٦٦ - قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ قال ابن عباس والكلبي وغيرهما: يريد فرضنا وأوجبنا عليهم (١).
قال مجاهد: يعني: على اليهود والعرب (٢).
قال المفسرون: كتب الله على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال الله: ولو كتبنا على هؤلاء ما كتبنا على غيرهم لما فعله إلا قليل منهم (٣).
وقوله تعالى: مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ. قال الحسن: أخبر عن علمه فيهم، كقوله عن نوح: لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود: ٣٦] (٤). يعني: ما يفعل ذلك إلا من قد علم الله منه ذلك وهم قليل.
وقال عطاء: إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ يريد الأنصار (٥).
وقال مقاتل: كان من القليل عمار بن ياسر، وابن مسعود، وثابت بن قيس بن شماس (٦). ونحو ذلك قال الكلبي، فقال: نزلت في ثابت بن قيس؛ لأنه قال: إن الله يعلم لو أمرني بأمرٍ أقتل نفسي لقتلت، فكان ثابت من القليل الذين استثنى (٧).
(٢) أخرج الطبري ٥/ ١٦٠، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٣.
(٣) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٨٤ أ، "الوسيط" ٢/ ٦١٠، "الرازي" ١٠/ ١٦٧.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) "تفسيره" ١/ ٣٨٧، وانظر: "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٦، والقرطبي ٥/ ٢٧٠.
(٧) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (٨٨)، "الكشف والبيان" (٤/ ٨٤ أ "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٦.
والظاهر في هذه الآية ما قال الحسن؛ لكون المستثنى من المكتوب عليهم، والمهاجرون والأنصار وهؤلاء الذين ذكرهم فقال: مِنْهُمْ، وإنما أريد بقوله: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ المنافقون والذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم، وهم الذين ذكروا في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ الآية، وقوله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ هذا هو ظاهر (....) (١) عطاء ومقاتل، فيمكن أن يحمل على وجهين: أحدهما: أن قوله: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ يريد اليهود والمنافقين والمؤمنين جميعًا، ثم استثنى الصحابة الأنصار والمهاجرين والمؤمنين بقوله: مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ، ويكون قوله بعد هذا: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ اليهود والمنافقين.
وقد ورد في التنزيل آي حمل بعضها على العموم وبعضها على الخصوص. وعليه (....) (٢) أن يُحمل على قراءة من قرأ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ بالنصب (٣)؛ لاختلاف جنسي المستثنى منه والمستثنى، وذلك أنه في هذه الآية قبيلان: مكتوب عليهم وهم المنافقون، ومستثنى وهم الأنصار، فصار كالجنسين المختلفين، وإذا اختلف الجنسان فالاختيار النصب (٤)، كقوله:
وما بالرَّبع من أحدٍ إلا أواري (٥)
(٢) كلمة غير واضحة في (ش)، ويمكن أن تقدر بـ: [يحتمل].
(٣) هذِه قراءة لابن عامر خاصة وكذا هي في المصحف الشامي. انظر: "الحجة" ٣/ ١٦٨، "النشر" ٢/ ٢٥٠.
(٤) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٧٠، "شرح المعلقات العشر" للنحاس ٢/ ١٥٨.
(٥) جملة مستفادة من بيتين من الشعر للنابغة الذبياني هما:
| وقفت فيها أصيلا لا أسائلها | عيت جوابًا وما بالربع من أحد |
| إلا الأواري لأيًا ما أبينها | والنؤيُ كالحوض بالمظلومة الجلد |