ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

فالحق سبحانه وتعالى بعدما تكلم عن النار وعن الجنة وجعل هذا الأمر مستقرا في بؤرة شعورهم ينزل الأحكام بعد ذلك، ولذلك تجد دائما بعد أن يذكر سبحانه الجنة والنار يأتي بعدها بأمهات الأحكام التي إذا نفذوها نالوا الجنة وابتعدوا عن النار. فبعدما شحنت بؤرة الشعور بالجنة والنار بالغاية المنفردة والغاية المرغبة، هنا يأتي الحكم، فيقول الله تعالى :
إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ٥٨ .
وقوله سبحانه : أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، أوجز الله فيها كل تكاليف السماء لأهل الأرض، لأن الأمانات هي : الأمانة العليا وهي الإيمان بالله، والأمانة التي تتعلق ببنى الجنس، والأمانة التي على النفس لكل الأجناس.
ومعنى الأمانة هو : ما يكون لغيرك عندك من حقوق وأنت أمين عليها، إن شئت فعلتها، وإن شئت لم تفعلها، أنت تقول : أنا أودعت عند فلان أمانة، هذه الأمانة لو كانت بإيصال لما كانت أمانة ؛ لأن هناك دليلا، ولو كان ما أودعته عند ذلك الإنسان عليه شهود لا تكون أمانة. فالأمانة : أن تودع عنده شيئا، وضميره هو الحكم، إن شاء أقر بما عنده لك حين تطلبه، وإن شاء لم يقر به، قال الحق :
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ٧٢ ( سورة الأحزاب ).
فما هي الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبت أن تحملها ثم حملها الإنسان، وعلة تحمله لها أنه كان ظلوما جهولا ؟ إن الكون كما نعلم فيه أجناس، أدناها الجماد، وأوسطها النبات، وأعلى من الأوسط الحيوان ثم الإنسان، والإنسان هو سيد هذه الأجناس، لأنها تخدمه جميعها، لكن الجماد والنبات والحيوان لا اختيار لأي منها في أن يفعل أو لا يفعل، وإنما كل جنس منها قد خلق لشيء ليؤديه، ولا اختيار له في أن يمتنع عن الأداء.
الأرض والسماوات والجبال لم تقبل أن تكون مختارة أو أن تحمل أمانة وتكون المسألة فيها راجعة إلى اختيارها إن شاءت فعلت وإن شاءت لم تفعل. وأشفقت الأرض والسماوات والجبال من حمل الأمانة لعدم الثقة بحالة النفس وقت أداء الأمانة. فيجوز أن يعقد الكائن العزم عند تحمل الأمانة أن يؤديها، ولكن عند أدائها لا يملك نفسه، فربما خانته نفسه وجعلته لا يقر بها. لقد احتاطت السماوات والأرض والجبال وقالوا : لا نريد هذه الأمانة ولا نريد أن نكون مختارين بين أن نفعل أو نترك، نطيع أو نعصي، وإنما يارب نريد أن نكون مسخرين لما تحب دون اختيار لنا. فسلمت الأرض والسماوات والجبال، لكن الإنسان بما فيه من فكر يرجح الاختيار بين البديلات قال : أنا أقبلها وإن فكري سيخطط لأدائها. ولم يلتفت الإنسان ساعة تحمله الأمانة إلى حالة أدائه لها.
ومثال ذلك : من الجائز أن يعرض عليك إنسان مبلغا من المال كأمانة عندك، فأخذته وأنت واثق أنك ستؤديه حين يطلبه منك، ولكنك ساعة الأداء قد لا تملك نفسك، فقد تمر بك ظروف فتصرف شيئا من المال، أو أن تكون والعياذ بالله قد خربت ذمتك.
إذن فالإنسان لا يملك نفسه وقت الأداء وإن ملك نفسه وقت الأخذ، فالذين يحتاطون يقولون : أبعد عنا تحمل الأمانة، فلا نريد أن نحمل لك شيئا ولكن الإنسان قبل تحمل الأمانة ؛ لأنه " كان ظلوما جهولا " ظلم نفسه وجهل بحالته وقت الأداء، إذن فالأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان هي أمانة الاختيار التي يترتب عليها التكليف من الله.
إن التكليف محصور في " افعل " و " لا تفعل "، فإن شئت فعلت في " افعل "، وإن شئت لم تفعل في " لا تفعل ". وإن شئت العكس، ومعنى ذلك أن الأمانة في هذا المعنى مقصورة على ما طلبه الله من الإنسان وقت العرض. لكنها لم تتعرض للأمانات التي توجد بيننا، والأمانة كذلك هي ما يتعلق بذمتك بحق غيرك ؛ لذلك فحين يعطي إنسان إنسانا شيئا يصير الآخذ مؤتمنا فإن شاء أدى وإن شاء لم يؤد.
لكن هناك أمانات أخرى لم يعطها إنسان لإنسان، وإنما أعطاها رب الإنسان لكل إنسان، فالعلم الذي أعطاه الله للناس أمانة. فهل الذي علمك علما وأعطاه لك وبعد ذلك قال لك : أده لي، كمثل من يكون مأمونا على مال ؟.
نقول للعالم : العلم ليس من عندك حتى تعطيه لغيرك وبعد ذلك يرده لك ولكن الله يجازيك عليه ثوابا وكذلك في الحلم والشجاعة، ولا تتضح هذه المسائل بين العبد والعبد إلا في المال، لكن في بقية الأشياء ؛ نقول لك : أنت أمين عليها أمام خالقك، وقد أمنك ربنا على هذه الأشياء كي تؤديها إلى من لا يعلم، فأمنك على قدرة وأمرك : أعطها لمن لا يقدر، وأمنك على علم وأوضح لك : أعطه لمن لا علم له..
إذن فمن الذي أعطاك هذه الأمانة ؟ الله. فليس ضروريا أن تكون الأمانة من صاحبها الذي أعطاها لك لتردها إليه، فالأمانة : ما تصير مأمونا عليه ممن خلق أو من مخلوق، فأدها، والأمانة بهذا المعنى أمرها واسع، فاستحقاق الله للتوحيد أمانة عندك، أهليتك للتكليف من الله حين كلفك أمانة عندك، وأهليتك في المواهب المختلفة أمانة عندك، فكل إنسان عنده موهبة هو أمين عليها ولابد أن يؤديها وينقل آثارها لمن لا توجد عنده هذه الموهبة. فربنا أعطى رابعا علما. كل هذه الأشياء أمانات أودعها الله في خلقه ليتكامل الخلق، فحين يؤدي كل إنسان أمانته لكل إنسان يصبح كل إنسان عنده مواهب كل الآخرين.
والحق سبحانه وتعالى حينما يقول : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها نتذكر على الفور قمة الأمانة أن تعبده ولا تشرك به أحدا، والأمانة في التكاليف التي كلفك الله بها ؛ لأنها أمانة لغيرك عندك، وأمانة عندك لغيرك. فحين يكلفك الله بألا تسرق، يكون قد كلف الناس كلهم ألا يسرقوك.
إن كل أمانة عند غيرك تقابلها أمانة عندك، فإن أديت مطلوبات الأمانة عندك أدى المجتمع الذي يحيط بك الأمانة التي عنده، وهكذا تكون الأمانة هي : أداء حق في ذمتك لغيرك.
وقوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها قيل نزلت في عثمان ابن طلحة ابن أبي طلحة وكان سادن خادم الكعبة وحين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح، وأبى ان يدفع المفتاح إليه وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يده وأخذه منه وفتح ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية فأمر أن يرده إلى عثمان رضي الله عنه ويعتذر له فقال عثمان لعلي، أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال لقد أنزل الله فيك قرآنا وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان وهبط جبريل وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السجانة في أولاد عثمان أبدا.
وهذا ويقابل الأمانة شيء بعد ذلك اسمه العدل، فلو أدى كل واحد ما لغيره عنده من حق لما احتجنا إلى عدل، فالعدل إنما ينشأ من خصومة وتقاض، والتقاضي معناه : أن واحدا أنكر حق غيره. فلو أدى كل واحد منا ما في ذمته من حق لغيره لما وجد تقاض، ولما وجدت خصومة فلا ضرورة إلى العدل حينئذ.
ولكن الحق الذي خلق الخلق وعلم الأغيار فيهم قدر أن بعض الناس يغفل عن هذه القضية وينشأ منها أن الإنسان قد لا يعطي الحق الذي في ذمته لغيره، فقضى سبحانه بشيء آخر اسمه " العدل ". ولو أن المسألة الأولى انتهت لما احتجنا للعدل.
إذن فالعدل هو علاج للغفلة التي تصيب البشر من الأغيار التي تطرأ على نفوسهم، فشاء الله أن يقول : وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ، في الأولى لم يقل : إذا أئتمنتم فأدوا، لا. بل قال : إن الله يأمركم أن تؤدوا . فإذا حدثت منكم غفلة عن هذه فما الذي يحمي هذه المسألة ؟ هنا يأتي العدل وهو أن تقضي بحق في ذمة غيرك لغيره، أي في ذمتك أنت ؛ لأنك تحكم كي ترجح مسألة وتضع الأمر في نصابه.
وبذلك نعرف أن مطلوبات أداء الأمانة تكون في شيء عندك تؤديه لغيرك، لكن مطلوبات العدل : تكون في أشياء في ذمة غيرك لغيرك. ولذلك قال الحق : وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ، وكما أن آية أداء الأمانة عامة، كان لابد أن تكون آية العدل عامة أيضا.
إن قوله تعالى : وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ليست خاصة للحاكم فقط، بل إن كل إنسان مطالب بالعدل، فلو كنت محكما من طرف قوم ورضوا بك أن تحكم فاحكم بالعدل حتى ولو كان الحكم في الأمور التي يتعلق بها التكريم والشرف والموهبة ؛ فليس ضروريا أن يكون الحكم بالعدل في أمر له قيمة مادية، مثلا : سيدنا الإمام على رضوان الله عليه وكرم الله وجهه يرى غلامين يتحاكمان إلى ابنه الحسن ؛ ليحكم بينهما أي الخطين أجمل من الآخر، وهذه مسالة قد ينظر لها الناس على أنها مسالة تافهة لكنها مادامت شغلت الطفلين وأراد كل واحد منهما أن يكون خطه أجمل، فلابد أن يكون الحكم بالعدل. فقال الإمام علي لابنه الحسن : يا بني انظر كيف تقضي، فإن هذا حكم والله سائلك عنه يوم القيامة.
إن هذا يعطينا صورة في دقة العدل حتى ولو كان الأمر صغيرا. وفي مباريات كرة القدم تجد الحكم الذي يقول هذه اللعبة تحتسب هدفا أولا تحتسب، هذا الحكم يحتاج إلى مهارة لأنه سيترتب عليها فوز فريق أو هزيمته، بدليل أنك حتى وأنت تراقب الكرة ثم وجدت الحكم لم يحتسب خطا تثور عليه.
وهنا أتساءل : لماذا طبقتم قانون الجد في اللعب، ثم تركتم الجد بدون قانون ؟ وهذا ما يحدث. نحن ننقل قوانين الجد إلى اللعب، ونترك الجد في بعض الأحيان بدون قانون، ولو اعتنينا بهذه كما اعتنينا بتلك. لتساوت الأمور، فالعدل إذن هو حق في ذمة غير لغير حتى ولو كانت مباراة في اللعب، ومادام الأمر قد شغل طرفين، وجعل بينهما نزاعا وخلافا وتسابقا فعليك أن تنهي هذا الخلاف بالعدل.
ويتابع الحق : إن الله نعما يعظكم به و " نعما " يعني نعم ما يعظكم به الله، أي لا يوجد أفضل من هذه العظة التي هي : أداء الأمانة والحكم بالعدل، فبهذا تستقيم حركة الحياة. فإذا أدى الناس الأمانة فلا نزاع ولا خلاف، وإذا أدوا عدالة الحكم فإن كان هناك خلاف ينتهي. وقال العلماء : إذا علم المجتمع أن عدلا يحرس حقوق الناس عند الناس فلن يجري ذلك ظالما على أن يظلم بعد ذلك، فيقول الظالم : فلان ظلم ولم يحاكم، فيغري ذلك الظالم أن يزيد في ظلمه، لكن ساعة يرى الناس أحدا يأخذ حق غيره ثم جاء الحاكم فردعه، ورد الحق لصاحبه فلن يظلم أحد أحدا.
وسبحانه في أمره هذا لا حاجة له في أن تفعلوا أولا تفعلوا، فهي أشياء لا تؤثر عنده في شيء، إنما هي في مصالحكم أنتم بعضكم مع بعض، وأحسن ألوان الأمر هو ما لا يعود على الآمر بفائدة، لأن الأمر إذا ما كان فيه عود بالفائدة على الآمر قد يشكك في الأمر. لكن أن تأمر بأمر ليس لك فيه فائدة فهذا قمة العدل. وقد يوجد إنسان يأمر بما لا فائدة له فيه، لكنه قد لا يكون واسع العلم ولا واسع الحكمة، والأمر هنا يختلف لأن الله سبحانه وتعالى ليس له مصلحة في الأمر، هذه واحدة، وأيضا فهو سبحانه واسع العلم والحكمة ؛ لذلك كانت

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير