وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ٦٦ وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا ٦٧ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ( النساء : ٦٦-٦٨ ).
تفسير المفردات : كتبنا : أي فرضنا ما يوعظون به : أي من الأوامر والنواهي المقرونة بذكر حكمها وأحكامها والوعد لمن عمل بها الوعيد لمن صدّ عنها والتثبت : التقوية وجعل الشيء ثابتا راسخا.
المعنى الجملي : بعد أن بين عز اسمه فيما سلف أن الإيمان لا يتم إلا بتحكيم الرسول فيما شجر بينهم من خلاف مع التسليم والانقياد لحكمه –ذكر هنا قصور كثير من الناس في ذلك لوهن إسلامهم وضعف إيمانهم.
الإيضاح : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم أن اقتلوا أنفسكم : أي اقتلوها ببخع النفس ( الانتحار )- كما أمر بنو إسرائيل بذلك ليتوبوا من عبادة العجل وقوله أو اخرجوا من دياركم بالهجرة إلى بلاد أخرى وقوله ما فعلوه : أي المأمور به من القتل والهجرة من الوطن
بين الله لنا في الآية أن صادق الإيمان هو الذي يطيع الله في كل ما يأمر به في السهل والصعب والمحبوب والمكروه ولو كان ذلك بقتل النفس والخروج من الديار ( الجسم دار الروح والوطن دار الجسم ) أما المنافق فيعبد الله على ما يوافق هواه وشهواته فإن أصابه خير اطمأن به ورضي وإن ناله أذى انقلب على وجهه وارتد على عقبه وباء بالخسران في الدنيا والآخرة.
ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا أي ولو أنهم فعلوا ما أمروا به وتركوا ما نهوا عنه لكان ذلك خيرا لهم في مصالحهم وأشد تثبيتا لهم في إيمانهم إذ الأعمال هي التي تطبع الأخلاق والفضائل في نفس العامل وتبدد الأوهام والمخاوف من نفسه فبذل المال مثلا آية من آيات الإيمان وقربة من أعظم القرب فمن فعله كان مؤمنا إيمانا صادقا ومن آمن بذلك ولم يفعله كان علمه بمنافعه ومزاياه له وللأمة والدين علما ناقصا فكلما دعا الداعي إلى البذل طاف به طائف البخل والإمساك وعرض له شبح الفقر والإملاق أو نقصان المال عن مال بعض الأقران لكنه إذا اعتدل البذل صار السخاء خلقا له وسجية وقلما امتنع عن فعله حين تدعو الحاجة إليه إذ الطاعة تدعو إلى مثلها فالمرء يطلب الخير أولا حتى إذا حصله طلب أن يكون الحاصل ثابتا قويا.
المعنى الجملي : بعد أن بين عز اسمه فيما سلف أن الإيمان لا يتم إلا بتحكيم الرسول فيما شجر بينهم من خلاف مع التسليم والانقياد لحكمه –ذكر هنا قصور كثير من الناس في ذلك لوهن إسلامهم وضعف إيمانهم.
تفسير المراغي
المراغي