ويقول الحق بعد ذلك :
فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ٧٤ .
ومادة :" شرى " ومادة " اشترى " كلها تدل على التبادل والتقايض، فأنت تقول : أنا اشتريت هذا الثوب بدرهم ؛ أي أنك أخذت الثوب ودفعت الدرهم، وشرى تأتي أيضا بمعنى باع مثل قول الحق : وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ٢٠ ( سورة يوسف ).
فالجماعة الذين وجدوا سيدنا يوسف عليه السلام في الجب كانوا فيه من الزاهدين. وبعد ذلك باعوه بثمن بخس، إذن ف " شرى " من الأفعال التي تأتي بمعنى البيع وبمعنى الشراء ؛ لأن المبيع والمشتري يتماثلان في القيمة، وكان الناس قديما يعتمدون على المقايضة في السلع، فلم يكن هناك نقد متداول، كان هناك من يعطي بعض الحب ويأخذ بعض التمر، فواحد يشتري التمر وآخر يشتري الحب، والذي جعل المسألة تأخذ صورة شراء وبيع هو وجود سلع تباع بالمال.
وما الفرق بين السلع والمال ؟. السلعة هي رزق مباشر والمال رزق غير مباشر.
فأنت مثلا تأكل رغيف الخبز وثمنه خمسة قروش، لكن لو عندك جبل من ذهب وتحتاج رغيفا ولا تجده ؛ أينفعك جبل الذهب ؟. لا. إذن فالرغيف رزق مباشر لانك ستاكله اما الذهب فهو رزق غير مباشر لانك تشتري به ماتنفع به. وبذلك نستطيع أن نحدد المسألة ؛ فالسلعة المستفاد منها مباشرة هي رزق مباشر، ندفع ثمنها مما لا ننتفع به مباشرة، والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعقد مع المؤمن به صفقة فيها بيع وشراء. وأنتم تعلمون أن البائع يعطي سلعة ويأخذ ثمنا، والشاري يعطي ثمنا ويأخذ سلعة، والحق يقول هنا : فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ( من الآية ٧٤ سورة النساء ).
فالمؤمن هنا يعطي الدنيا ليأخذ الآخرة التي تتمثل في الجنة والجزاء، ومنزلة الشهداء ؛ ولذلك يقول الحق في آية أخرى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ( من الآية١١١ سورة التوبة ).
وقال بعدها : فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ( من الآية ١١١ سورة التوبة ).
تلك هى الصفقة التي يعقدها الحق مع المؤمنين، وهو سبحانه يريد أن يعطينا ما نتعرف به على الصفقات المربحة، فكل منا في حياته يحب أن يعقد صفقة مربحة بأن يعطي شيئا ويأخذ شيئا أكبر منه، ولذلك يقول في آية أخرى :
يرجون تجارة لن تبور ( من الآية ٢٩ سورة فاطر ).
هنا أيضا تجارة، وأنت حين تريد أن تعقد صفقة عليك أن تقارن الشيء الذي تعطيه بالشيء الذي تأخذه ثم افرق بينهما، ما الذي يجب أن يضحى به في سبيل الآخر ؟.
والحق قد وصف الحياة بأنها " الدنيا " ولا يوجد وصف أدنى من هذا، فأوضح المسألة : إنك ستعطي الدنيا وتأخذ الآخرة، فإذا كان الذي تأخذه فوق الذي تعطيه فالصفقة إذن رابحة، فالدنيا مهما طالت فإلى نهاية، ولا تقل كم عمر الدنيا، لأنه لا يعنيك أن يكون عمر الدنيا ألف قرن، وإنما عمر الدنيا بالنسبة لكل فرد : هو مقدار حياته فيها، وإلا فإن دامت لغيري فما نفعي أنا ؟..
إذن فقيمة الدنيا هي : مقدار عمرك فيها، ومقدار عمرك فيها مضنون، وعلى الرغم من ارتفاع متوسطات الأعمار في القرن العشرين، فالبعض يقول : متوسط الأعمار في أمريكا سبعون أو خمس وستون سنة، لكن ذلك لا يمنع الموت من أن يأخذ طفلا، أو فتى، أو رجلا، أو شيخا.
إن عمر الدنيا بالنسبة لكل إنسان هو : مقدار حياته فيها، فلا تقارنها بوجودها مع الآخرين، إنما قارنها بوجودها معك أنت، وهب أنه متيقن ولكنه محدود بسبعين عاما على سبيل المثال، ستجد أن تنعمك خلالها مهما كبر وعظم فهو محدود.
والإنسان منا يظل يربي إلى أن يبلغ الحلم. فإذا ما بلغ الحلم وأصبحت له حياة ذاتية، أي أن إرادته لم تعد تابعة للأب أو للأم، بينما في طفولته كان كل اعتماده على أسرته، أبوه يأتي له بالملبس فيلبسه ؛ وبالمطعم فيأكله، ويوجهه فيتوجه، لكن حينما توجد له ذاتية خاصة يقول لأبيه : هذا اللون لا يعجبني ! والأكل هذا لا يعجبني ! ! هذه الكلية لن أذهب إليها. ولا توجد للإنسان ذاتية إلا إذا وصل إلى مرحلة من العمر يستطيع أن ينسل مثله، فإذا ما أصبح كذلك نقول له : هذا هو النضج، وهو الذي يجعل لك قيمة ذاتية.
إنك إذا زرعت شجيرة بطيخ. فأنت ترعاها سقيا وتنظيما وتسميدا، وهي مازالت صغيرة وتتعهدها كي لا تخرج مشوهة، حتى تنضج، وساعة تنضج يكون الشغل الشاغل قد انتقل من الشجيرة إلى الثمرة " البطيخة "، فيقال صار لها ذاتية ؛ لأنك إن شققتها لتأكلها تجد " اللب " قد نضج، وإن زرعته تأتي منه شجيرة أخرى.
ولكن إذا ما قطفت الثمرة قبل النضج فأنت قد تجد " اللب " أبيض لم ينضج بعد، فلا تصلح تلك البذورلان تأتي وتثمر مثلها، وإذا كان " اللب " نصفه أبيض ونصفه أسود، فهي لم تنضج تماما، أما إذا وجدت " لبها " أسمر اللون داكنا فهو صالح للزراعة والإثمار، وتجد الحلاوة متمشية مع نضج البذرة. فلو كانت الثمار تنضج قبل البذور لتعجل الخلق أكل الثمرة قبل أن تربي وتنضج البذور ولانقطع النوع، ؛ لذلك لم يجعل ربنا حلاوة الثمرة إلا بعد أن تنضج البذور، وكذلك الإنسان، والحق يقول : وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ( من الآية ٥٩ سورة الزمر ).
وعندما يكون الإنسان طفلا فنحن نتركه يلهو ويرتع في البيت ويرى هذه وهذه، لكن إذا كان قادرا على نسل مثله واكتملت رجولته فعليه أن يستأذن، وحين يكون الإنسان بهذا الشكل تصير له ذاتية، ولنفترض أنه سيعيش عددا من السنين تبلغ حوالي الخمسة والخمسين عاما بعدما صارت له ذاتية ويستطيع النسل إنه سيقضي مراهقته في التعلم إلى أن يصبح صالحا لأن يكسب ويعيش ويتمتع، ثم لنسأل : كم سنة سيتمتع ؟ سنجدها عددا قليلا من السنوات.
إذن فالحياة محدودة، والمتعة فيها على قدر إمكاناته، فقد يسكن في شقة من حجرتين أو في شقة مكونة من ثلاث حجرات، أو في منزل خاص صغير أو حتى في قصر، وقد يركب سيارة أو يمشي على قدميه، باختصار على قدر إمكاناته، أما في الآخرة فالموقف مختلف تماما، سيسلم نفسه إلى حياة عمرها غير محدود، فإن قارنت المحدود بغير المحدود ستجدالغلبة للآخرة لأنها متيقنة والنعيم فيها على قدر سعة فضل الله وقدرته، فالأحسن لنا أن نبيع الدنيا ونأخذ الآخرة، فتكون هذه هي الصفقة الرابحة التي لا تبور.
ولماذا يدخل الله العبد في عملية البيع هذه ؟ ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قبل أن يعرض عليك الصفقة لتدخل في عملية البيع التي تجهدك إن لم تقتل أو تقتل في سبيل الله لابد أن يوضح لك كيفية الغاية التي تأخذ بها الفوز في الآخرة، ولن تأخذ هذا الفوز بالكلام فقط، ولكن انظر إلى المنهج الذي ستقاتل من أجله، إنه تأسيس المجتمع الذي يؤدي كل امرئ فيه الأمانة، وهذا الأمر لا يحزن منه إلا من يريد أن يأخذ عرق الناس ويبني جسمه من كدهم وتعبهم، وهات مجتمعا لا يؤمن بالله وقل : يا أيها الناس نريد أن يؤدي كل واحد منكم الأمانة التي عنده، نريد أن نحكم بالعدل، فسيفرح أهل هذا المجتمع.
إذن فلكي نحمي المجتمع لابد أن نؤدي الأمانة وأن نقيم العدالة. ومن قبل ذلك أمرنا أن نعبد إلها واحدا فلا نتشتت، ثم أوصانا بالوالدين والأقربين، أو اليتامى والمساكين.
قل لي بالله عليك : لو لم يكن هذا دينا من السماء، وكان تشريعا من أهل الأرض، أهناك أعدل من هذا ؟.
إن مثل هذا المنهج الذي يكفل أمان الجميع يستحق أن يدافع الإنسان عن تطبيقه. وقبل أن يفرض علينا القتال أوضح سبحانه : هذا هو المجتمع الذي ستقاتلون من أجله، واعلم أنك ساعة تذهب إلى القتال، أقصى ما فيها أن تقتل، فستأخذ صفقة الآخرة، وقصرت مسافة غاياتك ؛ لأن كل شيء إنما يقاس بزمن الغاية له، فإن قتلت فقد قصرت المدة للوصول إلى الغاية، فتصل إلى الجنة، والحمق هو الذي يصيب الناس عندما يموت عزيز أو حبيب فيغرقون في الحزن. نقول لهم : ألسنا جميعا سائرين إلى هذه الغاية، فلماذا الغرق في الحزن إذن ؟.
والحق سبحانه وتعالى يكافئ من يقتل في سبيل الله بحياة في عالم الغيب وفيها رزق أيضا. وبعض من الناس يظنون أنهم إن فتحوا قبر الشهيد فسيجدونه حيا يرزق. ونقول لهم : إن الحق لم يقل : إن الشهداء أحياء عندكم، بل أحياء عنده في عالم الغيب. والحق سبحانه يطلب من الذي اقتنع بالإسلام أن ينشره، وأن يعدل المسلمون بين أنفسهم لتنصلح أمورهم، وأن يواجهوا أصحاب الشر الذي لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة.
ولم تأمر السماء بقتال قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان الرسول من السابقين على محمد صلى اله عليه وسلم يبلغ قومه برسالته، فإن آمنوا فبها ونعمت وإن لم يؤمنوا تتدخل السماء بالعقاب، بريح صرصر، رجفة، صيحة، خسف الأرض بهم، إغراق، فالرسول قبل محمد صلى الله عليه وسلم كان يبلغ، والسماء تعاقب من لم يؤمن. وما وجد قتال إلا إذا اقترحوا هم القتال، مثل بني إسرائيل، قال الحق : ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ( من الآية ٢٤٦ سورة البقرة ).
هم الذين اقترحوا، لكن القتال الذي يثبت المبدأ وينشر المنهج لإعلاء كلمة الله، وسيطرة الخلافة الأمنية الإيمانية على الأرض، لم يشرع إلا على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان الله لم يأمن خلقا على خلق إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد جعلها أمينة. فأنتم أمناء أن تتولوا عن السماء تأديب المخالف، وبذلك أخذتم المستوى العالي في المنهج والمستوى العالي في الرسالة. وأكرم الله نبيه فقال : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ( من الآية ٣٣ سورة الأنفال ).
فجاء القتال وحارب المسلمون وهم ضعاف المجتمعات الفاسدة القوية. والشاعر يقول :
فقوى على الضلال مقيم **** وقطيع من الضعاف يجاري
هذا القتال لو لم يجيء به دين، ألا تقوم به الأمم التي لا دين لها لإصلاح أمرها ؟ إنها تقاتل، فلماذا يكون مباحا منهم أن يقاتلوا كي يقرروا مبادئهم، وعندما يأتي الدين ليشرع القتال يقولون : لا. هذا دين سيف.
نقول لهم : بالله لماذا إذن تحارب الشعوب ؟ أنت تجد شعوبا تتحارب وتجد ظلما يحارب ظلما آخر، فإذا ما وجد عدل ليزحزح ظلما نقف في طريقه ؟ لا. وذلك حتى نعرف أن المسألة مسألة رسالة من السماء لا طغيان ذوات اجتمعوا أو بيتوا مؤامرة لصنع انقلاب يسيطرون به على الناس.
لقد جاء الإسلام وآمن به الضعاف الذين لا يملكون أن يقاتلوا، فلم يكن باستطاعتهم أن يحموا حتى أنفسهم ؛ ذلك حتى نعرف أن الحق ساعة يأتي، يأتي عادة لا من قوى بل يأتي من ضعيف تعب كثيرا كي يثبت الإيمان، والإسلام نادى ودعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة لكنه لم ينتصر كدين ولم يسطع إلا من المدينة. فمكة بلد محمد وفيها قبيلته قريش التي ألفت السيادة على الجزيرة كلها ولا أحد يستطيع أن يقرب منها بعدوان، ولم تكن هناك قوة تستطيع أن تعترض قوافلها بالتجارة إلى الجنوب أو إلى الشمال.
إن أي قبيلة تخاف أن تتعرض لها في الطريق ؛ لأن القبائل ستأتي إلى قريش في موسم الحج، وتخاف كل قبيلة من انتقام قريش، فل
تفسير الشعراوي
الشعراوي