ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ

وبعد ذلك يقول الحق سبحانه مخاطبا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :
فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ٨٤ .
وحين ترى جملة فيها الفاء فاعلم أنها مسببة عن شيء قبلها، وإذا سمعت مثلا قول الحق سبحانه وتعالى : ثم أماته فأقبره٢١ ( سورة عبس ).
ومعنى ذلك أن القبر جاء بعد الموت، فإذا وجدت " الفاء " فاعرف أن ما قبلها سبب فيما بعدها، ويسمونها " فاء السببية ".
فما الذي كان قبل هذه الآية لتترتب عليه السببية في قول الله سبحانه لسيدنا رسول الله : فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك نقول : مادام الأمر جاء " فقاتل "، فعلينا أن نبحث عن آيات القتال المتقدمة، ألم يقل قبل هذه الآية : فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ٧٤ ( سورة النساء ).
والآية الثانية : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء ( من الآية ٧٥ سورة النساء ).
إذن أمر القتال موجود من الله لمن ؟ لرسول الله، والرسول يبلغ هذا الأمر للمؤمنين به، والرسول يسمعه من الله مرة واحدة ؛ لذلك فإنه صلى الله عليه وسلم أول من يصدق أمر الله في قوله : فليقاتل في سبيل الله . ثم ينقلها إلى المؤمنين، فمن آمن فهو مصدق لرسول الله في هذا الأمر. فالرسول هو أول منفعل بالقرآن فإذا قال الحق : فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا ( من الآية٧٤ سورة النساء ).
أو عندما يقول له الحق : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ( من الآية٧٥ سورة النساء ).
ومادام الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول منفعل بأوامر الله، فإذا جاءه الأمر فعليه أن يلزم نفسه أولا به، وإن لم يستمع إليه أحد وإن لم يؤمن به أحد أو لم يتبعه أحد، وهذا دليل على أنه واثق من الذي قاله له : ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله ومادام صلى الله عليه وسلم هو أول منفعل فعليه اولا نفسه ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بإقباله على القتال وحده، إنما يدل من سمع القرآن على أن الرسول الذي نزل عليه هذا القرآن، أول مصدق، ومحمد لن يغش نفسه. فقبل أن يأمر المؤمنين أن يقاتلوا، يقاتل هو وحده. ولذلك نجد أن سيدنا أبا بكر الصديق رضوان الله عليه حينما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وحدثت الردة من بعض العرب، وأصر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقاتل المرتدين وقال : لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لجالدتهم عليه بالسيف. وحاول بعض الصحابة أن يثنى أبا بكر الصديق عن عزمه فقال : والله لو عصت يميني أن تقاتلهم لقاتلتهم بشمالي.
إذن فقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم : فقاتل في سبيل الله ينبهنا إلى أن هناك فرقا بين البلاغ وبين تنفيذ المبلغ. ومادام الرسول صلى الله عليه وسلم قد سمع من الله، فهو ملزم بتطبيق الفعل أولا، وبعد ذلك يبلغ الرسول المؤمنين، فمن استمع إليه فعل فعله.
وقول الحق : لا تكلف إلا نفسك هو تكليف بالفعل لا بالبلاغ فقط، فالرسول يبلغ، لكن أن يفعل المؤمنون ما بلغهم به عن الله أو لا يفعلوا فهذا ليس من شأنه ولا هو مكلف به. ولكن على الرسول ان يلزم ويكلف نفسه ليقاتل في سبيل الله. فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك .
أمعنى ذلك أن يترك الرسول الذين آمنوا به لنفوسهم ؟. لا. فالحق قد أوضح : عليك أيضا أن تحرضهم على القتال فلا تتركهم لنفوسهم : وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ومعنى " حرض " مأخوذ من " الحرض " وهو ما به إزالة العوائق وما ينظف الأيدي والملابس مما يرين عليها ويعلوها من الوسخ والدنس، فعليك يا رسول الله أن تنظر في أمر صحابتك وإتباعك وتعرف لماذا لا يريدون أن يقاتلوا، وعليك أن تنفض عنهم الموانع وتزيل العوائق التي تمنعهم أن يقاتلوا.
وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ، وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقول لرسوله : إنك لا تنصر بالكثرة المؤمنة بك، ولكن المؤمنين هم ستر ليد الله في النصر، فالنصر منه سبحانه : وما النصر إلا من عند الله ( من الآية١٢٦ سورة آل عمران ).
وورود كلمة " بأس " في الآية التي نحن بصددها، يراد بها القوة والشدة في الحرب، ويراد بها المكيدة، ويراد بها هزيمة الأعداء. فكلمة " بأس " فيها معان بشريتك : كيف أقاتل هؤلاء وحدي فإن القوم المؤمنين معك وإذا ما دخلوا القتال فهم لا ينصرونك ولكنهم يسترون يد الله في النصر : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ( من الآية١٤ سورة التوبة ).
ولماذا لا ينصر الله المؤمنين والرسول مباشرة دون قتال لغيرهم من الكفار والمشركين ؟. لأن النصر لو جاء بسبب غيبي من الحق ربما قالوا ظاهرة طبيعية قد نشأت.. ولكن الحق يريد أن يظهر أن القلة المؤمنة هي التي غلبت، فالمؤمن يقبل على الأسباب ولا ينسى المسبب، فحينما نظر المسلمون إلى الأسباب فقط في " حنين "، وقال بعضهم : لن نهزم عن قلة فنحن كثير، هنا ذاق المسلمون طعم الهزيمة أولا، وبعد أن أعطاهم الحق الدرس التأديبي أولا.. نصرهم ثانيا. والحق يقول : ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ( من الآية ٢٥ سورة التوبة ).
وهذا لفت للمؤمنين أن يكونوا مع الأسباب ويتذكروا المسبب دائما ؛ لأن الأسباب إنما تأتي فقط لإثبات أن الله مع المؤمنين فلو أن المؤمنين انتصروا بأي سبب غيبي آخر لقال الأعداء : إن هذا الذي حدث هو ناتج ظاهرة طبيعية. والفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة المادية في الخصوم ما حدث لسيدنا إبراهيم عليه السلام. فلم يرد الحق مجرد إنقاذ سيدنا إبراهيم من النار ؛ لأن الأمر لو كان كذلك لما مكن أعداء إبراهيم عليه السلام من القبض عليه.. ولو فعل الحق ذلك لقال أعداء سيدنا إبراهيم : آه لو كنا قد أمسكنا به، ولكان ذلك فرصة لكفرهم.
ولكن الحق يجعلهم يمسكون بإبراهيم عليه السلام : وترك النار تتأجج، ويقطع سبحانه الأسباب : قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم٦٩ ( سورة الأنبياء ).
هذه هي النكاية، فلو جاء إنقاذ إبراهيم بطريق غير ذلك من الأمور الغيبية غير المادية المحسة، لوجد خصوم إبراهيم المخارج لتبرير هزيمتهم.
ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يوضح لرسوله : يا محمد انا الذي أرسلتك، ولم أكلك إلى نصرة من يؤمن بك، وإنني قادر على نصرك وحدك بدون شيء، ولكن أردت لأمتك التي آمنت بك أن ينالها يمن الإيمان بك فيستشهد بعضها، فتثاب الأمة، وتنتصر فتعلو وترتفع هامتها على العرب، فلو كان الأمر مقصورا على نصر رسول الله لنصره الله دون حرب أو جهاد.
وقول الحق سبحانه : عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا أي أنه سبحانه قادر على أن يوقف ويمنع حرب وكيد الكافرين فيبطله ويهزمهم. وهذا ما حدث، فبعد موقعة " أحد " التي ماعت نهايتها ولا يستطيع أحد أن يحدد من المنتصر فيها ومن المهزوم ؛ لأن رسول الله قد انتصر أولا، ثم خالف الرماة أمر رسول الله، فحدث خلل في صفوف المقاتلين المسلمين، ولكن لم يبق المحاربون من قريش في مكان المعركة، وأيضا لم يتجاوزوها إلى داخل المدينة، ولذلك لم تنته معركة أحد بنصر أحد. وبعد ذلك هددوا بأن الميعاد في بدر الصغرى في العام القادم.
ومر العام، وجاء الميعاد، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج، فلما طالب بالخروج وجد كسلا من القوم، ولم يطعه إلا سبعون رجلا، وخرجوا إلى المكان المحدد. وأثبتوا أنهم لم يخافوا الموقف، وقذف الله الرعب في قلب أبي سفيان وقومه فلم يخرجوا. إذن فربنا قادر أن يكف بأس الذين كفروا، فقد أقام رسول الله في المكان، وجلس مع المقاتلين وكان معهم تجارة وباعوها وغنم المسلمون الكثير من هذه التجارة.
عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا وكلمة " عسى " في اللغة تأخذ أوضاعا متعددة، ف " عسى " معناها في اللغة الرجاء، كقول واحد : عسى أن يجيء فلان. أي : أرجو أن يجيء فلان. أو قول واحد مخاطبا صاحبا له : عسى أن يأتيك فلان بخير. وهذا رجاء أن يأتي فلان إلى فلان ببعض الخير، وقد يأتي فلان بالخير وقد لا يأتي، لكن الرجاء قد حدث.
وقد يقول واحد لصاحبه : عسى أن آتيك أنا بخير. هنا يكون الرجاء أكثر قوة ؛ لان الرجاء في الأولى في يد واحد آخر غير المتحدث، أما الخير هنا فهو في يد المتحدث. لكن أيضمن المتحدث أن توجد له القوة والوجود حتى يأتي بالخير لمن يتحدث إليه ؟.
إنه صحيح ينوي ذلك ولكنه لا يضمن أن توجد عنده القدرة.
وإذا قال قائل : عسى الله أن يأتيك بالفرج. هذه هي الأوغل في الرجاء. لكن هل من يقول ذلك واثق من أن الله يجيب هذا الرجاء ؟. قد يجيب الله وقد لا يجيب وفقا لإرادة الله لا لمعايير من يرجو أو المرجو له. أما عندما يقول الحق عن نفسه : عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا فهذا هو القول البالغ لنهايات كل الرجاءات. ف " عسى " بمراحلها المختلفة تبلغ قمتها عندما يقول الحق ذلك.
وهكذا نرى مراحل " عسى ". أن يقول قائل : عسى أن يفعل لك فلان خيرا. هذه مرحلة أولى في الرجاء، وأن يقول قائل : عسى أن آتيك أنا بخير. هذه مرحلة أقوى في الرجاء، فقد يحب الإنسان أن يأتي بالخير لكن قد تأتي له ظروف تعوقه عن ذلك. وأن يقول قائل : عسى الله أن يفعل كذا، هذه مرحلة أكثر قوة ؛ لأن الخير فيها منسوب إلى القوة العليا، لكن هذا الرجاء قد يجيبه الله وقد لا يجيبه.
والأقوى على الإطلاق هو أن يقول الله عن نفسه : عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا
و " عسى " بالنسبة لله رجاء محقق لأنه إطماع من الله عز وجل، والإطماع منه واجب تحققه لأنه سبحانه هو الذي يحثنا ويدفعنا إلى الطمع في فضله لأنه كريم، وهو القائل سبحانه : عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا لأن أصحاب البأس من الخلق هم أهل أغيار، فالقوي منهم قد يضعف أو يصاب ببعض من الرعب فتخلخل عظامه. أما واهب الفعل وواهب القوى لخلقه فهو القادر على أن يفعل فهو الأشد بأسا وهو سبحانه أشد تنكيلا.
وساعة يسمع الإنسان أي شيء من مادة " نكل " فعليه أن يعرف أنها مأخوذة من " النكل " وهو القيد. وعندما يوقع الحاكم مثلا العذاب على مرتكب لجريمة، والشخص الذي يرى هذا العذاب يخاف من ارتكاب مثل هذه الجريمة، فكان الحاكم قد قيدهم بالعذاب الذي أنزله بأول مجرم أن يفعلوا مثل فعله. ولذلك يقال على ألسنة الحكام : سأجعل من فلان نكالا. أي أن القائل سيعذب فلانا، بحيث يكون عبرة لمن يراه فلا يرتكب جريمة مثلها أبدا خوفا من أن تنزل به العقوبة التي نزلت ولحقت بمن فعل الجريمة.
إذن فالتنكيل والنكال والنكل كلها راجعة إلى القيد الذي يمنع إنسانا أن يتحرك نحو الجريمة، أو قيد يمنع الإنسان أن يرجع إلى الجريمة التي فعلها أولا، أو أن هذا القيد وهو العذاب الذي عوقب به مرتكب الجريمة يكون ماثلا أمام الناس يحذرهم من الوقوع فيها كي لا تنالهم عقوبتها ونكالها.
إن الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق ووزع عليهم فضل المواهب فلا يوجد واحد قد جمع كل ا

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير