ولما ذكر هلاك الأمم الماضية، خوف من خلفهم بعدهم إلى يوم القيامة، يقال :
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ
قلت : أن لو نشاء :" أن " مخففة، وهي وما بعدها : فاعل يَهدِ أي : أو لم يتبين لهم قدرتنا على إهلاكهم لو نشاء ذلك ؟ وإنما عدى " يهدي " باللام ؛ لأنه بمعنى يتبين، و نطبع : استئناف، أي : ونحن نطبع على قلوبهم.
يقول الحقّ جلّ جلاله : أوَ لم يهدِ أي : يتبين للذين يرثون الأرضَ من بعد أهلها أي : يخلفون من قبلهم ويرثون ديارهم وأموالهم، أن لو نشاء أصبناهم أي : أهلكناهم بذنوبهم بسبب ذنوبهم، كم أهلكنا من قبلهم، لكن أمهلناهم ولم نهملهم، و نحن نَطبَعُ على قلوبهم بالغفلة والانهماك في العصيان، فهم لا يسمعون سماع تدبر واعتبار.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي