ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

٩٧ قوله تعالى : إن الذين توافهم الملائكة (١) إلى آخر(٢) القصة : نزلت الآية في قول ابن عباس وغيره في قوم من أهل مكة كانوا قد أسلموا ولم يهاجروا حتى هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم، فمنهم من فتن فافتتن ومنهم من خرج مع الكفار يوم بدر، فقتل وأبى الله تعالى قبول عذر من اعتذار(٣) منهم ؛ إذ قالوا : كنا مستضعفين في الأرض، ثم عذر تعالى أهل الصدق، فقال : إلا المستضعفين الآية. وقال السدي : يوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر كافرا حتى يهاجر(٤)، إلا من لا يستطيع حيلة وهذا قول ضعيف، بل غاية من لم يهاجر وهو باق على الإسلام أن يكون عاصيا بتركه(٥) الهجرة. وتحصيل القول في الهجرة أن الله تعالى افترض بهذه الآية على من أسلم بين أظهر الكفار أن يهاجر عنهم، وهذه الهجرة باقية إلى يوم القيامة. وأما الهجرة المنقطعة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها : " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد / ونية، وإذا(٦) استنفرتم فانفروا " (٧)، فهي أن يبتدئ أحد من أهل مكة أو غيرها هجرة بعد الفتح، فينال بها درجة من هاجر من قبل الفتح، ويستحق أن يسمى باسمهم ويلحق بجملتهم ؛ لأن فرض الهجرة ساقط، بل كان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته(٨) إلى هلم جرّا. وذكر أبو عبيد(٩) في كتاب " الأموال " أن الهجرة كانت على غير أهل مكة من الرغائب ولم تكن فرضا. يدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام للذي سأله عن الهجرة : " إن شأنها(١٠) لشديد، فهل لك من(١١) إبل تؤدي زكاتها ؟ قال : نعم، قال : فاعمل من وراء البحار، فإن الله تعالى لم يترك من عملك شيئا "، ولم يوجب عليه الهجرة(١٢). فيأتي على هذا القول أن الهجرة(١٣) الآن ليست بفرض على من هو ببلاد الكفار، ولكن هو مندوب إلى ذلك. والأصح ما قدمناه ؛ لأن الآية وإن كانت نزلت في أهل مكة فهي محمولة على عمومها فيهم وفي غيرهم، فاتفق على أن أهل مكة كانت الهجرة على من أسلم منهم قبل الفتح واجبة، واختلف في سواهم. فعلى قول أبي عبيد لم تكن واجبة، وعلى قول غيره من الناس كانت واجبة، والقولان جاريان إلى زماننا هذا، إلا أن في وقت النبي صلى الله عليه وسلم كانت الهجرة أوجب بلا خلاف. وقد قال مالك رحمه الله تعالى(١٤) : إن الآية تقتضي أن كل من كان في بلد تغير فيها السنن ينبغي أن يخرج منه. واختلف فيمن خرج غازيا في سبيل الله(١٥) فمات قبل لقاء العدو أو إحراز مغنم، فقيل : لا شيء له وهو قول الجمهور. وذهب بعضهم إلى أن له سهمه من الغنيمة، واستدل قائل ذلك بهذه الآية : ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله الآية [ النساء : ١٠٠ ]، والمراغم المتحول والمهرب، قال ابن عباس وغيره. قال الجعدي :
عزيز المراغم والمهرب(١٦)
وقال آخر :

إلى بلد غير داني المحل بعيد المراغم والمضطرب(١٧) (١٨)
وقيل : المراغم المهاجر. وقيل : لمن خرج عما يكره. وقيل : المبتغي المعيشة، وأصل : المراغم الموضع(١٩) الذي يراغم فيه كل واحد من الفريقين صاحبه، أي يرغم فيه أنفه. والسعة سعة البلاد(٢٠) وقيل : سعة من الضلالة إلى الهدى.
١ في (ب) و(ج) و(د): زيادة: "ظالمي أنفسهم"..
٢ في (هـ): "إلخ"..
٣ كلمة "من اعتذر" سقطت في (ب) و(ج) و(د)..
٤ "حتى يهاجر" سقطت في (هـ)..
٥ في (هـ): "بترك"..
٦ في غير (هـ): "فإذا"..
٧ أخرجه البخاري في كتاب الصيد: باب١٠، وفي أول كتاب الجهاد، وفي المناقب، وفي كتاب المغازي، كما أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، وأخرجه الترمذي في كتاب السلم، باب٣٣، وأخرجه النسائي في كتاب البيعة، باب١٥، وأخرجه الدار مي في كتاب السنن، باب٦٩، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده: ج١، ص ٢٢٦، ٢٦٦، ٣١٦، ٣٥٥، ٢/٥، ٣/٢٢، ٤٠١، ٤٣٠، ٥/٧١، ١٨٧، ٦/٤٦٦. وانظر حول "الهجرة" الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار لأبي بكر محمد ابن موسى الحازي، ص٣٠٩ – ٣١٢..
٨ في (هـ): "زمانه"..
٩ في (ج) و(د) و(هـ): "أبو عبيدة"..
١٠ في (د): "شأنك"..
١١ في (ب) و(ج) و(د): "في إبل"..
١٢ انظر صحيح البخاري: كتاب الزكاة، باب ٣٦، ص ١٢٣، وسنن أبي داود: باب١، ص ٦، وسنن النسائي: كتاب البيعة، باب١١، ص ١٤٣، ومسند الإمام أحمد، ج، ص ١٤ و ٦٤..
١٣ قوله: "فيأتي على هذا القول أن الهجرة" ساقط في (ج)..
١٤ قوله: "تعالى" سقطت في (د) و(هـ)..
١٥ في (هـ): "الله تعالى"..
١٦ انظر لسان العرب: ج١، ص ١١٩٣..
١٧ نفس المصدر ج١، ص ١١٩٣..
١٨ المتقارب.
١٩ "الموضع" كلمة سقطت في (ب) و(ج) و(د)..
٢٠ في (ب) و(ج) و(د): "وقيل سعة الرزق"..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير