ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ، توبة من ذنوبكم، كما كتبناه على بني إسرائيل، أو في الجهاد في سبيل الله، أو اخرجوا من دياركم كما خرج بنو إسرائيل حين أمرناهم بالهجرة من مصر، ما فعلوه إلا قليل منهم وهم المخلصون. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه :( لو كتب ذلك علينا أنا أول خارج ). قال ثابت بن قيس بن شماس :( لو أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل نفسي لفعلت ). وكذلك قال عُمر وعمارُ بن ياسر وابنُ مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبيُ صلى الله عليه وسلم فقال :" إنَّ مِن أُمَّتِي رِجَالاً : الإيمَانُ في قُلُوبِهِم أثبَتُ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي ". فهؤلاء من القليل.
وسبب نزول قوله : فلا وربك. . . الخ : قضية الزُّبَيرِ مع حَاطِب في شرَاج الحَرَّة، كَانَا يسقيانِ به النّخل، فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام :" اسقِ يا زُبيرُ وأرسِل إلى جارِكَ " فقال حَاطبُ : لأن كَان ابن عمتك. فقال عليه الصلاة والسلام :" اسقِ يا زُبيرُ، واحِبِس الماءَ حتَّى يبلغ الجدر١ واستوف حقك " وقيل : نزلت في اليهودي مع المنافق المتقدم، وهو أليق بالسياق.
ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به من طاعة الرسول، والرضى بحكمه، لكان خيرًا لهم في آجلهم وعاجلهم، وأشد تثبيتًا في دينهم وقوة في إيمانهم، أو تثبيتًا لثواب أعمالهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كما أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته، أمر بطاعة ورثته بعد مماته، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام، فالعلماء حُكَّام على العموم، والأولياء حكام على الخصوص، أعني من تعلق بهم من أهل الإرادة، فمن لم يرض بحكم العلماء، ووجد في نفسه حرجًا مما قضوا به عليه، ففيه شُعبة من النفاق، وخصلة من المنافقين. ومن لم يرض بحكم الأولياء فقد خرج من دائرتهم، ومن عُش تربيتهم، لأن حكم الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وحكم ورثته هو حكم الله، ومن لم يرض بحكم الله خرج عن دائرة الإيمان.
فلا يكمل إيمان العبد حتى لا يجد في نفسه حرجًا من أحكام الله، القهرية والتكليفية، ويسلم لما يبرز من عنصر القدرة الأزلية، كيفما كان، فقرًا أو غنى، ذلاً أو عزًا، منعًا أو عطاء، قبضًا أو بسطًا، مرضًا أو صحة، إلى غير ذلك من اختلاف المقادير. ويرضى بذلك ظاهرَا وباطنًا، وينسلخ من تدبيره واختياره ؛ إلى اختيار مولاه فهو أعلم بمصالحه، وأرحم به من أمه وأبيه : وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.



١ الجدر: أي الجدار الذي يحيط بالمزرعة، وهو أصغر من الجدار..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير