السَّبَبَ الْخَاصَّ لَا يُخَصِّصُ عُمُومَ الْخِطَابِ، قَالَ فِي لُبَابِ النُّقُولِ: أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَكَّةَ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ: أَرِنِي الْمِفْتَاحَ ـ أَيْ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ ـ فَلَمَّا بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهِ قَامَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي اجْمَعْهُ لِي مَعَ السِّقَايَةِ فَكَفَّ عُثْمَانُ يَدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: هَاتِ الْمِفْتَاحَ يَا عُثْمَانُ، فَقَالَ: هَاكَ أَمَانَةَ اللهِ، فَقَامَ فَفَتَحَ الْكَعْبَةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِرَدِّ الْمِفْتَاحِ، فَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ فَأَعْطَاهُ
الْمِفْتَاحَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ.
وَأَخْرَجَ شُعْبَةُ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، أَخَذَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ، فَدَخَلَ بِهِ الْبَيْتَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ، فَدَعَا عُثْمَانَ فَنَاوَلَهُ الْمِفْتَاحَ "، قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: " مَا سَمِعْتُهُ يَتْلُوهَا قَبْلَ ذَلِكَ "، قُلْتُ: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ اهـ.
أَقُولُ: بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَلَاهَا يَوْمَئِذٍ اسْتِشْهَادًا، وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ عُمَرُ أَنَّهُ سَمِعَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ وَصَحَّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ ذَلِكَ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ ذُهِلَ عِنْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَمَّا وَرَدَ فِي ذِكْرِ مَوْتِهِ حَتَّى قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ (٣: ١٤٤)، الْآيَةَ فَتَذَكَّرَ، وَذُهِلَ عَنْ آيَةِ: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا (٤: ٢٠)، حَتَّى ذَكَّرَتْهُ بِهَا الْمَرْأَةُ الَّتِي رَاجَعَتْهُ فِي مَسْأَلَةِ تَحْدِيدِ الْمُهُورِ ـ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ـ وَكُلُّ أَحَدٍ عُرْضَةٌ لِلنِّسْيَانِ وَالذُّهُولِ، وَالرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا تَصِحُّ وَإِنِ اعْتَمَدَهَا الْجَلَالُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ أَنَّ الْمُحَدِّثِينَ قَالُوا: إِنَّ أَوْهَى طُرُقِ التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هِيَ طَرِيقُ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالُوا: فَإِنِ انْضَمَّ إِلَيْهَا مَرْوَانُ الصَّغِيرُ فَهِيَ سِلْسِلَةُ الْكَذِبِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ شُعْبَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ فَإِنْ كَانَ حَجَّاجٌ هَذَا هُوَ الْمِصِّيصِيَّ الْأَعْوَرَ فَقَدْ كَانَ ثِقَةً وَلَكِنَّهُ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ رَوَى عَنْ شُعْبَةَ، وَابْنِ جُرَيْجٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّ شُعْبَةَ رَوَى عَنْهُ وَلَكِنَّ شُعْبَةَ رَوَى عَنْ حَجَّاجٍ الْأَسْلَمِيِّ وَهُوَ مَجْهُولٌ كَمَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ.
وَفِي الرِّوَايَتَيْنِ بَحْثٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَيْضًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَوْلَى بِمِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَمِنْ كُلِّ أَحَدٍ، فَلَوْ أَعْطَاهُ لِلْعَبَّاسِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا إِلَّا مَا لَهُ الْحَقُّ فِيهِ، وَمَنْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ يَكُونُ هُوَ أَهْلَهُ وَأَحَقَّ بِهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (٣٣: ٦)، بَلْ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَوْ كَانَ الْمِفْتَاحُ مِفْتَاحَ بَيْتِ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ نَفْسِهِ وَنَزَعَ مِلْكَهُ مِنْهُ وَأَعْطَاهُ آخَرَ، بَلِ الْحُكَّامُ الْآنَ فِي جَمِيعِ الْمَمَالِكِ يَنْزِعُونَ مِلْكَ مَنْ يَرَوْنَ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ فِي نَزْعِ مِلْكِهِ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُمْ يُعْطُونَهُ ثَمَنَهُ شَاءَ أَمْ أَبَى.
الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: بَعْدَ مَا بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لَنَا مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا بَيَّنَهُ ـ حَتَّى تَفْضِيلَهُمُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْهِدَايَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَبِجَمِيعِ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ـ أَدَّبَنَا بِهَذَا الْأَدَبِ الْعَالِي، وَأَمَرَنَا بِالْأَمَانَةِ الْعَامَّةِ، وَهِيَ الِاعْتِرَافُ بِالْحَقِّ سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ حِسِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا فَالْكَلَامُ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ بِمُنَاسَبَةٍ قَوِيَّةٍ تَجْعَلُ السِّيَاقَ كَعِقْدٍ مِنَ الْجَوْهَرِ مُتَنَاسِبِ اللَّآلِئِ، فَسَوَاءٌ صَحَّ مَا ذُكِرَ مِنْ حِكَايَةِ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ أَوْ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنَّ صِحَّتَهُ لَا تَضُرُّ بِالْتِئَامِ السِّيَاقِ وَلَا بِعُمُومِ الْحُكْمِ، إِذِ السَّبَبُ الْخَاصُّ لَا يُنَافِي عُمُومَ الْحُكْمِ.
وَالْأَمَانَةُ حَقٌّ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، وَيُودَعُهُ لِأَجْلِ أَنْ يُوَصِّلَهُ إِلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ كَالْمَالِ وَالْعِلْمِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُودَعُ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْحَقُّ قَدْ تَعَاقَدَ مَعَ الْمُودِعِ عَلَى ذَلِكَ بِعَقْدٍ قَوْلِيٍّ خَاصٍّ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُوَدَعِ عِنْدَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ كَذَا إِلَى فُلَانٍ مَثَلًا، أَمْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ التَّعَامُلُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ هُوَ بِمَثَابَةِ مَا يَتَعَاقَدُ عَلَيْهِ الْأَفْرَادُ فِي الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ، فَالَّذِي يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ قَدْ أُودِعَ أَمَانَةً وَأُخِذَ عَلَيْهِ الْعَهْدُ بِالتَّعَامُلِ وَالْعُرْفِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ هَذِهِ الْأَمَانَةَ وَيُفِيدَ النَّاسَ وَيُرْشِدَهُمْ بِهَذَا الْعِلْمِ، وَقَدْ أَخَذَ اللهُ الْعَهْدَ الْعَامَّ عَلَى النَّاسِ بِهَذَا التَّعَامُلِ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَهُمْ شَرْعًا وَعُرْفًا بِنَصِّ قَوْلِهِ: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لِتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ (٣: ١٨٧)، وَلِذَلِكَ عُدَّ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ خَائِنِينَ بِكِتْمَانِ صِفَاتِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَيَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُؤَدِّيَ أَمَانَةَ الْعِلْمِ إِلَى النَّاسِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَوْدَعَ الْمَالَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَيَتَوَقَّفَ أَدَاءُ أَمَانَةِ الْعِلْمِ عَلَى تَعَرُّفِ الطُّرُقِ الَّتِي تُوَصِّلُ إِلَى ذَلِكَ، فَيَجِبُ أَنْ تُعْرَفَ هَذِهِ الطُّرُقُ لِأَجْلِ السَّيْرِ فِيهَا، وَإِعْرَاضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ مَعْرِفَةِ الطُّرُقِ الَّتِي تَتَأَدَّى بِهَا هَذِهِ الْأَمَانَةُ بِالْفِعْلِ هُوَ ابْتِعَادٌ عَنِ الْوَاجِبِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ، وَإِخْفَاءُ الْحَقِّ بِإِخْفَاءِ وَسَائِلِهِ هُوَ عَيْنُ الْإِضَاعَةِ لِلْحَقِّ، فَإِذَا رَأَيْنَا الْجَهْلَ بِالْحَقِّ وَالْخَيْرِ فَاشِيًا بَيْنَ النَّاسِ وَاسْتُبْدِلَتْ بِهِ الشُّرُوعُ وَالْبِدَعُ، وَرَأَيْنَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يُعَلِّمُوهُمْ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ فَيُمْكِنُنَا أَنْ نَجْزِمَ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءَ لَا يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ، وَهِيَ مَا اسْتُحْفِظُوا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَلَا عُذْرَ لَهُمْ فِي تَرْكِ اسْتِبَانَةِ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَى ذَلِكَ بِسُهُولَةٍ وَقُرْبٍ، فَهُمْ خَوَنَةُ النَّاسِ وَلَيْسُوا بِالْأُمَنَاءِ.
أَقُولُ: يَعْنِي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يَعْرِفُوا الطُّرُقَ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى
إِيصَالِ الْعِلْمِ إِلَى النَّاسِ وَقَبُولِهِ، وَهَذِهِ الطُّرُقُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ كَمَا تَخْتَلِفُ الطُّرُقُ الَّتِي تُؤَدَّى بِهَا أَمَانَةُ الْمَالِ، فَفِي هَذَا الْعَصْرِ تُؤَدَّى الْأَمْوَالُ إِلَى أَصْحَابِهَا بِطُرُقٍ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً فِي الْعُصُورِ السَّابِقَةِ، مِنْهَا التَّحْوِيلُ عَلَى مَصْلَحَةِ الْبَرِيدِ، وَمِنْهَا الْمَصَارِفُ وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ تُوجَدُ طُرُقٌ لِنَشْرِ الْعِلْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَسْهَلُ مِنَ الطُّرُقِ السَّابِقَةِ، فَمَنْ أَبَى سُلُوكَهَا لَا يُعْذَرُ بِعَدَمِ تَأْدِيَتِهِ لِأَمَانَةِ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَتَصَدَّى لِتَعْلِيمِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ إِذَا سُئِلَ، وَرُبَّمَا قَيَّدُوا هَذَا بِمَا إِذَا فُقِدَ
مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْإِفْتَاءِ، وَإِنَّمَا قَالَ مِثْلَ هَذَا مَنْ قَالَهُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَاصَّةِ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا عِنْدَ وُقُوعِ الْوَقَائِعِ، فَأَمَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهُ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْوَاجِبَاتِ وَأَحْكَامِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ فِيهِ هَذَا الشَّرْطَ ; وَلِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِالِاسْتِفْتَاءِ، وَالْمَجْهُولُ لَا تَتَوَجَّهُ النُّفُوسُ إِلَى السُّؤَالِ عَنْهُ، أَفَيُتْرَكُ الْجَاهِلُونَ بِالسُّنَنِ الْعَامِلُونَ بِالْبِدَعِ حَتَّى يَطْرُقُوا أَبْوَابَ الْعُلَمَاءِ فِي بُيُوتِهِمْ أَوْ مَدَارِسِهِمْ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ؟ !
وَلَا يَخْرُجُ عُلَمَاءُ الدِّينِ مِنْ تَبِعَةِ الْكِتْمَانِ وَالْخِيَانَةِ فِي أَمَانَةِ اللهِ بِتَصَدِّيهِمْ لِتَدْرِيسِ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْعَقَائِدِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ لَا تَفْهَمُهَا الْعَامَّةُ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا مَعْرِفَتُهَا ; لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِلْمُنْقَطِعِينَ لِلْعِلْمِ يَسْتَعِينُونَ بِهَا عَلَى الْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا كُلُّ النَّاسِ دَائِمًا، وَمِنْهَا مَا تَمُرُّ الْأَعْصَارُ وَلَا يَقَعُ، بَلْ مِنْهَا مَا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ، فَيَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يَتَصَدَّوْا لِتَعْلِيمِ الْجُمْهُورِ مَا لَا يَسَعُ أَحَدًا مِنْهُمْ جَهْلُهُ وَأَنْ يَأْمُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ أَقْرَبِ الطُّرُقِ وَأَسْهَلِهَا، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ وَالِاخْتِبَارِ، وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّاعِرِ الَّذِي قَالَ:
لَوْ صَحَّ مِنْكَ الْهَوَى أُرْشِدْتَ لِلْحِيَلِ
وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا: وَكَذَلِكَ أَمَرَ اللهُ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْعَدْلِ، وَالْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ لَهُ طُرُقٌ: مِنْهَا الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ وَالْقَضَاءُ، وَمِنْهَا تَحْكِيمُ الْمُتَخَاصِمِينَ لِشَخْصٍ فِي قَضِيَّةٍ خَاصَّةٍ، فَكُلُّ
مَنْ يَحْكُمُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِالْعَدْلِ فِي آيَاتٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ (١٦: ٩٠)، الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (٥: ٨)، وَقَوْلُهُ: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ (٤: ١٣٥)، وَنَهَى عَنِ الظُّلْمِ وَأَوْعَدَ عَلَيْهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَنَا حَدَّ الْعَدْلِ وَلَا تَفْسِيرَهُ وَلَمْ يَرِدْ فِي السُّنَّةِ تَفْسِيرٌ لَهُ أَيْضًا، وَالْعَدْلُ وَقْفٌ عَلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمَ الْحَاكِمُ الْحُكْمَ الَّذِي شَرَعَهُ اللهُ لِيَكُونَ الْفَصْلُ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (٥: ١)، فَهُوَ يُوجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُوَفِّيَ بِمَا نَتَعَاقَدُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (٢: ١٨٨)، الْآيَةَ، وَهُوَ قَدْ حَرَّمَ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ وَرِشْوَةَ الْحُكَّامِ، وَكَذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ مِنْ أَحْكَامِهِ وَقَضَائِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ تَطْبِيقُ أَحْكَامِهِ عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ يَكُونُ التَّطْبِيقُ ظَاهِرًا، وَقَدْ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى قِيَاسٍ وَاسْتِنْبَاطٍ وَإِجْهَادٍ لِلْفِكْرِ، فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعَدْلِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ وَإِنَّمَا يُذْكَرُ لِتَنْبِيهِ النَّاسِ وَتَذْكِيرِهِمْ.
وَالرُّكْنُ الثَّانِي لِلْعَدْلِ - هَكَذَا عَبَّرَ تَارَةً بِالنَّوْعِ وَتَارَةً بِالرُّكْنِ - يَتَأَلَّفُ مِنْ أَمْرَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) : فَهْمُ الدَّعْوَى مِنَ الْمُدَّعِي وَالْجَوَابِ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِيَعْرِفَ مَوْضِعَ مَا بِهِ التَّنَازُعُ
وَالتَّخَاصُمُ بِأَدِلَّتِهِ مِنَ الْخَصْمَيْنِ.
(ثَانِيهِمَا) : اسْتِقَامَةُ الْحَاكِمِ وَخُلُوُّهُ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَمِنَ الْهَوَى بِأَنْ يَكْرَهُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمِيلُ إِلَى الْآخَرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْرُوفٌ لِلنَّاسِ أَيْضًا، فَكُلٌّ مِنْ رُكْنَيِ الْعَدْلِ مَعْرُوفٌ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ اللهُ الْعَدْلَ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ ; لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِنَفْسِهِ كَالنُّورِ.
وَلَكَ ـ وَقَدْ فَهِمْتَ مَا قُلْنَاهُ ـ أَنْ نَقُولَ: الْعَدْلُ عِبَارَةٌ عَنْ إِيصَالِ الْحَقِّ إِلَى صَاحِبِهِ مِنْ أَقْرَبِ الطُّرُقِ إِلَيْهِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلَّا بِإِقَامَةِ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيَّنَّاهُمَا فَكُلُّ مَا خَرَجَ عَنْهُمَا فَهُوَ ظُلْمٌ، فَإِذَا أَخَّرَ الْقَاضِي النَّظَرَ فِي الْقَضِيَّةِ اتِّبَاعًا لِرُسُومٍ وَعَادَاتٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا إِقَامَةُ الْعَدْلِ، أَوْ لَمْ يَقْبَلِ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُؤَدَّ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ، وَإِنْ تَبَيَّنَ بِهَا الْحَقُّ الْمُرَادُ، أَوْ أَخَّرَ الْحُكْمَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُحَاكَمَةِ، وَاسْتِيفَاءِ أَسْبَابِهَا هَلْ يَكُونُ مُقِيمًا لِلْعَدْلِ؟ (قالَ الْأُسْتَاذُ: هَذَا فِي الدَّرْسِ فَضَجَّ الْحَاضِرُونَ بِقَوْلِ: لَا لَا) إِذَا عَلِمْنَا هَذَا وَتَأَمَّلْنَا فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَجْرِي عِنْدَنَا الْيَوْمَ فَهَلْ نَرَاهَا جَارِيَةً عَلَى أُصُولِ الْعَدْلِ (قَالُوا: لَا لَا).
نَجِدُ مَحَاكِمَنَا الشَّرْعِيَّةَ تَشْتَرِطُ فِي تَوْجِيهِ الدَّعْوَى، وَفِي شَهَادَةِ الشُّهُودِ شُرُوطًا
وَأَلْفَاظًا مُعَيَّنَةً كَلَفْظِ: أَشْهَدُ، وَلَفْظِ هَذَا أَوِ الْمَذْكُورِ وَتَبْيِينِ النَّقْدِ وَذِكْرِ الْبَلَدِ الَّذِي ضُرِبَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَفْهُومًا مِنَ الْكَلَامِ لَا يَخْتَلِفُ فِي فَهْمِهِ الْقَاضِي وَلَا الْخَصْمُ، فَهَذِهِ الِاصْطِلَاحَاتُ كَثِيرًا مَا تَحُولُ دُونَ الْعَدْلِ إِذْ تُرَدُّ الدَّعْوَى مِنْ أَصْلِهَا أَوِ الشَّهَادَةُ لِعَدَمِ مُوَافَقَتِهَا لِلْأَلْفَاظِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا وَإِنْ أَدَّتْ مَعْنَاهَا، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا يَحُولُ بَيْنَ النَّاسِ وَفَهْمِ الشَّرِيعَةِ يَكُونُ مِنْ أَسْبَابِ إِضَاعَةِ الْعَدْلِ، وَلَا عُذْرَ لِلنَّاسِ بِالْجَهْلِ إِذْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَهْمُ الشَّرِيعَةِ وَإِزَالَةُ كُلِّ مَا يَحُولُ دُونَ فَهْمِهَا مِنَ الِاصْطِلَاحَاتِ، وَلَوْ كُنَّا نُقِيمُ الْعَدْلَ لَمَا كُنَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنَ الضَّعْفِ وَسُوءِ الْحَالِ.
ثُمَّ قَالَ الْأُسْتَاذُ فِي دَرْسٍ آخَرَ: إِنَّهُ اطَّلَعَ بَعْدَ الدَّرْسِ الْأَوَّلِ ـ الَّذِي لَخَّصْنَاهُ بِمَا رَأَيْتَ ـ عَلَى كِتَابِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، فَإِذَا هُوَ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّهُ تَوَسَّعَ فِي ذِكْرِ أَنْوَاعِ الْأَمَانَةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللهُ فِي أَيْدِي الْحُكَّامِ، وَمِنْهَا أَلَّا يُوَلُّوا الْأُمُورَ إِلَّا خِيَارَ النَّاسِ الصَّالِحِينَ لَهَا، وَأَوْرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مِنْهَا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ ـ أَيْ بِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لَهُ ـ " إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرُوا السَّاعَةَ "، أَيْ: سَاعَةَ قِيَامَةِ الْأُمَّةِ وَهَلَاكِهَا ; لِأَنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ سَاعَةً، أَيْ: وَقْتًا تَهْلِكُ فِيهِ أَوْ يَذْهَبُ اسْتِقْلَالُهَا.
أَقُولُ: إِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ لَمْ يَتَجَلَّ تَمَامَ التَّجَلِّي فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ الْبَيَانِ وَنُفَصِّلُهُ فِي مَسَائِلَ.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي مَعْنَى الْأَمَانَةِ:
الْأَمَانَةُ مَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الْأَمْنِ وَهُوَ طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ، وَعَدَمُ الْخَوْفِ يُقَالُ: أَمِنْتُهُ ـ كَسَمِعْتُهُ ـ عَلَى الشَّيْءِ: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ (١٢: ٦٤)،
وَيُقَالُ: أَمِنَهَا بِكَذَا وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ (٣: ٧٥)، وَيُقَالُ: ائْتَمَنَ فُلَانًا، أَيْ: عَدَّهُ أَوِ اتَّخَذَهُ أَمِينًا، وَائْتَمَنَهُ عَلَى الشَّيْءِ كَأَمِنَهُ عَلَيْهِ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ (٢: ٢٨٣)، وَكُلُّ أَمَانَةٍ يَجِبُ حِفْظُهَا، وَمِنْهَا مَا يُحْفَظُ فَقَطْ كَالسِّرِّ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِحَدِيثٍ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهُوَ أَمَانَةٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبُو يُعْلَى فِي مَسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ، وَأَشَارَ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى صِحَّتِهِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الِائْتِمَانِ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَعُرْفٍ وَقَرِينَةٍ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَتَقَدَّمَ تَصْرِيحُ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ بِذَلِكَ، وَمِنْهَا، أَيِ ـ الْأَمَانَةِ ـ مَا يُحْفَظُ لِيُؤَدَّى إِلَى صَاحِبِهِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الَّذِي ائْتَمَنَكَ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ لِأَجْلِهِ، وَيُسَمَّى
مَا يَحْفَظُ الْأَمَانَةَ وَيُؤَدِّيهَا حَفِيظًا وَأَمِينًا وَوَفِيًّا، وَيُسَمَّى مَنْ لَا يَحْفَظُهَا أَوْ لَا يُؤَدِّيهَا خَائِنًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨: ٢٧)، فَمَنْ خَانَ عَالِمًا كَانَ مِنَ الْعُصَاةِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي مَعْنَى الْعَدْلِ:
الْعَدْلُ ـ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ ـ الْمِثْلُ، وَالْعَدِيلُ: الْمَثِيلُ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَغَيْرُهُ، قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: وَفُلَانٌ يَعْدِلُ فُلَانًا أَيْ يُسَاوِيهِ، وَيُقَالُ مَا يَعْدِلُكَ عِنْدَنَا شَيْءٌ، أَيْ: مَا يَقَعُ عِنْدَنَا شَيْءٌ مَوْقِعَكَ، وَعَدَلَ الْمَكَايِيلَ وَالْمَوَازِينَ سَوَّاهَا، وَعَدَلَ الشَّيْءَ يَعْدِلُهُ عَدْلًا وَعَادَلَهُ وَازَنَهُ، وَعَادَلْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَعَدَلْتُ فُلَانًا بِفُلَانٍ إِذَا سَوَّيْتُ بَيْنَهُمَا، وَتَعْدِيلُ الشَّيْءِ تَقْوِيمُهُ، وَقِيلَ: الْعَدْلُ تَقْوِيمُكَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ تَجْعَلُهُ لَهُ مِثْلًا، وَالْعَدْلُ وَالْعِدْلُ وَالْعَدِيلُ سَوَاءٌ، أَيِ: النَّظِيرُ وَالْمَثِيلُ، وَقِيلَ: هُوَ الْمِثْلُ وَلَيْسَ بِالنَّظِيرِ عَيْنِهِ، وَفِي التَّنْزِيلِ: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا (٥: ٩٥)، قَالَ مُهَلْهِلٌ:
| عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلًا مِنْ كُلَيْبٍ | إِذَا ظَهَرَتْ مُخَبَّأَةُ الْخُدُورِ |
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْأَوَّلِينَ هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي كَلَامِ الْمُعَاصِرِينَ فِي الْجَزِيرَةِ وَسُورِيَّةَ، وَغَيْرِهِمَا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْعَدْلَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ تَحَرِّي الْمُسَاوَاةِ وَالْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ بِأَلَّا يُرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ قَطُّ، بَلْ يَجْعَلُهُمَا سَوَاءً كَالْعَدْلَيْنِ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ أَوْ غَيْرِهِ، فَالْعَدْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْحُكْمَ بِمَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ ; فَإِنَّ هَذَا ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَكُلُّ مَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ مِنْ
ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِلْعَدْلِ، وَلَيْسَ هُوَ عَيْنَ الْعَدْلِ، بَلِ الْعَدْلُ يَكُونُ بِالْعَمَلِ بِهِ وَتَطْبِيقِهِ عَلَى الدَّعْوَى بِحَيْثُ يَصِلُ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ مُطْلَقًا فِي بَعْضِ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ قَبْلَ بَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَا كُلُّ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَتَعَامَلُ بِهَا النَّاسُ وَيَتَخَاصَمُونَ فِيهَا قَدْ بُيِّنَتْ أَحْكَامُهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَمَا بُيِّنَ فِيهِمَا كَانَ خَيْرَ عَوْنٍ عَلَى الْعَدْلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُمَا، وَمَا لَمْ يُبَيَّنْ يَجِبُ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ يَتَحَرَّوْا فِيهِ الْمُسَاوَاةَ بِقَدْرِ طَاقَتِهِمُ الَّتِي يَصِلُ إِلَيْهَا اجْتِهَادُهُمْ، وَسَيَأْتِي فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ بَيَانُ مَا يَجِبُ مِنَ اتِّبَاعِ أَحْكَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ فِيمَا حَكَمَا بِهِ، وَبَيَانُ مَا يَجِبُ فِيمَا لَمْ يَحْكُمَا بِهِ.
قَالَ الرَّازِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَالْجُلُوسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِمَاعِ مِنْهُمَا، وَالْحُكْمِ عَلَيْهِمَا، قَالَ: وَالْمَأْخُوذُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَفْعَالِ دُونَ الْقَلْبِ، فَإِنْ كَانَ يَمِيلُ قَلْبُهُ إِلَى أَحَدِهِمَا وَيُحِبُّ أَنْ يَغْلِبَ بِحُجَّتِهِ عَلَى الْآخَرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ.
قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُلَقِّنَ وَاحِدًا مِنْهُمَا حُجَّتَهُ وَلَا شَاهِدًا شَهَادَتَهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَلَا يُلَقِّنَ الْمُدَّعِيَ الدَّعْوَى وَالِاسْتِحْلَافَ، وَلَا يُلَقِّنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْإِنْكَارَ وَالْإِقْرَارَ، وَلَا يُلَقِّنَ الشُّهُودَ أَنْ يَشْهَدُوا أَوْ لَا يَشْهَدُوا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُضِيفَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْسِرُ قَلْبَ الْآخَرِ، وَلَا يُجِيبُ هُوَ إِلَى ضِيَافَةِ أَحَدِهِمَا وَلَا إِلَى ضِيَافَتِهِمَا مَا دَامَا مُتَخَاصِمَيْنِ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: كَانَ لَا يُضِيفُ الْخَصْمَ إِلَّا وَخَصْمُهُ مَعَهُ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِيهِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَحَاصِلُ الْأَمْرِ فِيهِ: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الْحَاكِمِ بِحُكْمِهِ إِيصَالَ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ وَأَلَّا يَمْتَزِجَ ذَلِكَ بِغَرَضٍ آخَرَ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (٤: ٥٨)، اهـ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْوَاعُ الْأَمَانَةِ:
الْأَمَانَةُ عَلَى أَنْوَاعٍ ; وَلِذَلِكَ جُمِعَتْ فِي الْآيَةِ وَفِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ (٨: ٢٧)، وَسُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمَعَارِجِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٢٣: ٨، ٧٠: ٣٢)، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ أَمَانَةَ الْعِلْمِ، وَأَمَانَةَ الْمَالِ، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ ثَلَاثًا:
(إِحْدَاهَا أَمَانَةُ الْعَبْدِ مَعَ الرَّبِّ) : وَهِيَ مَا عَهِدَ إِلَيْهِ حِفْظَهُ مِنَ الِائْتِمَارِ
بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ
عَمًّا نَهَاهُ عَنْهُ، وَاسْتِعْمَالُ مَشَاعِرِهِ وَجَوَارِحِهِ فِيمَا يَنْفَعُهُ وَيُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ، فَالْمَعَاصِي كُلُّهَا خِيَانَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَأْثُورِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
ثَانِيهَا: (أَمَانَةُ الْعَبْدِ مَعَ النَّاسِ) وَيَدْخُلُ فِيهَا رَدُّ الْوَدَائِعِ وَعَدَمُ الْغِشِّ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَحِفْظُ السِّرِّ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ لِآحَادِ النَّاسِ، وَلِلْحُكَّامِ، وَلِلْأَهْلِ وَالْأَقْرَبِينَ، قَالَ الرَّازِيُّ: وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ " عَدْلُ الْأُمَرَاءِ مَعَ رَعِيَّتِهِمْ، وَعَدْلُ الْعُلَمَاءِ مَعَ الْعَوَامِّ بِأَلَا يَحْمِلُوهُمْ عَلَى التَّعَصُّبَاتِ الْبَاطِلَةِ، بَلْ يُرْشِدُوهُمْ إِلَى اعْتِقَادَاتٍ وَأَعْمَالٍ تَنْفَعُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ "، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ الْعَامَّةَ مَسَائِلَ الْخِلَافِ الَّتِي تُثِيرُ التَّعَصُّبَ بَيْنَهُمْ، وَالَّذِينَ لَا يُعَلِّمُونَهُمْ مَا يَنْفَعُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ مِنْ أُمُورِ التَّرْبِيَةِ الْحَسَنَةِ وَكَسْبِ الْحَلَالِ، وَمَا يَنْفَعُهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْأَحْكَامِ الَّتِي تُقَوِّي إِيمَانَهُمْ وَتُنَفِّرُهُمْ مِنَ الشُّرُورِ وَتُرَغِّبُهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ، كُلُّ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْخَائِنِينَ لِلْأُمَّةِ، وَهَذَا الْقِسْمُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَسَّمَ إِلَى أَقْسَامٍ، فَيُجْعَلَ رِعَايَةُ أَمَانَةِ الْحُكَّامِ قِسْمًا، وَرِعَايَةُ أَمَانَةِ الْأَقْرَبِينَ مِنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالْحَوَاشِي قِسْمًا، وَرِعَايَةُ أَمَانَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَالصِّهْرِ قِسْمًا، وَمِنْهَا أَلَّا يُفْشِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ سِرَّ الْآخَرِ، وَلَا سِيَّمَا السِّرُّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِمَا، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ عَادَةً مِنْهُمَا سِوَاهُمَا، وَرِعَايَةُ أَمَانَاتِ سَائِرِ النَّاسِ قِسْمًا.
ثَالِثُهَا: (أَمَانَةُ الْإِنْسَانِ مَعَ نَفْسِهِ) وَعَرَّفَهَا الرَّازِيُّ بِأَلَّا يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ إِلَّا مَا هُوَ الْأَنْفَعُ وَالْأَصْلَحُ لَهُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَأَلَّا يُقَدَّمَ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ عَلَى مَا يَضُرُّهُ فِي الْآخِرَةِ.
أَقُولُ: وَمِنْ ذَلِكَ الَّذِي أَجْمَلَهُ تَوَقِّي الْإِنْسَانِ لِأَسْبَابِ الْأَمْرَاضِ وَالْأَوْبِئَةِ بِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ، وَمَا يَسْتَفِيدُهُ مِنَ الْأَطِبَّاءِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِعَايَةَ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْأَمَانَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَلُّمِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ عِلْمِ حِفْظِ الصِّحَّةِ وَلَا سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْأَمْرَاضِ الْوَبَائِيَّةِ الْمُنْتَشِرَةِ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ بِالتَّجَارِبِ نَفْعُ بَعْضِ مَا يُعْمَلُ لِلْوِقَايَةِ مِنَ الْمَرَضِ كَتَلْقِيحِ الْجُدَرِيِّ، وَمِنْ ذَلِكَ التَّدَاوِي عِنْدَ وُقُوعِ الْمَرَضِ، وَتَفْصِيلُ رِعَايَةِ هَذِهِ الْأَمَانَاتِ يَطُولُ، وَسَنُعِيدُ الْبَحْثَ فِيهَا عِنْدَ تَفْسِيرِ تِلْكَ الْآيَاتِ إِنْ أَنْسَأَ اللهُ فِي الْعُمْرِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَدَّمَ الْأَمْرَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْعَدْلِ ; لِأَنَّ الْعَدْلَ فِي الْأَحْكَامِ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْخِيَانَةِ فِي الْأَمَانَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ النَّاسِ وَالتَّخَاصُمِ إِلَى الْحَاكِمِ، وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَنَاءَ يَقُومُونَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ بِوَازِعِ الْفِطْرَةِ
وَالدِّينِ، وَالْخِيَانَةُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَمِنْ شَأْنِهَا أَنَّهَا لَا تَقَعُ فِي الْأُمَّةِ الْمُتَدَيِّنَةِ إِلَّا شُذُوذًا، وَقَلَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى الْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ إِذَا رَاعَى النَّاسُ أَمَانَاتِهِمْ وَأَدَّوْهَا إِلَى أَهْلِهَا.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَرَدَ فِي الْأَمَانَةِ عِدَّةُ آيَاتٍ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا آنِفًا، وَوَرَدَ فِيهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مُشَدِّدَةٌ فِي وُجُوبِ رِعَايَتِهَا وَأَدَائِهَا وَتَشْنِيعِ الْخِيَانَةِ وَالْوَعِيدِ عَلَيْهَا، مِنْهَا حَدِيثُ: آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَحَجَّ وَاعْتَمَرَ وَقَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ، مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ رَوَاهُ رُسْتَهْ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ أَبِي الْحَسَنِ الزُّهْرِيُّ الْأَصْفَهَانِيُّ) فِي الْإِيمَانِ وَأَبُو الشَّيْخِ فِي التَّوْبِيخِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ غَيْرِهِ عِنْدَ غَيْرِهِمَا بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى، وَمِنْهَا حَدِيثُ: لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَرَمَزَ لَهُ السُّيُوطِيُّ فِي جَامِعِهِ بِالصِّحَّةِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ: لَنْ تَزَالَ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يَتَّخِذُوا الْأَمَانَةَ مَغْنَمًا وَالزَّكَاةَ مَغْرَمًا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي حِكْمَةِ تَأْكِيدِ الْأَمْرِ بِالْأَمَانَةِ وَبَيَانِ فَائِدَتِهَا وَمَضَرَّةِ الْخِيَانَةِ: ذَكَرَ حَكِيمُ الْإِسْلَامِ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْأَفْغَانِيُّ فِي رِسَالَتِهِ (الرَّدِّ عَلَى الدَّهْرِيِّينَ) الَّتِي أَلَّفَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ، وَتَرْجَمَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ تِلْمِيذُهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ الدِّينَ قَدْ أَفَادَ النَّاسَ ثَلَاثَ عَقَائِدَ وَثَلَاثَ خِصَالٍ أَقَامُوا بِهَا بِنَاءَ مَدَنِيَّتِهِمْ، وَمِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ أَوِ الصِّفَاتِ: الْأَمَانَةُ: وَهَاكَ مَا قَالَهُ فِيهَا فَهُوَ يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ:
" مِنَ الْمَعْلُومِ الْجَلِيِّ أَنَّ بَقَاءَ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ قَائِمٌ بِالْمُعَامَلَاتِ وَالْمُعَاوَضَاتِ فِي مَنَافِعِ الْأَعْمَالِ، وَرُوحُ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُعَاوَضَةِ إِنَّمَا هِيَ الْأَمَانَةُ، فَإِنْ فَسَدَتِ الْأَمَانَةُ بَيْنَ الْمُتَعَامِلِينَ بَطَلَتْ صِلَاتُ الْمُعَامَلَةِ وَانْبَتَرَتْ حِبَالُ الْمُعَاوَضَةِ، فَاخْتَلَّ نِظَامُ الْمَعِيشَةِ، وَأَفْضَى ذَلِكَ بِنَوْعِ الْإِنْسَانِ إِلَى الْفَنَاءِ الْعَاجِلِ.
" ثُمَّ مِنَ الْبَيِّنِ أَنَّ الْأُمَمَ فِي رَفَاهَتِهَا، وَالشُّعُوبَ فِي رَاحَتِهَا وَانْتِظَامِ أَمْرِ مَعِيشَتِهَا مُحْتَاجَةٌ إِلَى الْحُكُومَةِ بِأَيِّ أَنْوَاعِهَا، إِمَّا جُمْهُورِيَّةً، أَوْ مَلَكِيَّةً مَشْرُوطَةً، أَوْ مَلَكِيَّةً مُقَيَّدَةً،
وَالْحُكُومَةُ فِي أَيِّ صُوَرِهَا لَا تَقُومُ إِلَّا بِرِجَالٍ يَلُونَ ضُرُوبًا مِنَ الْأَعْمَالِ فَمِنْهُمْ حُرَّاسٌ عَلَى حُدُودِ الْمَمْلَكَةِ يَحْمُونَهَا مِنْ عُدْوَانِ الْأَجَانِبِ عَلَيْهَا، وَيُدَافِعُونَ فِي الْوَالِجِ فِي ثُغُورِهَا، وَحَفَظَةٌ فِي دَاخِلِ الْبِلَادِ يَأْخُذُونَ عَلَى أَيْدِي السُّفَهَاءِ مِمَّنْ يَهْتِكُ سِتْرَ الْحَيَاءِ، وَيَمِيلُ إِلَى الِاعْتِدَاءِ مِنْ فَتْكٍ أَوْ سَلْبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَمِنْهُمْ حَمَلَةُ الشَّرْعِ، وَعُرَفَاءُ الْقَانُونِ يَجْلِسُونَ عَلَى مِنَصَّاتِ الْأَحْكَامِ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ، وَالْحُكْمِ فِي الْمُنَازَعَاتِ، وَمِنْهُمْ أَهْلُ جِبَايَةِ الْأَمْوَالِ يُحَصِّلُونَ مِنَ الرَّعَايَا مَا فَرَضَتْ عَلَيْهِمُ الْحُكُومَةُ مِنْ خَرَاجٍ مَعَ مُرَاعَاةِ قَانُونِهَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يُسْتَحْفَظُونَ مَا يُحَصِّلُونَ فِي خَزَائِنِ الْمَمْلَكَةِ، وَهِيَ خَزَائِنُ الرَّعَايَا فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَفَاتِيحُهَا بِأَيْدِي خَزَنَتِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَلَّى صَرْفَ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فِي الْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ لِلرَّعِيَّةِ مَعَ مُرَاعَاةِ الِاقْتِصَادِ وَالْحِكْمَةِ، كَإِنْشَاءِ الْمَدَارِسِ، وَالْمَكَاتِبِ، وَتَمْهِيدِ الطُّرُقِ، وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ، وَإِقَامَةِ الْجُسُورِ، وَإِعْدَادِ الْمُسْتَشْفَيَاتِ، وَيُؤَدِّي أَرْزَاقَ سَائِرِ الْعَامِلِينَ فِي شُئُونِ الْحُكُومَةِ مِنَ الْحُرَّاسِ وَالْحَفَظَةِ وَقُضَاةِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ حَسْبَمَا عُيِّنَ لَهُمْ، وَهَذِهِ الطَّبَقَاتُ مِنْ رِجَالِ الْحُكُومَةِ الْوَالِينَ عَلَى أَعْمَالِهَا إِنَّمَا تُؤَدِّي كُلُّ طَبَقَةٍ مِنْهَا عَمَلَهَا الْمَنُوطَ بِهَا بِحُكْمِ
الْأَمَانَةِ، فَإِنْ خَزِيَتْ أَمَانَةُ أُولَئِكَ الرِّجَالِ وَهُمْ أَرْكَانُ الدَّوْلَةِ سَقَطَ بِنَاءُ السُّلْطَةِ وَسُلِبَ الْأَمْنُ، وَرَاحَتِ الرَّاحَةُ مِنْ بَيْنِ الرَّعَايَا كَافَّةً وَضَاعَتْ حُقُوقُ الْمَحْكُومِينَ، وَفَشَا فِيهِمُ الْقَتْلُ وَالتَّنَاهُبُ وَوَعِرَتِ طُرُقُ التِّجَارَةِ، وَتَفَتَّحَتْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُ الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ، وَخَوَتْ خَزَائِنُ الْحُكُومَةِ، وَعُمِّيَتْ عَلَى الدَّوْلَةِ سُبُلُ النَّجَاحِ ; فَإِنْ حَزَبَهَا أَمْرٌ سُدَّتْ عَلَيْهَا نَوَافِذُ النَّجَاةِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْمًا يُسَاسُونَ بِحُكُومَةٍ خَائِنَةٍ، إِمَّا أَنْ يَنْقَرِضُوا بِالْفَسَادِ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَهُمْ جَبَرُوتُ أُمَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْهُمْ يَسُومُونَهُمْ خَسْفًا، وَيَسْتَبِدُّونَ فِيهِمْ عَسْفًا فَيَذُوقُونَ مِنْ مَرَارَةِ الْعُبُودِيَّةِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ مَرَارَةِ الِانْقِرَاضِ وَالزَّوَالِ.
" وَمِنَ الظَّاهِرِ أَنَّ اسْتِعْلَاءَ قَوْمٍ عَلَى آخَرِينَ إِنَّمَا يَكُونُ بِاتِّحَادِ آحَادِ الْعَامِلِينَ وَالْتِئَامِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ حَتَّى يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ لِبِنْيَةِ قَوْمِهِ كَالْعُضْوِ لِلْبَدَنِ، وَلَنْ يَكُونَ هَذَا الِاتِّحَادُ حَتَّى تَكُونَ الْأَمَانَةُ قَدْ مَلَكَتْ قِيَادَهُمْ، وَعَمَّتْ بِالْحُكْمِ أَفْرَادَهُمْ.
" فَقَدْ كَشَفَ الْحَقُّ أَنَّ الْأَمَانَةَ دِعَامَةُ بَقَاءِ الْإِنْسَانِ، وَمُسْتَقَرُّ أَسَاسِ الْحُكُومَاتِ، وَبَاسِطُ ظِلَالِ الْأَمْنِ وَالرَّاحَةِ، وَرَافِعُ أَبْنِيَةِ الْعِزِّ وَالسُّلْطَانِ، وَرُوحُ الْعَدَالَةِ وَجَسَدُهَا، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِدُونِهَا.
" وَإِلَيْكَ الِاخْتِيَارُ فِي فَرْضِ أُمَّةٍ عَطَّلَتْ نُفُوسَهَا مِنْ حِلْيَةِ هَذِهِ الْخَلَّةِ الْجَلِيلَةِ، فَلَا تَجِدُ فِيهَا إِلَّا آفَاتٍ جَائِحَةً وَرَزَايَا قَاتِلَةً، وَبَلَايَا مُهْلِكَةً، وَفَقْرًا مُعْوِزًا، وَذُلًّا مُعْجِزًا، ثُمَّ لَا تَلْبَثُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ أَنْ تَبْتَلِعَهَا بَلَالِيعُ الْعَدَمِ، وَتَلْتَهِمَهَا أُمَّهَاتُ اللهِيمِ اهـ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْعَدْلِ وَالتَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ (١٦: ٩٠)، وَقَوْلِهِ: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٩: ٩)، وَالْإِقْسَاطُ هُوَ: الْعَدْلُ، وَقَوْلُهُ آمِرًا لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنْ يُبَلِّغَهُ لِلنَّاسِ: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنِكُمْ (٤٢: ١٥)، وَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا (٤: ١٣٥)، الْآيَةَ، وَفِي مَعْنَاهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥: ٨)، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَلَا حَاجَةَ إِلَى إِيرَادِ الْأَحَادِيثِ هُنَا وَلَا الْآيَاتِ الْمُحَرِّمَةِ لِلظُّلْمِ الْمُتَوَعِّدَةِ عَلَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الْمُسْلِمُونَ مَأْمُورُونَ بِالْعَدْلِ فِي الْأَحْكَامِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَخْلَاقِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى (٦: ١٥٢)، وَهَذَا الْأَمْرُ مُوَجَّهٌ إِلَى الْحُكَّامِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أَيْ نِعْمَ الشَّيْءُ الَّذِي يَعِظُكُمْ بِهِ وَهُوَ هُنَا: أَدَاءُ الْأَمَانَاتِ
وَالْحُكْمُ بِالْعَدْلِ ; لِأَنَّهُ لَا يَعِظُكُمْ إِلَّا بِمَا فِيهِ صَلَاحُكُمْ وَفَلَاحُكُمْ مَا عَمِلْتُمْ بِهِ مُهْتَدِينَ مُتَّعِظِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِكُمْ وَلَا مِنْ أَفْعَالِكُمْ، وَلَا مِنْ نِيَّاتِكُمْ، فَلَا تَدَّعُوا مَا لَيْسَ فِيكُمْ مِنَ الْأَمَانَةِ وَالْعَدْلِ وَلَا تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ; فَإِنَّهُ سَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِمَا عَمِلَ.
أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِرَدِّ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَبِالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ مُخَاطِبًا بِذَلِكَ جُمْهُورَ الْأُمَّةِ، وَلَمَّا كَانَ يَدْخُلُ فِي رَدِّ الْأَمَانَاتِ تَوْسِيدُ الْأُمَّةِ أَمَرَّ الْأَحْكَامَ إِلَى أَهْلِهَا الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِيَامِ بِأَعْبَائِهَا، وَكَانَ يَجِبُ فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ مُرَاعَاةُ مَا جَاءَ عَنِ اللهِ تَعَالَى
وَعَنْ رَسُولِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَا يَتَجَدَّدُ لِلْأُمَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي مُنَاسَبَةِ الِاتِّصَالِ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَمَا قَبْلَهَا وَرَدَتَا فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ: إِنَّ الْكَافِرِينَ أَهْدَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَعْدَمَا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَمِنَ الطَّاغُوتِ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ الْأَصْنَامُ وَالْكُهَّانُ، فَكَانُوا يُحَكِّمُونَ الْكَاهِنَ، وَيَجْعَلُونَهُ شَارِعًا وَيَقْتَسِمُونَ عِنْدَ الصَّنَمِ وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ فَصْلًا فِي الْخُصُومَةِ.
وَقَدِ اتَّخَذَ الْيَهُودُ الْجِبْتَ وَالطَّاغُوتَ مِثْلَهُمْ، وَطَوَاغِيتُهُمْ رُؤَسَاؤُهُمُ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ فِيهِمْ بِأَهْوَائِهِمْ فَيَتَّبِعُونَهُمْ كَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، مَعَ أَنَّ عِنْدَهُمُ التَّوْرَاةَ فِيهَا حُكْمُ اللهِ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الرُّؤَسَاءَ أَعْلَمُ مِنَّا بِالتَّوْرَاةِ وَبِمَصْلَحَتِنَا، فَاللهُ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ لَنَا حَالَهُمْ وَقَرَنَهُ بِبَيَانِ مَا يَجِبُ أَنْ نَسِيرَ عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْأَحْكَامِ، حَتَّى لَا نَضِلَّ كَمَا ضَلَّ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَفْرَادًا مِنْهُمْ أَرْبَابًا إِذْ جَعَلُوهُمْ شَارِعِينَ فَكَانُوا سَبَبَ طُغْيَانِهِمْ؛ وَلِذَلِكَ سُمُّوا طَوَاغِيتَ.
ثُمَّ قَالَ: أَمَرَ بِطَاعَةِ اللهِ وَهِيَ الْعَمَلُ بِكِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَبِطَاعَةِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ أَعَادَ لَفْظَ الطَّاعَةِ لِتَأْكِيدِ طَاعَةِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ دِينُ تَوْحِيدٍ مَحْضٍ لَا يَجْعَلُ لِغَيْرِ اللهِ أَمْرًا، وَلَا نَهْيًا، وَلَا تَشْرِيعًا، وَلَا تَأْثِيرًا، فَكَانَ رُبَّمَا يُسْتَغْرَبُ فِي كِتَابِهِ الْأَمْرُ بِطَاعَةِ غَيْرِ وَحْيِ اللهِ، وَلَكِنْ قَضَتْ سُنَّةُ اللهِ بِأَنْ يُبَلِّغَ عَنْهُ شَرْعَهُ لِلنَّاسِ رُسُلٌ مِنْهُمْ وَتَكَلَّفَ بِعِصْمَتِهِمْ فِي التَّبْلِيغِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُطَاعُوا فِيمَا يُبَيِّنُونَ بِهِ الدِّينَ وَالشَّرْعَ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي شَرَعَ لَنَا عِبَادَةَ الصَّلَاةِ، وَأَمَرَنَا بِهَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لَنَا فِي الْكِتَابِ كَيْفِيَّتَهَا وَعَدَدَ رَكَعَاتِهَا، وَلَا رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَلَا تَحْدِيدَ أَوْقَاتِهَا فَبَيَّنَهَا الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِأَمْرِهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِذَلِكَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١٦: ٤٤)، فَهَذَا الْبَيَانُ بِإِرْشَادٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَاتِّبَاعُهُ لَا يُنَافِي التَّوْحِيدَ وَلَا كَوْنَ الشَّارِعِ هُوَ اللهَ تَعَالَى وَحْدَهُ.
قَالَ: وَأَمَّا أُولُو الْأَمْرِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْأُمَرَاءُ وَاشْتَرَطُوا فِيهِمْ أَلَّا يَأْمُرُوا بِمُحَرَّمٍ كَمَا قَالَ مُفَسِّرُنَا (الْجَلَالُ) وَغَيْرُهُ، وَالْآيَةُ مُطْلَقَةٌ، أَيْ:
وَإِنَّمَا أَخَذُوا هَذَا الْقَيْدَ مِنْ نُصُوصٍ أُخْرَى كَحَدِيثِ: لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَحَدِيثِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ وَبَعْضُهُمْ أَطْلَقَ فِي الْحُكَّامِ فَأَوْجَبُوا طَاعَةَ كُلِّ حَاكِمٍ، وَغَفَلُوا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْكُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُمُ الْعُلَمَاءُ، وَلَكِنَّ الْعُلَمَاءَ يَخْتَلِفُونَ، فَمَنْ يُطَاعُ فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ وَمَنْ يُعْصَى؟ وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمُ الَّذِينَ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَسْتَنْبِطُوا الْأَحْكَامَ غَيْرَ الْمَنْصُوصَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمَنْصُوصَةِ، وَقَالَتِ الشِّيعَةُ: إِنَّهُمُ الْأَئِمَّةُ الْمَعْصُومُونَ، وَهَذَا مَرْدُودٌ إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى هَذِهِ الْعِصْمَةِ، وَلَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَصَرَّحَتْ بِهِ الْآيَةُ، وَمَعْنَى وَأُولِي الْأَمْرِ الَّذِينَ يُنَاطُ بِهِمُ النَّظَرُ فِي أَمْرِ إِصْلَاحِ النَّاسِ، أَوْ مَصَالِحِ النَّاسِ، وَهَؤُلَاءِ يَخْتَلِفُونَ أَيْضًا، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِطَاعَتِهِمْ بِدُونِ شَرْطٍ وَلَا قَيْدٍ؟
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ فَكَّرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ زَمَنٍ بَعِيدٍ فَانْتَهَى بِهِ الْفِكْرُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأُولِي الْأَمْرِ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْحُكَّامُ، وَالْعُلَمَاءُ وَرُؤَسَاءُ الْجُنْدِ وَسَائِرُ الرُّؤَسَاءِ وَالزُّعَمَاءِ الَّذِينَ يَرْجِعُ إِلَيْهِمُ النَّاسُ فِي الْحَاجَاتِ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَهَؤُلَاءِ إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَمْرٍ، أَوْ حُكْمٍ وَجَبَ أَنْ يُطَاعُوا فِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُوا مِنَّا، وَأَلَّا يُخَالِفُوا أَمْرَ اللهِ وَلَا سُنَّةَ رَسُولِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الَّتِي عُرِفَتْ بِالتَّوَاتُرِ، وَأَنْ يَكُونُوا مُخْتَارِينَ فِي بَحْثِهِمْ فِي الْأَمْرِ، وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَا يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ مَا لِأُولِي الْأَمْرِ سُلْطَةٌ فِيهِ وَوُقُوفٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الِاعْتِقَادِ الدِّينِيِّ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، بَلْ هُوَ مِمَّا يُؤْخَذُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ فَقَطْ لَيْسَ لِأَحَدٍ رَأْيٌ فِيهِ إِلَّا مَا يَكُونُ فِي فَهْمِهِ.
فَأَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَمَلٍ مِنْ مَصَالِحِ الْأُمَّةِ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَنِ الشَّارِعِ ـ مُخْتَارِينَ فِي ذَلِكَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ عَلَيْهِ بِقُوَّةِ أَحَدٍ وَلَا نُفُوذِهِ ـ فَطَاعَتُهُمْ وَاجِبَةٌ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: هُمْ مَعْصُومُونَ فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ ; وَلِذَلِكَ أُطْلِقَ الْأَمْرُ بِطَاعَتِهِمْ بِلَا شَرْطٍ مَعَ اعْتِبَارِ الْوَصْفِ وَالِاتِّبَاعِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْآيَةِ، وَذَلِكَ كَالدِّيوَانِ الَّذِي أَنْشَأَهُ عَمَرُ بِاسْتِشَارَةِ أَهْلِ الرَّأْيِ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَصَالِحِ الَّتِي أُخِذَ بِهَا بِرَأْيِ أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَمْ يَعْتَرِضْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ: فَأَمْرُ اللهِ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الثَّابِتَةِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي جَرَى عَلَيْهَا ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِالْعَمَلِ هُمَا الْأَصْلُ الَّذِي لَا يُرَدُّ، وَمَا لَا يُوجَدُ فِيهِ نَصٌّ عَنْهُمَا يَنْظُرُ فِيهِ أُولُو الْأَمْرِ إِذَا كَانَ مِنَ الْمَصَالِحِ ; لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَثِقُ بِهِمُ النَّاسُ فِيهَا وَيَتْبَعُونَهُمْ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَشَاوَرُوا فِي تَقْرِيرِ مَا يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ، فَإِذَا اتَّفَقُوا وَأَجْمَعُوا وَجَبَ الْعَمَلُ بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا وَتَنَازَعُوا
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني