ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

هؤلاء هم الذين يظلمون أنفسهم بعدم المشاركة في الجهاد وهذا ما يحدث لهم عندما تقبض الملائكة أرواحهم. و " التوفي " معناه " القبض " ؛ فيقال :" توفيت ديني " أي قبضته مستوفيا. ويقال :" توفى الله الإنسان " أي قبضه إليه مستوفيا. والقبض له آمر أعلى، وهو الحق. ومن بعد ذلك هناك موكل عام هو " عزرائيل " ملك الموت، وهناك معاونون لعزرائيل وهم الملائكة. فإذا نسبت الوفاة فهي تنسب مرة لله، فالله يتوفى : لأنه الآمر الأعلى، وتنسب الوفاة للملائكة في قوله : حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ( من الآية ٦١سورة الأنعام ).
وتنسب الوفاة الى عزرائيل " قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم " من الاية ١١ سورة السجدة وإذا ما أطلق الحق هذه الأساليب الثلاثة في وصف عملية الوفاة فهل هذا اختلاف وتناقض وتضارب في أساليب القرآن ؟ لا، بل هو إيضاح لمراحل الولاية التي صنعها الله، فهو الآمر الأعلى يصدر الأمر إلى عزرائيل، وعزرائيل يطلق الأمر لجنوده. وفي حياتنا ما يشرح لنا هذا المثل ولله المثل الأعلى فالتلميذ قد يذهب إلى المدرسة بعد امتحان آخر العام ويعود إلى بيته قائلا : لقد وجدت نفسي راسبا، والسبب في ذلك هم المدرسون الذين قصدوا عدم إنجاحي.
ويرد عليه والده : المدرسون لم يفعلوا ذلك، ولكن اللوائح التي وضعتها الوزارة لتصحيح الامتحانات هي التي جعلتك راسبا. فيرد التلميذ : لقد جعلني الناظر راسبا. وهذا قول صحيح ؛ لأن الناظر يطبق القوانين التي يحكم بمقتضاها على الطالب أن يكون ناجحا أو راسبا. وقد يقول التلميذ : إن وزير التربية والتعليم هو من جعلني راسبا. وهذا أيضا صحيح ؛ لأن الوزير يرسم مع معاونيه الخطوط الأساسية التي يتم حساب درجات كل تلميذ عليها، فإذا قال التلميذ : لقد جعلتني الدولة راسبا، فهو قول صحيح ؛ لأنه فهم تسلسل التقنين إلى مراحل العلو المختلفة، وأي حلقة من هذه الحلقات تصلح أن تكون فاعلا. ومن هنا نفهم أن الحق سبحانه حين يقول : والله يتوفى الأنفس حين موتها ( من الآية٤٢ سورة الزمر ).
فهذا قول صحيح، مثل قوله سبحانه : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ( من الآية١١ سورة السجدة ).
ومثل قوله سبحانه : توفته رسلنا ( من الآية ٦١سورة الأنعام ).
كل هذه الأقوال صحيحة ؛ لأنها تتعلق بمدارج الآمر.
إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم والظلم هو أن تأتي لغير ذي الحق وتعطيه ما تأخذ من ذي الحق، والظلم يقتضي ظالما ومظلوما وأمر وقع الظلم فيه. فكيف يكون الإنسان ظالما لنفسه وتتوفاه الملائكة على ذلك ؟. لابد أنهم فعلوا ما يستحق ذلك. فساعة تأتي للإنسان الشخصية المعنوية الإيمانية بعد أن آمن بالله وآمن بالمنهج، ثم تحدثه نفسه بالمخالفة، هنا يواجه صراعا بين أمرين : مسئولية الشخصية الإيمانية التي تقبل بها المنهج من الله، ووازع النفس التي تلح عليه بالانحراف. ويدور ما هو أشبه بالحوار بين المسئولية الإيمانية ووازع النفس الملح بالانحراف. وعندما تتغلب النفس الإيمانية يعرف الإنسان أن نفسه صارت مطمئنة وسعيدة، ويقول لنفسه : إنك إن طاوعت وازع الانحراف تكن قد حققت شهوة عاجلة ستكوى بها في آخر الأمر، وأنت برفضك للشهوة تكون قد أنصفت نفسك. ولو طاوعت شهوتك العاجلة تكون قد ظلمت نفسك مثل ذلك يحدث في حياتنا العادية : عندما تدلل الأم ابنها بينما يطلب منه والده الاستذكار ويحاول أن يردعه ليقوم بمسئوليته الدراسية، وإن هذه الأم تظلم ابنها، وكذلك يعطينا الحق فكرة عن الصراع بين الشخصية الإيمانية والنفس الانحرافية التي تريد الهوى فقط فيقول : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين٢٧ ( سورة المائدة ).
هنا يقول هابيل لقابيل :
ولماذا تقتلني ؟. إنني لست أنا الذي تقبل القربان ولكن الذي تقبله هو الله فما ذنبي ؟.
ويأتي بعد ذلك الحوار : لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين٢٨ ( سورة المائدة ).
ولنلتفت إلى هذا القول الحكيم : فطوعت له نفسه قتل أخيه ( من الآية ٣٠سورة المائدة ).
كأن هناك صراعا في نفس قابيل بين أمرين " اقتل " و " لا تقتل "، النفس الإيمانية تقول :" لا تقتل " والنفس الشهوانية تقول :" بل عليك أن تقتل ".
وتغلبت النفس الشهوانية عندما طوعت له قتل أخيه، ومهدت له ذلك. وبعد أن قتل أخاه، وضاعت شرة الغضب صار من النادمين، ثم بدات الحيثيات تظهر وتتضح. ويبعث الله غرابا يبحث ويحفر في الأرض ليواري جثة غراب آخر. هنا قال قابيل : أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي ( من الآية ٣١سورة المائدة ).
وهكذا نرى أن ظلم النفس هو أن نخالف ما شرع الله للنفس لينفعها نفعا
أبديا مستوفيا، ولكن النفس قد تندفع وراء حبها للشهوات وتمنيها للنفع العاجل الذي لا خلود له، وعندما يحقق الإنسان هذا النفع العاجل لنفسه فهو يظلم نفسه.
إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم إذن فالملائكة تسأل ظالمي أنفسهم : فيم كنتم أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم ؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع أي لماذا ظلمتم أنفسكم ؟ ولماذا لم تفعلوا مثلما فعل إخوانكم وهاجرتم وانضممتم لموكب الإيمان وموكب الجهاد ؟. ، ولماذا ظللتم في أماكنكم محجوزين ومحاصرين ولا تستطيعون الحركة ولا تستطيعون الفكاك ؟ وتكون إجابة الذين ظلموا أنفسهم : قالوا كنا مستضعفين في الأرض . وبالله عندما يحكى لنا الله هذه الصورة التي تحدث يوم القيامة فهل سيكون عندنا وقت للاستفادة منها ؟. طبعا لا ؛ لأنه لن يكون لنا قدرة الاستدراك لنصحح الخطأ.
والحق حين يقص علينا هذا المشهد فذلك من لطفه بنا، وتنبيه لكل منا : احذروا أن يأتي موقف ويحدث فيه ما أوضحته لكم ولن يستطيع أحد أن يستدرك الحياة ليصنع العمل الطيب. وعلى كل منكم أن يبحث أمر نفسه الآن.
إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض وكلمة كنا مستضعفين في الأرض تفيد أن قوما استضعفوهم، أي أنهم لم يكونوا قادرين على الخروج والهجرة ولا يعرفون السبيل إليها، وخافوا على أموالهم وديارهم، والقوا الذين استضعفوهم قالوا لهم : إن خرجتم لا تأخذوا شيئا من أموالكم. هذه هي بعض مظاهر الاستضعاف. وهنا تقول الملائكة ما يفيد أن هذا الكلام لا يليق ولا ينفع، تقول الملائكة : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها .
وكان هذا تنبيه آخر، وإعلان أن مثل هذا القول ومثل تلك الحجة لا قيمة لها ؛ لأن الذي يمسكه مكانه وماله دون الله إنما هو من وضع وربط يقينه بالأسباب. أما الذي يضع منهج الله فوق مكانه وولده وكل شيء فهذا هو الذي وثق بالله لأنه هو المسبب وهو مانح ومعطي الأسباب.
ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها وهذا القول على لسان الملائكة قادم من القانون الأعلى، فقد خلق الحق الخلق جميعا وأسكنهم في الأرض، وهذه الأرض ليست لأحد دون أحد، فمن يضيق به مكان فليذهب إلى مكان آخر.
وإذا كان الإنسان من ظلمه وجبروته وعتوه قد صنع تحديدا للمكان، فلا ينتقل إنسان من مكان إلى مكان إلا بعد سلسلة طويلة من التعقيدات التي تحول دون الانتقال من مكان إلى مكان، فذلك مناقضة لقضية الخلافة في الأرض ؛ لأن الخلافة لم توزع كل جماعة على أرض ما. ولكن الإنسان، كل إنسان خليفة في الأرض كل الأرض، مصداقا لقول الحق : والأرض وضعها للأنام١٠ ( سورة الرحمن ).
فقد جعل الله الأرض متضعة مسخرة مذللة للإنسان، والأرض هي أي أرض، والأنام هم كل الأنام. وإن لم ينتبه العالم إلى هذه القضية ويجعلها قضية كونية اجتماعية، سيظل العالم في فساد وشقاء. فالذي يجعل الحياة في الأرض فاسدة هو خروج بعض الآراء التي تقول : إن الكثافة السكانية تمنع أن نجد الطعام لسكان بلد ما. يقولون ذلك في حين أن أرضا أخرى تحتاج إلى أيد عاملة، ولذلك نجد أن البشرية أمام وضع مقلوب، فأرض في بلاد تحتاج إلى أناس، وأناس في بلاد يحتاجون إلى الأرض.
ومن الواجب أن تسيح المسألة فتأخذ الأرض التي بلا رجال ما تحتاجه من الرجال من البلاد التي لا أرض فيها. وهذا الضجيج الذي يعلو في الكون سببه أنه يوجد في كون الله أرض بلا رجال ورجال بلا أرض، فإذا ما ضاق مكان بإنسان فله أن يذهب إلى مكان آخر، ولو كان الأمر كذلك لسعدت البشرية، ومن ينقض هذه القضية فعلية أن يعرف أنه يأخذ الخلافة في الأرض بغير شروطها، فالذي يفسد الأمر في الأرض أن الإنسان الخليفة في الأرض نسي أنه خليفة واعتبر نفسه أصيلا في الكون. ومادام قد اعتبر نفسه أصيلا في الكون فهذا هو الفساد :
إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا أم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا٩٧ ( سورة النساء ).
إذن، فإن أقام الإنسان على ضيم ولم يعمل فكره وعقله ولم يطرح قضية الكون أمامه ليرى الأرض التي تسعه فيهاجر فيها فعليه أن يعرف أنه مهدد بسوء المصير ؛ لأن الله قد جعل له الكون كله ليكون فيه خليفة، أما الذين سوف ينجون من هذا العقاب ومن تعنيف الملائكة لهم ساعة الوفاة فهم من يقول عنهم الحق في الآية التالية : إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا٩٨ .

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير