ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

يقول الله جل وعلا : أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ١٠٠ [ الأعراف : آية ١٠٠ ].
قوله في هذه الآية الكريمة : أولم يهد للذين قال جمهور علماء التفسير : أولم يهد للذين معناه : أولم يبين للذين ؟ ف( هدى ) تستعمل في معنى ( بين ) ومنها هذه كما روي عن غير واحد من علماء التفسير من الصحابة فمن بعدهم. فمن إطلاق ( هدى ) بمعنى ( بين ) : قوله تعالى : وأما ثمود فهديناهم [ فصلت : آية ١٧ ] أي : بينا لهم على لسان نبينا صالح. فهو هداية بيان لا هداية توفيق، بدليل قوله بعده : فاستحبوا العمى على الهدى الآية. ومن إطلاق ( هدى ) بمعنى البيان والإرشاد : قوله تعالى في الإنسان : إنا هديناه السبيل [ الإنسان : آية ٣ ] أي : بينا له السبيل. وليست هداية توفيق، بدليل قوله بعده : إما شاكرا وإما كفورا وهذا معنى قوله : أولم يهد للذين [ الأعراف : آية ١٠٠ ] أولم يبين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها اعلموا أولا أن هذه الآية الكريمة من الآيات التي تشكل على كثير من المنتسبين للعلم، وتبين معناها ببيان إعرابها وإيضاح موضع الفاعل والمفعول منها، وفي ذلك ثلاثة أوجه معروفة لا يكذب بعضها بعضا :
الأول : أن الفاعل لقوله : أولم يهد للذين ضمير عائد إلى الله أولم هو، أي الله. يبين هو، أي : الله للذين يرثون الأرض من بعد أهلها وعلى هذا فالمفعول في محل المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها في قوله : أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم والمعنى : ألم يبين لهم الله أنه لو شاء إصابتهم بذنوبهم لأصبناهم بها- وكون الفاعل هنا ضميرا يعود إلى الله تدل عليه قراءة بعض السلف : أولم نهد للذين يرثون بالنون، فهي وإن كانت غير سبعية إلا أنها قرأ بها بعض السلف، وهي تفيد في التفسير. وعلى هذا المعنى أن الله بين لهؤلاء الأمم الذين أورثهم الله في الأرض بعد أن أهلك أهلها، بين لهم بإهلاك الظالمين المكذبين للرسل واستخلافهم بعدهم، بين لهم بهذا إصابته لهم بذنوبهم لو شاء أن يصيبهم بها كما أصاب من قبلهم، وهذا وجه لا إشكال فيه.
الوجه الثاني : أن الفاعل في قوله : أولم يهد للذين ضمير عائد على ما كان يذكر من قصص الأمم الماضية، والمعنى : ألم يبين قصص الأمم الماضية من إهلاك الله لها لما كذبت رسلها ألم يبين ذلك للذين يرثون الأرض أن الله قادر على إهلاكهم بذنوبهم كما أهلك من كان قبلهم لما كفروا وكذبوا رسله ؟ وعلى هذين الوجهين فالمصدر المنسبك من ( أن ) المخففة من الثقيلة وصلتها في محل نصب على المفعول به.
الوجه الثالث : أن مفعول ( يهد ) محذوف، وفاعلها هو المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها، والمعنى : أولم يبين للذين يرثون الأرض إصابتنا الأمم الماضية وإهلاكنا إياهم ألم يبين لهم ذلك أنا لو شئنا لأهلكناهم ؟ أولم يبين لهم ذلك وخامة عاقبة أمر من عصى الله ؟
وهذا هو حاصل معنى كلام العلماء في هذه الآية، يدور على أن الله ( جل وعلا ) أهلك الأمم الماضية التي كذبت الرسل كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وبين أن ذلك يدل على أن من أهلكهم بذنوبهم لو شاء لأهلك من جاء بعدهم بذنوبهم كما أهلك الأولين، كما قال تعالى : ألم نهلك الأولين ١٦ ثم نتبعهم الآخرين ١٧ كذلك نفعل بالمجرمين [ المرسلات : الآيات ١٦-١٧ ] وهذا معنى قوله : أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها [ الأعراف : آية ١٠٠ ] معنى : يرثون الأرض من بعد أهلها يخلفون أهلها الذين هلكوا ويسكنون أرضهم بعدهم ؛ لأن هؤلاء الجيل يبيدهم الله فيموتوا فيسكن مواطنهم قوم آخرون، فذلك معنى إيراثهم الأرض بعدهم. فالإرث هنا معناه : انتقال شيء كان عند أحد إلى أحد آخر، ولو لم يكن على سبيل الإرث المعروف ؛ لأن العرب تطلق في لغتها الإرث على مجرد الانتقال من ميت إلي حي كما هو معروف. وهذا معنى قوله : أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها [ الأعراف : آية ١٠٠ ] أي : الذين كذبوا يسكنونها ودمرهم الله.
أن لو نشاء ( أن ) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن كما هو معروف في محله، وخبرها جملة : لو نشاء أصبناهم بذنوبهم أنه أي : الأمر والشأن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم.
اعلموا أن المقرر في علوم العربية أن فعل المشيئة إن اقترن بأداة الشرط فإن مفعوله يحذف لدلالة جزاء الشرط عليه، وتقدير المفعول المحذوف هنا : أن لو نشاء إصابتهم بذنوبهم أصبناهم بذنوبهم. فحذف المفعول لدلالة جزاء الشرط عليه، وربما أظهر نادرا كما قال تعالى : لو أردنا أن نتخذ لهوا لأتخذناه [ الأنبياء : آية ١٧ ] الأغلب أن يقال : لو أردنا لاتخذنا لهوا، ولكنه هنا ذكر مفعول الإرادة مع جزاء الشرط، وذلك يوجد في كلام العرب في بعض الحكم، ومنه قول الشاعر :

ولو شئت أن أبكي دما لبكيته عليك ولكن ساحة الصبر أوسع
هذا معنى قوله : أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم [ الأعراف : آية ١٠٠ ].
قرأ هذا الحرف جماهير القراء غير نافع، وابن كثير، وأبي عمرو : لو نشاء أصبناهم بذنوبهم بتحقيق الهمزتين. وقرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، أن لو نشاء وصبناهم بإبدال الهمزة الثانية واوا، وهما قراءتان سبعيتان صحيحتان ولغتان معروفتان فصيحتان. وصيغة الجمع في قوله : نشاء وفي قوله : أصبناهم كلتاهما للتعظيم. وقوله : أصبناهم أي : بالعذاب، أصبناهم بالعذاب والإهلاك بسبب ذنوبهم، والذنوب : جمع ذنب، والذنب معروف. أهلكناهم بسبب ذنوبهم ككفرهم ومعاصيهم، وهذا معنى قوله : أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم .
وأقرب الأقوال وأصحها في قوله : ونطبع أنها جملة مستأنفة على التحقيق، أي : ونحن نطبع على قلوبهم. والطبع هنا على القلب معناه الختم عليه والاستيثاق منه حتى لا يصل إليه خير ولا يخرج منه شر، فمعنى ( طبع الله على القلوب ) أنه -والعياذ بالله- يختم على قلب المجرم ويطبع عليه بحيث لا يخرج منه شر ولا يدخل إليه خير، كالقارورة إذا ختمتها وطبعت عليها لا يخرج شيء مما فيها، ولا يصل إليها شيء آخر.
وهذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن تصحح عقيدة من عقائد السلف المشهورة التي وقع فيها القيل والقال والخلط الكثير، وذلك لا يخفاكم – أيها الأخوان- أن هذه المسألة التي هي مسألة ( الجبر والاختبار والكسب ) أنها هي أصعب مسألة في دين الإسلام، وأعقد تخلصا على العوام ؛ لأن الناس انقسمت فيها إلى ثلاث طوائف : طائفة ضلت في الإفراط، وطائفة ضلت في التفريط، وطائفة خرج من هضمها حقا صافيا كاللبن يخرج من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين. وهو أفعال العبد ؛ لأن أفعال العبد، وقدرة العبد، وإرادته، هي أصعب شبهة وقعت في دين الإسلام وأعسرها تخلصا. ونحن في بعض المرات نهاب أن نثيرها لئلا يقع منها شيء في قلوب بعض الناس الذين لا يعرفون، فيعسر عليهم التخلص منه، وتارة نستعين بالله ونذكرها ونبينها ليرزق الله الهدى في ذلك وتستنير قلوب من وفقه الله.
اعلموا أولا أن من يتسمون باسم المسلمين من طوائفهم التي هي على الحق والباطل انقسمت في كسب العبد إلى ثلاثة أقسام : فطائفة قالت : إن العبد يخلق أعمال نفسه بلا تأثير لقدرة الله فيها –والعياذ بالله- كالمعتزلة. وهذا المذهب ينصره محمود الزمخشري في تفسيره دائما، يزعم أن الله لا يريد الشر ولا يخلق الشر، وأن الله أنزه من أن يريد الشر، وأن الشر بمشيئة العبد وإرادته وقدرته من غير تأثير لقدرة الله فيه. وهذا –والعياذ بالله- مذهب باطل باطل، صاحبه يريد أن يسلب الله قدرته –سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا- وهذه الطائفة ضلت في التفريط ؛ لأنهم فرطوا في قدرة الله حتى زعموا أنه يقع في ملكه أفعال العبيد من غير قدرته ولا مشيئته ! ! وهذا تفريط في صفات الخالق ( جل وعلا )، فإنه ( جل وعلا ) لا يمكن أن يقع في خلقه تحريكة ولا تسكينة ولا طرفة عين إلا بمشيئته وإرادته ( جل وعلا ) وله الحكمة البالغة في كل ما يشاء. وهذا المذهب الذي يقول : إن العبد يخلق أعمال نفسه بلا تأثير لقدرة الله فيها هو الذي ردت عليه هذه الآية الكريمة الرد الواضح كما ترون ؛ لأن الله إذا بين أنه هو الذي طبع على قلبه فمنعه من سماع الحق لحكمة كيف يقول الإنسان إن ذلك الشر لم يقع بمشيئته ( جل وعلا ) فهذه الآية وأمثالها ترد ردا صريحا على مذهب المعتزلة أقوى رد وأعظمه، فهم ينتحلون شبها وتأويلات كل عاقل يعرف أنها باطلة.
المذهب الثاني : هو مذهب الجبرية، وهؤلاء ضلوا بالإفراط حيث زعموا أن العبد لا تأثير له ولا فعل له، وأن هذا كله فعل الله، وأن الله لا يعذب العبد بذنب ؛ لأن الله هو الذي شاءه وقدره عليه، وهذا من أخطر الباطل كما ترون.
المذهب الثالث الذي هو الحق : مذهب المسلمين وسلف هذه الأمة وجماعتها : أن العبد خلق الله له قدرة وإرادة، وله مشيئة وفعل يختار ويفعل ويقدر، إلا أن قدرة الله وإرادته تصرفان قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به العلم الأزلي فيأتيه طائعا مختارا.
وهنا سنة سنتكلم عليها لعل الله ينفع بها، فلنضرب مثلا : مناظرة للجبري ومناظرة لقدري :
أما مناظرة الجبري فانقطاعه فيها قريب، وهي واضحة ؛ لأن الجبري لو قال : أنا لا فعل لي، وهذا فعل الله، وأنا لا أوخذ بشيء من ذلك، لأن الله فعل هذا ولا ذنب لي. فإنك لو فقأت عينه، أو ضربته ضربا مؤلما، أو قتلت ولده لا يجعل لك القدر حجة، ولا يقول : هذا فعل الله وأنت بريء، لا وكلا، بل يسارع كل المسارعة في ضربك وقذفك والانتقام منك مصرحا بأن هذا فعلك ! ! وانقطاعه قريب.
وأما المشكلة القوية فهي مشكلة المعتزلة الذين يزعمون أن العبد يخلق أعمال نفسه بلا تأثير لقدرة الله فيها. وسنبين لكم إن شاء الله الجواب عنها موضحا من كتاب الله :
اعلموا أولا أنا لو فرضنا رجلا يعتنق هذا المذهب ورجلا من أهل السنة يتناظران، فقال معتنق هذا المذهب : إن كانت ذنوبي التي أآخذ عليها بمشيئة الله، ولست مستقلا بمشيئتي، فمن أي وجه هو يشاء الذنب فيعذبني أنا عليه ؟ وأنا غير مستقل المشيئة، إذ لو كنت مستقل المشيئة لما فعلت إلا ما يرضيه، وقد كتب على البعيد قبل وجوده أنه يرتكب هذا الكفر وهذا الذنب، ولا بد أن يرتكبه ؛ لأن علم الله لا يتغير، وما سبق في علمه الأزلي لا بد أن يقع ؛ لأن علمه لا يستحيل جهلا. فيقول : إذا كان الله قدر عليه -عياذا بالله- أنه يكفره ويعصيه، ولا قدرة له على التخلص من قدرة الله، فبأي ذنب يؤخذ ؟ وأي استقلال له في فعله حتى يؤخذ عليه ؟ ! هذه حجته وأقصى شبهته.
فيقول له السني : جميع الأسباب التي أعطى الله للمهتدين الذين اهتدوا بسببها أعطاكها جميعها، إلا شيئا واحدا هو الذي حصل به الفرق، ولا حجة لك فيه ألبتة على ربك، فإن هؤلاء الذين اهتدوا، وأطاعوا الله، ودخلوا الجنة، جميع أسباب الهدى التي اهتدوا بها كما أعطاهم الله أعطاك، فالعيون التي أصابوا بها آيات الله، واستدلوا بها على قدرته وعظمته، وأنه الرب المعبود وحده أعطاك عينين مثلها، وكذلك القلوب التي عقلت عن الله، وأدركت وحي الله، وصارت سببا للإيمان أعطاك مثلها، فجميع أنواع الأسباب التي أعطاها الله لل

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير