هذا الدرس يتناول موضوعا خطيرا.. الموضوع الأساسي في حياة الأمة المسلمة. إنه يتناول بيان شرط الإيمان وحده ؛ متمثلا في النظام الأساسي لهذه الأمة.. ومن الموضوع في ذاته، ومن طريقه ارتباطه وامتزاجه بالنظام افي ظل هذه التصورات القرآنية التي تمثل المنهج الرباني..
حين ننظر إلى الديوان المأثور والحياة الواقعية.. في ظل القرآن وواقع الحياة الإسلامية : يتبين لنا على وجه التأكيد والتحديد.. أنها كانت نشأة ولم تكن خطوة ولا مرحلة ولا وثبة ! كانت " إخراجًا " من صنع الله ؛ كتعبير القرآن الدقيق.. وكانت أعجب نشأة ؛ وأغرب إخراج.. فيهي المرة الأولى والأخيرة - فيما نعلم - التي تنبثق فيها أمة من بين دفتي كتاب ! و " تخرج " فيها حياة من خلال الكلمات !
ولكن لا عجب.. فهذه الكلمات.. كلمات الله..
ومن أراد المجادلة والمماحلة، فليقل لنا أين كانت هذه الأمة قبل أن " يخرجهًا " الله بكلماته ؛ وقيل أن ينشئها الله بقرآنه ؟
إننا نعرف أنها كانت في الجزيرة العربية ! ولكن أين كانت في الوجود " الإنساني " ؟ أين كانت في سجل الحضارة البشرية ؟ أين كانت في التاريخ العالمي ؟ أين كانت تجلس على المائدة العالمية الإنسانية ؟ وماذا كانت تقدم على هذه المائدة، فيعرف باسمها ويحمل طابعها ؟
لقد " نشأت " هذه الأمة نشأتها بهذا الدين ؛ ونشئت تنشئتها بهذا المنهج القويم ؛ وقادت نفسها وقادت البشرية بعد ذلك بكتاب الله الذي في يدها، وبمنهجه الذي طبع حياتها.. لا بشيء آخر.. وأمامنا التاريخ ! وقد صدقها الله وعده وهو يقول للعرب :( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم.. أفلا تعقلون ) ؟
فبسبب من هذا الكتاب ذكرت هذه الأمة في الأرض ؛ وكان لها دورها في التاريخ ؛ وكان لها " وجود إنساني " ابتداء، وحضارة عالمية ثانيا.. ذلك بينما يريد جماعة من الحمقى أن يرفضوا نعمة الله هذه على الأمة العربية ؛ ويجحدوا فضل الله في أن جعل كلمته الأخيرة لأهل الأرض قاطبة في العرب وبلسانهم.. ومن ثم جعل لهم وجودا وذكرا وتاريخا وحضارة - يريدون أن يخلعوا هذا الرداء الذي ألبسهم الله إياه ؛ وأن يمزقوا هذه الراية التي قادتهم إلى الذكر والمجد.. بل إلى الوجود يوم أخرج الله منهم الأمة المسلمة !
نقول.. إن القرآن حين كان " ينشى ء " هذه الأمة و " ينشئها ".. ويخطط ويثبت ملامح الإسلام الجديدة، في الجماعة المسلمة - التي التقطها من سفح الجاهلية - ويطمس ويمحو ملامح الجاهلية في حياتها ونفوسها ورواسبها.. وينظم مجتمعها - أو يقيمه ابتداء - على أساس الميلاد الجديد..
وحين كان يخوض بالجماعة المسلمة المعركة ؛ في مواجهة الجاهلية الراسبة في نفوسها وأوضاعها من مخلفات البيئة التي التقطها المنهج الرباني منها ؛ وفي مواجهة الجاهلية الرابضة فيها ومن حولها - ممثلة في يهود المدينة ومنافقيها ومشركي مكة وما حولها - والمعركتان موصولتان في الزمان والمكان !
حين كان القرآن يصنع ذلك كله.. كان يبدأ فيقيم للجماعة المسلمة تصورها الصحيح، ببيان شرط الإيمان وحد الإسلام ؛ ويربط بهذا التصور - في هذه النقطة بالذات - نظامها الأساسي، الذي يميز وجودها من وجود الجاهلية حولها ؛ ويفردها بخصائص الأمة التي أخرجت للناس، لتبين للناس، وتقودهم إلى الله.. نظامها الرباني..
وهذا الدرس يتولى بيان هذا النظام الأساسي، قائما ومنبثقا من التصور الإسلامي لشرط الإيمان وحد الإسلام !
إنه يتولى تحديد الجهة التي تتلقى منها الأمة المسلمة منهج حياتها ؛ والطريقة التي تتلقى بها ؛ والمنهج الذي تفهم به ما تتلقى، وترد إليه ما يجد من مشكلات وأقضية لم يرد فيها نص وتختلف الأفهام فيها ؛ والسلطة التي تطيعها وعلة طاعتها ومصدر سلطانها.. ويقول : إن هذا هو شرط الإيمان وحده الإسلام..
وعندئذ يلتقي " النظام الأساسي " لهذه الأمة ؛ بالعقيدة التي تؤمن بها.. في وحدة لا تتجزأ ؛ ولا تفترق عناصرها..
وهذا هو الموضوع الخطير الذي يجلوه هذا الدرس جلاء دقيقا كاملا.. وهذه هي القضية التي تبدو، بعد مطالعة هذا الدرس، بديهية يعجب الإنسان كيف يجادل مسلم فيها !
إنه يقول للأمة المسلمة : إن الرسل أرسلت لتطاع - بإذن الله - لا لمجرد الإبلاغ والإقناع :
( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله )..
ويقول لها : إن الناس لا يؤمنون - ابتداء - إلا أن يتحاكموا إلى منهج الله ؛ ممثلا - في حياة الرسول [ ص ] - في أحكام الرسول. وباقيا بعده في مصدريه القرآن والسنة بالبداهة ؛ ولا يكفي أن يتحاكموا إليه - ليحسبوا مؤمنين - بل لا بد من أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين :
فلا وربك.. لا يؤمنون.. حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمًا.. فهذا هو شرط الإيمان وحد الإسلام.
ويقول لها : إن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - أي إلى غير شريعة الله - لا يقبل منهم زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله. فهو زعم كاذب. يكذبه أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت :
ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا.
ويقول لها : إن علامة النفاق أن يصدوا عن التحاكم إلى ما أنزل الله والتحاكم إلى رسول الله :
( وإذا قيل لهم : تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا )
ويقول لها : إن منهجها الإيماني ونظامها الأساسي، أن تطيع الله - عز وجل - في هذا القرآن - وأن تطيع رسول الله [ ص ] في سنته - وأولي الأمر من المؤمنين الداخلين في شرط الإيمان وحد الإسلام معكم :
( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول. وأولي الأمر منكم )..
ويقول لها : إن المرجع، فيما تختلف فيه وجهات النظر في المسائل الطارئة المتجددة. والأقضية التي لم ترد فها أحكام نصية.. إن المرجع هو الله ورسوله.. أي شريعة الله وسنة رسوله.
( فإن تنازعتم في شيء، فردوه إلى الله والرسول )..
وبهذا يبقى المنهج الرباني مهيمنا على ما يطرأ على الحياة من مشكلات وأقضية كذلك، أبد الدهر، في حياة الأمة المسلمة.. وتمثل هذه القاعدة نظامها الأساسي، الذي لا تكون مؤمنة إلا به، ولا تكون مسلمة إلا بتحقيقه.. إذ هو يجعل الطاعة بشروطها تلك، ورد المسائل التي تجد وتختلف فيها وجهات النظر إلى الله ورسوله.. شرط الإيمان وحد الإسلام.. شرطا واضحا ونصا صريحا :
( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر )..
ولا ننس ما سبق بيانه عند قوله تعالى :( إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ).. من أن اليهود وصموا بالشرك بالله، لأنهم كانوا يتخذون أحبارهم أربابا من دون الله - لا لأنهم عبدوهم - ولكن لأنهم قبلوا منهم التحليل والتحريم ؛ ومنحوهم حق الحاكمية والتشريع - ابتداء من عند أنفسهم - فجعلوا بذلك مشركين.. الشرك الذي يغفر الله كل ما عداه. حتى الكبائر.. " وإن زنى وإن سرق. وإن شرب الخمر ".. فرد الأمر كله إلى إفراد الله - سبحانه - بالألوهية. ومن ثم إفراده بالحاكمية. فهي أخص خصائص الألوهية. وداخل هذا النطاق يبقى المسلم مسلما ويبقى المؤمن مؤمنا. ويطمع أن يغفر له ذنوبه ومنها كبائره.. أما خارج هذا النطاق فهو الشرك الذي لا يغفره الله أبدا.. إذ هو شرط الإيمان وحد الإسلام. ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.. )
هذا هو الموضوع الخطير الذي يتناوله هذا الدرس. بالإضافة إلى بيان وظيفة الأمة المسلمة في الأرض. من إقرار مبادى ء العدل والخلق على أساس منهج الله القويم السليم :( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.. إن الله نعما يعظكم به.. إن الله كان سميعا بصيرًا.. )
وقد ألممنا به إجمالا. فنأخذ في مواجهة النصوص تفصيلا..
وبعد أن يقرر أن لا إيمان قبل تحكيم رسول الله [ ص ] وقبل الرضى والتسليم بقضائه، يعود ليقول : إن هذا المنهج الذي يدعون إليه ؛ وهذه الشريعة التي يقال لهم : تحاكموا إليها - لا لسواها - وهذا القضاء الذي يتحتم عليهم قبوله والرضاء به... إنه منهج ميسر، وشريعة سمحة، وقضاء رحيم.. إنه لا يكلفهم شيئا فوق طاقتهم ؛ ولا يكلفهم عنتا يشق عليهم ؛ ولا يكلفهم التضحية بعزيز عليهم.. فالله يعلم ضعف الإنسان ؛ ويرحم هذا الضعف. والله يعلم أنهم لو كلفوا تكاليف شاقة، ما أداها إلا قليل منهم.. وهو لا يريد لهم العنت، ولا يريد لهم أن يقعوا في المعصية.. ومن ثم لم يكتب عليهم ما يشق، وما يدعو الكثيرين منهم للتقصير والمعصية. ولو أنهم استجابوا للتكاليف اليسيرة التي كتبها الله عليهم ؛ واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها ؛ لنالوا خيرا عظيما في الدنيا والآخرة ؛ ولأعانهم الله بالهدى، كما يعين كل من يجاهد للهدى بالعزم والقصد والعمل والإرادة، في حدود الطاقة :
( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه - إلا قليل منهم - ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به، لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ؛ وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ؛ ولهديناهم صراطا مستقيمًا )..
إن هذا المنهج ميسر لينهض به كل ذي فطرة سوية. إنه لا يحتاج للعزائم الخارقة الفائقة، التي لا توجد عادة إلا في القلة من البشر. وهذا الدين لم يجيء لهذه القلة القليلة. إنه جاء للناس جميعا. والناس معادن، وألوان، وطبقات. من ناحية القدرة على النهوض بالتكاليف. وهذا الدين ييسر لهم جميعا أن يؤدوا الطاعات المطلوبة فيه، وأن يكفوا عن المعاصي التي نهى عنها.
وقتل النفس، والخروج من الديار.. مثلان للتكاليف الشاقة، التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم. وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس ؛ وأن ينكل عنها عامة الناس. بل المراد أن يؤديها الجميع، وأن يقدر عليها الجميع، وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية ؛ وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس، وطبقات الهمم، وطبقات الاستعدادات ؛ وأن ينميها جميعا ويرقيها، في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض !
قال ابن جريج : حدثنا المثنى إسحاق أبو الأزهر، عن إسماعيل، عن أبى إسحاق السبيعي قال : لما نزلت :( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم )... الآية : قال رجل : لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا.. فبلغ ذلك النبي [ ص ] فقال :" إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبالالرواسي ".
وروى ابن أبي حاتم - بإسناده - عن مصعب بن ثابت. عن عمه عامر بن عبدالله بن الزبير. قال : لما نزلت ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) قال رسول الله [ ص ] :" لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم ".
وفي رواية له - بإسناده - عن شريح بن عبيد : قال : لما تلا رسول الله [ ص ] هذه الآية :( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم... ) الآية، أشار رسول الله [ ص ] بيده إلى عبدالله ابن رواحة، فقال :" لو أن الله كتب هذا، لكان هذا من أولئك القليل " :
وكان رسول الله [ ص ] يعرف رجاله معرفة وثيقة عميقة دقيقة ؛ ويعرف من خصائص كل منهم ما لا يعرفه كل منهم عن نفسه ! وفي السيرة من هذا الكثير من الشواهد على خبرة الرسول [ ص ] بكل واحد من رجاله ؛ وخبرته كذلك بالرجال والقبائل التي كانت تحاربه.. خبرة القائد البصير بكل ما حوله ومن حوله.. في دقة عجيبة.. لم تدرس بعد الدراسة الواجبة.
وليس هذا موضوعنا. ولكن موضوعنا أن رسول الله [ ص ] كان يعرف أن في أمته من ينهض بالتكاليف الشاقة لو كتبت عليهم. ولكنه كان يعرف كذلك أن الدين لم يجيء لهذه القلة الممتازة في البشرية كلها. وكان الله - سبحانه - يعلم طبيعة هذا " الإنسان " الذي خلقه ؛ وحدود طاقته ؛ فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين، إلا ما هو ميسر للجميع ؛ حين تصح العزيمة، وتعتدل الفطرة، وينوي العبد الطاعة، ولا يستهتر ولا يستهين.
وتقرير هذه الحقيقة ذو أهمية خاصة ؛ في مواجهة الدعوات الهدامة ؛ التي تدعو الإنسان إلى الانحلال والحيوانية، والتلبط في الوحل كالدود ! بحجة أن هذا هو " واقع " الإنسان، وطبيعته وفطرته وحدود طاقته ! وأن الدين دعوة " مثالية " لم تجيء لتحقق في واقع الأرض ؛ وإذا نهض بتكاليفها فرد، فإن مائة لا يطيقون !
هذه دعوى كاذبة أولا ؛ وخادعة ثانيا ؛ وجاهلة ثالثا.. لأنها لا تفهم " الإنسان " ولا تعلم منه ما يعلمه خالقه، الذي فرض عليه تكاليف الدين ؛ وهو يعلم - سبحانه - أنها داخلة في مقدور الإنسان العادي. لأن الدين لم يجيء للقلائل الممتازين !
وإن هي إلا العزيمة - عزيمة الفرد العادي - وإخلاص النية. والبدء في الطريق. وعندئذ يكون ما يعد الله به العاملين :
( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ).
فمجرد البدء، يتبعه العون من الله. ويتبعه التثبيت على المضي في الطريق.
ويتبعه الأجر العظيم.
وتتبعه الهداية إلى الطريق المستقيم.. وصدق الله العظيم.. فما يخدع الله - سبحانه وتعالى - عباده ؛ ولا يعدهم وعدا لا يفي لهم به ؛ ولا يحدثهم إلا حديث الصدق.. ( ومن أصدق من الله حديثًا ) ؟
في الوقت ذاته ليس اليسر - في هذا المنهج - هو الترخص. ليس هو تجميع الرخص كلها في هذا الدين وجعلها منهج الحياة. فهذا الدين عزائم ورخص. والعزائم هي الأصل والرخص للملابسات الطارئة.. وبعض المخلصين حسني النية، الذين يريدون دعوة الناس إلى هذا الدين، يعمدون إلى " الرخص " فيجمعونها ويقدمونها للناس، على أنها هي هذا الدين. ويقولون لهم : انظروا كم هو ميسر هذا الدين ! وبعض الذين يتملقون شهوات السلطان أو شهوات الجماهير، يبحثون عن " منافذ " لهذه الشهوات من خلال الأحكام والنصوص ؛ ويجعلون هذه المنافذ هي الدين !
وهذا الدين ليس هذا وليس ذاك. إنما هو بجملته. برخصه وعزائمة. ميسر للناس يقدر عليه الفرد العادي، حين يعزم. ويبلغ فيه تمام كماله الذاتي - في حدود بشريته - كما يبلغ تمام كماله الذاتي في الحديقة الواحدة : العنب والخوخ والكمثرى والتوت والتين والقثاء.. ولا تكون كلها ذات طعم واحد.. ولا يقال عن أحدها : إنه غير ناضج - حين يبلغ نضجه الذاتي - إذا كان طعمه أقل مرتبة من النوع الآخر !
في حديقة هذا الدين ينبت البقل والقثاء ؛ وينبت الزيتون والرمان، وينبت التفاح والبرقوق، وينبت العنب والتين... وينضج كله ؛ مختلفة طعومه ورتبه.. ولكنه كله ينضج. ويبلغ كماله المقدر له.. إنها زرعة الله.. في حقل الله.. برعاية الله.. وتيسير الله..
هذا الدرس يتناول موضوعا خطيرا.. الموضوع الأساسي في حياة الأمة المسلمة. إنه يتناول بيان شرط الإيمان وحده ؛ متمثلا في النظام الأساسي لهذه الأمة.. ومن الموضوع في ذاته، ومن طريقه ارتباطه وامتزاجه بالنظام افي ظل هذه التصورات القرآنية التي تمثل المنهج الرباني..
حين ننظر إلى الديوان المأثور والحياة الواقعية.. في ظل القرآن وواقع الحياة الإسلامية : يتبين لنا على وجه التأكيد والتحديد.. أنها كانت نشأة ولم تكن خطوة ولا مرحلة ولا وثبة ! كانت " إخراجًا " من صنع الله ؛ كتعبير القرآن الدقيق.. وكانت أعجب نشأة ؛ وأغرب إخراج.. فيهي المرة الأولى والأخيرة - فيما نعلم - التي تنبثق فيها أمة من بين دفتي كتاب ! و " تخرج " فيها حياة من خلال الكلمات !
ولكن لا عجب.. فهذه الكلمات.. كلمات الله..
ومن أراد المجادلة والمماحلة، فليقل لنا أين كانت هذه الأمة قبل أن " يخرجهًا " الله بكلماته ؛ وقيل أن ينشئها الله بقرآنه ؟
إننا نعرف أنها كانت في الجزيرة العربية ! ولكن أين كانت في الوجود " الإنساني " ؟ أين كانت في سجل الحضارة البشرية ؟ أين كانت في التاريخ العالمي ؟ أين كانت تجلس على المائدة العالمية الإنسانية ؟ وماذا كانت تقدم على هذه المائدة، فيعرف باسمها ويحمل طابعها ؟
لقد " نشأت " هذه الأمة نشأتها بهذا الدين ؛ ونشئت تنشئتها بهذا المنهج القويم ؛ وقادت نفسها وقادت البشرية بعد ذلك بكتاب الله الذي في يدها، وبمنهجه الذي طبع حياتها.. لا بشيء آخر.. وأمامنا التاريخ ! وقد صدقها الله وعده وهو يقول للعرب :( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم.. أفلا تعقلون ) ؟
فبسبب من هذا الكتاب ذكرت هذه الأمة في الأرض ؛ وكان لها دورها في التاريخ ؛ وكان لها " وجود إنساني " ابتداء، وحضارة عالمية ثانيا.. ذلك بينما يريد جماعة من الحمقى أن يرفضوا نعمة الله هذه على الأمة العربية ؛ ويجحدوا فضل الله في أن جعل كلمته الأخيرة لأهل الأرض قاطبة في العرب وبلسانهم.. ومن ثم جعل لهم وجودا وذكرا وتاريخا وحضارة - يريدون أن يخلعوا هذا الرداء الذي ألبسهم الله إياه ؛ وأن يمزقوا هذه الراية التي قادتهم إلى الذكر والمجد.. بل إلى الوجود يوم أخرج الله منهم الأمة المسلمة !
نقول.. إن القرآن حين كان " ينشى ء " هذه الأمة و " ينشئها ".. ويخطط ويثبت ملامح الإسلام الجديدة، في الجماعة المسلمة - التي التقطها من سفح الجاهلية - ويطمس ويمحو ملامح الجاهلية في حياتها ونفوسها ورواسبها.. وينظم مجتمعها - أو يقيمه ابتداء - على أساس الميلاد الجديد..
وحين كان يخوض بالجماعة المسلمة المعركة ؛ في مواجهة الجاهلية الراسبة في نفوسها وأوضاعها من مخلفات البيئة التي التقطها المنهج الرباني منها ؛ وفي مواجهة الجاهلية الرابضة فيها ومن حولها - ممثلة في يهود المدينة ومنافقيها ومشركي مكة وما حولها - والمعركتان موصولتان في الزمان والمكان !
حين كان القرآن يصنع ذلك كله.. كان يبدأ فيقيم للجماعة المسلمة تصورها الصحيح، ببيان شرط الإيمان وحد الإسلام ؛ ويربط بهذا التصور - في هذه النقطة بالذات - نظامها الأساسي، الذي يميز وجودها من وجود الجاهلية حولها ؛ ويفردها بخصائص الأمة التي أخرجت للناس، لتبين للناس، وتقودهم إلى الله.. نظامها الرباني..
وهذا الدرس يتولى بيان هذا النظام الأساسي، قائما ومنبثقا من التصور الإسلامي لشرط الإيمان وحد الإسلام !
إنه يتولى تحديد الجهة التي تتلقى منها الأمة المسلمة منهج حياتها ؛ والطريقة التي تتلقى بها ؛ والمنهج الذي تفهم به ما تتلقى، وترد إليه ما يجد من مشكلات وأقضية لم يرد فيها نص وتختلف الأفهام فيها ؛ والسلطة التي تطيعها وعلة طاعتها ومصدر سلطانها.. ويقول : إن هذا هو شرط الإيمان وحده الإسلام..
وعندئذ يلتقي " النظام الأساسي " لهذه الأمة ؛ بالعقيدة التي تؤمن بها.. في وحدة لا تتجزأ ؛ ولا تفترق عناصرها..
وهذا هو الموضوع الخطير الذي يجلوه هذا الدرس جلاء دقيقا كاملا.. وهذه هي القضية التي تبدو، بعد مطالعة هذا الدرس، بديهية يعجب الإنسان كيف يجادل مسلم فيها !
إنه يقول للأمة المسلمة : إن الرسل أرسلت لتطاع - بإذن الله - لا لمجرد الإبلاغ والإقناع :
( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله )..
ويقول لها : إن الناس لا يؤمنون - ابتداء - إلا أن يتحاكموا إلى منهج الله ؛ ممثلا - في حياة الرسول [ ص ] - في أحكام الرسول. وباقيا بعده في مصدريه القرآن والسنة بالبداهة ؛ ولا يكفي أن يتحاكموا إليه - ليحسبوا مؤمنين - بل لا بد من أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين :
فلا وربك.. لا يؤمنون.. حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمًا.. فهذا هو شرط الإيمان وحد الإسلام.
ويقول لها : إن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - أي إلى غير شريعة الله - لا يقبل منهم زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله. فهو زعم كاذب. يكذبه أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت :
ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا.
ويقول لها : إن علامة النفاق أن يصدوا عن التحاكم إلى ما أنزل الله والتحاكم إلى رسول الله :
( وإذا قيل لهم : تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا )
ويقول لها : إن منهجها الإيماني ونظامها الأساسي، أن تطيع الله - عز وجل - في هذا القرآن - وأن تطيع رسول الله [ ص ] في سنته - وأولي الأمر من المؤمنين الداخلين في شرط الإيمان وحد الإسلام معكم :
( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول. وأولي الأمر منكم )..
ويقول لها : إن المرجع، فيما تختلف فيه وجهات النظر في المسائل الطارئة المتجددة. والأقضية التي لم ترد فها أحكام نصية.. إن المرجع هو الله ورسوله.. أي شريعة الله وسنة رسوله.
( فإن تنازعتم في شيء، فردوه إلى الله والرسول )..
وبهذا يبقى المنهج الرباني مهيمنا على ما يطرأ على الحياة من مشكلات وأقضية كذلك، أبد الدهر، في حياة الأمة المسلمة.. وتمثل هذه القاعدة نظامها الأساسي، الذي لا تكون مؤمنة إلا به، ولا تكون مسلمة إلا بتحقيقه.. إذ هو يجعل الطاعة بشروطها تلك، ورد المسائل التي تجد وتختلف فيها وجهات النظر إلى الله ورسوله.. شرط الإيمان وحد الإسلام.. شرطا واضحا ونصا صريحا :
( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر )..
ولا ننس ما سبق بيانه عند قوله تعالى :( إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ).. من أن اليهود وصموا بالشرك بالله، لأنهم كانوا يتخذون أحبارهم أربابا من دون الله - لا لأنهم عبدوهم - ولكن لأنهم قبلوا منهم التحليل والتحريم ؛ ومنحوهم حق الحاكمية والتشريع - ابتداء من عند أنفسهم - فجعلوا بذلك مشركين.. الشرك الذي يغفر الله كل ما عداه. حتى الكبائر.. " وإن زنى وإن سرق. وإن شرب الخمر ".. فرد الأمر كله إلى إفراد الله - سبحانه - بالألوهية. ومن ثم إفراده بالحاكمية. فهي أخص خصائص الألوهية. وداخل هذا النطاق يبقى المسلم مسلما ويبقى المؤمن مؤمنا. ويطمع أن يغفر له ذنوبه ومنها كبائره.. أما خارج هذا النطاق فهو الشرك الذي لا يغفره الله أبدا.. إذ هو شرط الإيمان وحد الإسلام. ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.. )
هذا هو الموضوع الخطير الذي يتناوله هذا الدرس. بالإضافة إلى بيان وظيفة الأمة المسلمة في الأرض. من إقرار مبادى ء العدل والخلق على أساس منهج الله القويم السليم :( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.. إن الله نعما يعظكم به.. إن الله كان سميعا بصيرًا.. )
وقد ألممنا به إجمالا. فنأخذ في مواجهة النصوص تفصيلا..
وبعد أن يقرر أن لا إيمان قبل تحكيم رسول الله [ ص ] وقبل الرضى والتسليم بقضائه، يعود ليقول : إن هذا المنهج الذي يدعون إليه ؛ وهذه الشريعة التي يقال لهم : تحاكموا إليها - لا لسواها - وهذا القضاء الذي يتحتم عليهم قبوله والرضاء به... إنه منهج ميسر، وشريعة سمحة، وقضاء رحيم.. إنه لا يكلفهم شيئا فوق طاقتهم ؛ ولا يكلفهم عنتا يشق عليهم ؛ ولا يكلفهم التضحية بعزيز عليهم.. فالله يعلم ضعف الإنسان ؛ ويرحم هذا الضعف. والله يعلم أنهم لو كلفوا تكاليف شاقة، ما أداها إلا قليل منهم.. وهو لا يريد لهم العنت، ولا يريد لهم أن يقعوا في المعصية.. ومن ثم لم يكتب عليهم ما يشق، وما يدعو الكثيرين منهم للتقصير والمعصية. ولو أنهم استجابوا للتكاليف اليسيرة التي كتبها الله عليهم ؛ واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها ؛ لنالوا خيرا عظيما في الدنيا والآخرة ؛ ولأعانهم الله بالهدى، كما يعين كل من يجاهد للهدى بالعزم والقصد والعمل والإرادة، في حدود الطاقة :
( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه - إلا قليل منهم - ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به، لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ؛ وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ؛ ولهديناهم صراطا مستقيمًا )..
إن هذا المنهج ميسر لينهض به كل ذي فطرة سوية. إنه لا يحتاج للعزائم الخارقة الفائقة، التي لا توجد عادة إلا في القلة من البشر. وهذا الدين لم يجيء لهذه القلة القليلة. إنه جاء للناس جميعا. والناس معادن، وألوان، وطبقات. من ناحية القدرة على النهوض بالتكاليف. وهذا الدين ييسر لهم جميعا أن يؤدوا الطاعات المطلوبة فيه، وأن يكفوا عن المعاصي التي نهى عنها.
وقتل النفس، والخروج من الديار.. مثلان للتكاليف الشاقة، التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم. وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس ؛ وأن ينكل عنها عامة الناس. بل المراد أن يؤديها الجميع، وأن يقدر عليها الجميع، وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية ؛ وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس، وطبقات الهمم، وطبقات الاستعدادات ؛ وأن ينميها جميعا ويرقيها، في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض !
قال ابن جريج : حدثنا المثنى إسحاق أبو الأزهر، عن إسماعيل، عن أبى إسحاق السبيعي قال : لما نزلت :( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم )... الآية : قال رجل : لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا.. فبلغ ذلك النبي [ ص ] فقال :" إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبالالرواسي ".
وروى ابن أبي حاتم - بإسناده - عن مصعب بن ثابت. عن عمه عامر بن عبدالله بن الزبير. قال : لما نزلت ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) قال رسول الله [ ص ] :" لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم ".
وفي رواية له - بإسناده - عن شريح بن عبيد : قال : لما تلا رسول الله [ ص ] هذه الآية :( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم... ) الآية، أشار رسول الله [ ص ] بيده إلى عبدالله ابن رواحة، فقال :" لو أن الله كتب هذا، لكان هذا من أولئك القليل " :
وكان رسول الله [ ص ] يعرف رجاله معرفة وثيقة عميقة دقيقة ؛ ويعرف من خصائص كل منهم ما لا يعرفه كل منهم عن نفسه ! وفي السيرة من هذا الكثير من الشواهد على خبرة الرسول [ ص ] بكل واحد من رجاله ؛ وخبرته كذلك بالرجال والقبائل التي كانت تحاربه.. خبرة القائد البصير بكل ما حوله ومن حوله.. في دقة عجيبة.. لم تدرس بعد الدراسة الواجبة.
وليس هذا موضوعنا. ولكن موضوعنا أن رسول الله [ ص ] كان يعرف أن في أمته من ينهض بالتكاليف الشاقة لو كتبت عليهم. ولكنه كان يعرف كذلك أن الدين لم يجيء لهذه القلة الممتازة في البشرية كلها. وكان الله - سبحانه - يعلم طبيعة هذا " الإنسان " الذي خلقه ؛ وحدود طاقته ؛ فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين، إلا ما هو ميسر للجميع ؛ حين تصح العزيمة، وتعتدل الفطرة، وينوي العبد الطاعة، ولا يستهتر ولا يستهين.
وتقرير هذه الحقيقة ذو أهمية خاصة ؛ في مواجهة الدعوات الهدامة ؛ التي تدعو الإنسان إلى الانحلال والحيوانية، والتلبط في الوحل كالدود ! بحجة أن هذا هو " واقع " الإنسان، وطبيعته وفطرته وحدود طاقته ! وأن الدين دعوة " مثالية " لم تجيء لتحقق في واقع الأرض ؛ وإذا نهض بتكاليفها فرد، فإن مائة لا يطيقون !
هذه دعوى كاذبة أولا ؛ وخادعة ثانيا ؛ وجاهلة ثالثا.. لأنها لا تفهم " الإنسان " ولا تعلم منه ما يعلمه خالقه، الذي فرض عليه تكاليف الدين ؛ وهو يعلم - سبحانه - أنها داخلة في مقدور الإنسان العادي. لأن الدين لم يجيء للقلائل الممتازين !
وإن هي إلا العزيمة - عزيمة الفرد العادي - وإخلاص النية. والبدء في الطريق. وعندئذ يكون ما يعد الله به العاملين :
( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ).
فمجرد البدء، يتبعه العون من الله. ويتبعه التثبيت على المضي في الطريق.
ويتبعه الأجر العظيم.
وتتبعه الهداية إلى الطريق المستقيم.. وصدق الله العظيم.. فما يخدع الله - سبحانه وتعالى - عباده ؛ ولا يعدهم وعدا لا يفي لهم به ؛ ولا يحدثهم إلا حديث الصدق.. ( ومن أصدق من الله حديثًا ) ؟
في الوقت ذاته ليس اليسر - في هذا المنهج - هو الترخص. ليس هو تجميع الرخص كلها في هذا الدين وجعلها منهج الحياة. فهذا الدين عزائم ورخص. والعزائم هي الأصل والرخص للملابسات الطارئة.. وبعض المخلصين حسني النية، الذين يريدون دعوة الناس إلى هذا الدين، يعمدون إلى " الرخص " فيجمعونها ويقدمونها للناس، على أنها هي هذا الدين. ويقولون لهم : انظروا كم هو ميسر هذا الدين ! وبعض الذين يتملقون شهوات السلطان أو شهوات الجماهير، يبحثون عن " منافذ " لهذه الشهوات من خلال الأحكام والنصوص ؛ ويجعلون هذه المنافذ هي الدين !
وهذا الدين ليس هذا وليس ذاك. إنما هو بجملته. برخصه وعزائمة. ميسر للناس يقدر عليه الفرد العادي، حين يعزم. ويبلغ فيه تمام كماله الذاتي - في حدود بشريته - كما يبلغ تمام كماله الذاتي في الحديقة الواحدة : العنب والخوخ والكمثرى والتوت والتين والقثاء.. ولا تكون كلها ذات طعم واحد.. ولا يقال عن أحدها : إنه غير ناضج - حين يبلغ نضجه الذاتي - إذا كان طعمه أقل مرتبة من النوع الآخر !
في حديقة هذا الدين ينبت البقل والقثاء ؛ وينبت الزيتون والرمان، وينبت التفاح والبرقوق، وينبت العنب والتين... وينضج كله ؛ مختلفة طعومه ورتبه.. ولكنه كله ينضج. ويبلغ كماله المقدر له.. إنها زرعة الله.. في حقل الله.. برعاية الله.. وتيسير الله..