ذكر البغوي : أن ناسا من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا منهم قيس بن الفاكة بن المغيرة وقيس بن الوليد بن المغيرة وأشباههما، فلما خرج المشركون إلى بدر خرجوا معهم فقتلوا مع الكفار. وروى البخاري عن ابن عباس " أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم أو يضرب فيقت. قلت : قوله يكثر سواد المشركين يدل على أنهم لم يكونوا يقاتلون،
وأخرج ابن مندة وسمى منهم في روايته قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكة بن المغيرة والوليد بن عتبة بن ربيعة وعمرو ابن أمية سفيان وعلي بن أمية بن خلف، وذكر شأنهم أنهم خرجوا غلى بدر فلما رأوا قلة المسلمين دخلهم شك وقالوا غر هؤلاء دينهم فقتلوا ببدر. قلت : وهذه الرواية يعني قوله دخلهم شك يدل على ارتدادهم، ونظم القرآن لا يدل على كفرهم، وأخرجه ابن أبي حاتم وزاد فيهم الحارث ابن ربيعة بن الأسود والعاص بن عتبة بن حجاج.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال : كان قوم بمكة قد أسلموا فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا وخافوا، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يخفون الإسلام فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر فأصيب بعضهم فقال المسلمون : هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت إن الذين توفاهم يحتمل الماضي والمضارع بحذف أحد التائين، والتوفي قبض الروح الملائكة قيل : أراد به ملك الموت وحده لما ورد في قوله تعالى : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم (١) والعرب قد يخاطب الواحد بلفظ الجمع، والصحيح أنه أراد ملك الموت وأعوانه، لما روى أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة بطوله وفيه رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا احتضر المؤمن أتت ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون : اخرجي راضية مرضية عنك إلى روح وريحان ورب غير غضبان " الحديث، وأما الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون : اخرجي ساخطة مسخوطة عليك إلى عذاب الله عز وجل " (٢) الحديث،
وروى أحمد عن البراء بن عازب حديثا طويلا وفيه " إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، ثم جلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط " الحديث. " وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله، قال : فتفرق في جسده فينزعها كما ينزل السفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح " (٣) الحديث،
وفي رواية ابن جرير وابن المنذر وابن عباس : أنه لما نزلت هذه الآية كتب المسلمون إلى من بقي منهم بمكة وأنه لا غنى لهم فخرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت فيهم : فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله (٤) فكتب إليهم المسلمون بذلك فقالوا : نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه، فخرجوا فلحقوهم فنجا منهم من نجا وقتل من قتل فنزلت ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا (٥) الآية ظالمي أنفسهم بترك فريضة الهجرة والمقام بدار الشرك وارتكاب معصية موافقة الكفار، حال من الضمير المفعول، قال البغوي : قيل لم يكن يقبل الإسلام بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالهجرة ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لا هجرة بعد فتح مكة " (٦) رواه أبو داود وأحمد بسند صحيح عن مجاشع بن مسعود وابن جرير عن الضحاك والصحيح أن الهجرة من دار الكفر على من قدر عليها فريضة محكمة بالإجماع غير منسوخة، وهذه الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن فيه إقامة شرائع الإسلام، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم :" لا هجرة بعد فتح مكة " أن مكة بعد الفتح صارت دار السلام ولم تبق الهجرة من مكة بعد الفتح واجبة ومن هاجر من مكة بعد الفتح لا يعد من المهاجرين ولا يدرك ثوابهم وكون الهجرة فريضة لا يستلزم عدم قبول إسلامهم والحكم بأنهم ليسوا بمؤمنين بل يقتضي عصيانهم وترك موالاتهم، قال الله تعالى : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق (٧) قالوا أي الملائكة توبيخا، جملة قالوا خبر إن والعائد محذوف أي قالوا لهم وجاز أن يكون حالا، من الملائكة بتقدير قد أو من الضمير المنصوب في توفاهم الملائكة بتقدير قد والضمير أي قد قالوا لهم، فيم كنتم مقولة قالوا أي في شيء كنتم أفي الإسلام كما يدل عليه إقراركم به أم في الكفر كما يدل عليه مقامكم مع الكفار وموافقتكم بهم بلا عذر قالوا يعني المتوفين الذين تركوا فريضة الهجرة هذا خبر إن على تقدير كون ما قبله حالا، وجملة مستأنفة على تقدير كونه خبر أن كأنه في جواب السائل ما قالت المتوفون إذا قالت الملائكة ما ذكر فأجيب بأنهم قالوا كنا مستضعفين في الأرض أي أرض مكة لم نقدر على مقاومة الكفار ومخالفتهم، أو كنا عاجزين عن إظهار الدين وإعلاء كلمته قالوا أي الملائكة تكذيبا لهم وتبكيّتا، جملة مستأنفة في جواب ما قالت الملائكة حين اعتذر المتوفون ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها يعني كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى أرض لا تمنعون فيها من إظهار الإسلام ومخالفة الكفار وإعلاء كلمة الله كما فعل المهاجرون إلى المدينة والحبشة، ونصب فتهاجروا على جواب الاستفهام فأولئك أي المتوفون ظالمي أنفسهم مأواهم جهنم الفاء للتعقيب والسببية بعني لأجل تركهم الهجرة مأواهم جهنم، وذا لا يستلزم الكفر ولا الخلود في جهنم، والجملة معطوفة على جملة قبلها مستنتجة منها، وجاز أن يكون جملة فأولئك خبر إن والفاء فيه لتضمن الاسم معنى الشرط وما قبله حال أو استئناف وساءت مصيرا مصيرهم أو جهنم، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنة وكان رفيقه أبوه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليهما وسلم " أخرجه الثعلبي من حديث الحسين مرسلا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خير مال المسلم الغنم يتبع بها شغف الجبال يفر بدينه من الفتن " (٨) رواه البخاري غيره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن الحج يدهم ما كان قبله " (٩) رواه مسلم عن عمرو بن العاص.
٢ أخرجه النسائي في كتاب: الجنائز، باب: ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه (١٨٢٤)..
٣ رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. انظر مجمع الزوائد في كتاب: الجنائز، باب: السؤال في القبر (٤٢٦٦)..
٤ سورة العنكبوت، الآية: ١٠..
٥ سورة النحل، الآية: ١١٠..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: لا هجرة بعد الفتح (٣٠٧٨) وأخرجه النسائي في كتاب: البيعة، باب: ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة (٤١٦٧)..
٧ سورة الأنفال، الآية: ٧٢.
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: من الدين الفرار من الفتن (١٩)..
٩ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج (١٢١)..
التفسير المظهري
المظهري