتَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْحَقُّ بِأَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى مَنْ لَهُ ذَلِكَ الْحَقُّ، وَلَمَّا كَانَ التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ أَنْ يَبْدَأَ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِغَيْرِهِ، لَا جَرَمَ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْأَمْرَ بِالْأَمَانَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ بَعْدَهُ ذَكَرَ الْأَمْرَ بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، فَمَا أَحْسَنَ هَذَا التَّرْتِيبَ، لِأَنَّ أَكْثَرَ لَطَائِفِ الْقُرْآنِ مُودَعَةٌ فِي التَّرْتِيبَاتِ وَالرَّوَابِطِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ حَاكِمًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْعَدْلِ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّ اللَّه يَأْمُرُكُمْ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النَّحْلِ: ٩٠] وَقَالَ: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى
[الْأَنْعَامِ: ١٥٢] وقال:
يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص: ٢٦]
وَعَنْ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا إِذَا قَالَتْ صَدَقَتْ وَإِذَا حَكَمَتْ عَدَلَتْ وَإِذَا اسْتَرْحَمَتْ رَحِمَتْ»
وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنَّ اللَّه أَخَذَ عَلَى الْحُكَّامِ ثَلَاثًا: أَنْ لَا يَتَّبِعُوا الْهَوَى، وَأَنْ يَخْشَوْهُ وَلَا يَخْشَوُا النَّاسَ، وَلَا يَشْتَرُوا بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قليلا. ثم قرأ يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى [ص: ٢٦] وَقَرَأَ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها

صفحة رقم 110

هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ
إِلَى قَوْلِهِ: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [المائدة: ٤٤] وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَدْلِ الْآيَاتُ الْوَارِدَةُ فِي مَذَمَّةِ الظُّلْمِ قَالَ تَعَالَى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصَّافَّاتِ: ٢٢]
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الظَّلَمَةُ وَأَيْنَ أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ، فَيُجْمَعُونَ كُلُّهُمْ حَتَّى مَنْ بَرَى لهم قلما أو لا ق لَهُمْ دَوَاةً فَيُجْمَعُونَ وَيُلْقَوْنَ فِي النَّارِ»
وَقَالَ أَيْضًا: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٢] وَقَالَ: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النَّمْلِ: ٥٢].
فَإِنْ قِيلَ: الْغَرَضُ مِنَ الظُّلْمِ مَنْفَعَةُ الدُّنْيَا.
فَأَجَابَ اللَّه عَنِ السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ: لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ [الْقَصَصِ: ٥٨].
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَالْجُلُوسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِمَاعِ مِنْهُمَا، وَالْحُكْمِ عَلَيْهِمَا قَالَ: وَالْمَأْخُوذُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَفْعَالِ دُونَ الْقَلْبِ، فَإِنْ كَانَ يَمِيلُ قَلْبُهُ إِلَى أَحَدِهِمَا وَيُحِبُّ أَنْ يَغْلِبَ بِحُجَّتِهِ عَلَى الْآخَرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُلَقِّنَ وَاحِدًا مِنْهُمَا حُجَّتَهُ، وَلَا شَاهِدًا شَهَادَتَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَلَا يُلَقِّنُ الْمُدَّعِي الدَّعْوَى وَالِاسْتِحْلَافَ، وَلَا يُلَقِّنُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْإِنْكَارَ وَالْإِقْرَارَ، وَلَا يُلَقِّنُ الشُّهُودَ أَنْ يَشْهَدُوا أَوْ لَا يَشْهَدُوا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَضِيفَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْسِرُ قَلْبَ الْآخَرِ، وَلَا يُجِيبُ هُوَ إِلَى ضِيَافَةِ أَحَدِهِمَا، وَلَا إِلَى ضِيَافَتِهِمَا مَا دَامَا مُتَخَاصِمَيْنِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَضِيفُ الْخَصْمَ إِلَّا وَخَصْمُهُ مَعَهُ.
وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِيهِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَحَاصِلُ الْأَمْرِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الْحَاكِمِ بِحُكْمِهِ إِيصَالَ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَأَنْ لَا يَمْتَزِجَ ذَلِكَ بِغَرَضٍ آخَرَ، وَذَلِكَ هُوَ المراد بقوله تَعَالَى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ كَالتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِجَمِيعِ النَّاسِ أَنْ يَشْرَعُوا فِي الْحُكْمِ، بَلْ ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ، ثُمَّ بَقِيَتِ الْآيَةُ مُجْمَلَةً فِي أَنَّهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ يَصِيرُ حَاكِمًا وَلَمَّا دَلَّتْ سَائِرُ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْأُمَّةِ مِنَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُنَصِّبُ الْقُضَاةَ وَالْوُلَاةَ فِي الْبِلَادِ، صَارَتْ تِلْكَ الدَّلَائِلُ كَالْبَيَانِ لِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْإِجْمَالِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أَيْ نِعْمَ شَيْءٌ يَعِظُكُمْ بِهِ، أَوْ نِعْمَ الَّذِي يَعِظُكُمْ بِهِ، وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أَيْ نِعْمَ شَيْءٌ يَعِظُكُمْ بِهِ ذَاكَ، وَهُوَ المأمور به مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ وَالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً أي اعلموا بِأَمْرِ اللَّه وَوَعْظِهِ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ يُجَازِيكُمْ عَلَى مَا يَصْدُرُ مِنْكُمْ، وَفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ بِالْحُكْمِ عَلَى سَبِيلِ الْعَدْلِ وَبِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً أَيْ إِذَا حَكَمْتَ بِالْعَدْلِ فَهُوَ سُمَيْعٌ لِكُلِّ الْمَسْمُوعَاتِ يَسْمَعُ ذَلِكَ الْحُكْمَ، وَإِنْ أَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ فَهُوَ بَصِيرٌ لِكُلِّ الْمُبْصَرَاتِ يُبْصِرُ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا أَعْظَمُ أَسْبَابِ الْوَعْدِ لِلْمُطِيعِ، وَأَعْظَمُ أَسْبَابِ الْوَعِيدِ لِلْعَاصِي، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ
بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «اعْبُدِ اللَّه كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»
وَفِيهِ دقيقة أخرى، وهي أن كُلَّمَا كَانَ احْتِيَاجُ الْعَبْدِ أَشَدَّ كَانَتْ عِنَايَةُ اللَّه أَكْمَلَ، وَالْقُضَاةُ وَالْوُلَاةُ قَدْ فَوَّضَ اللَّه إِلَى أَحْكَامِهِمْ مَصَالِحَ الْعِبَادِ، فَكَانَ الِاهْتِمَامُ بِحُكْمِهِمْ وَقَضَائِهِمْ أَشَدَّ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ

صفحة رقم 111

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية