ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒ

أو كراهية أن تقولوا : إنما أشرك آباؤنا من قبلُ وكنا ذرية من بعدهم فاقتدينا بهم، أفتُهلكنا بما فعل المبطِلُون ، يعني : آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك، ولا بد من حذف كلام هنا لتتم الحجة، والتقدير : أخذنا ذلك العهد في عالم الأرواح، وبعثنا الرسل يجددونه في عالم الأشباح، كراهة أن تقولوا : إنا كنا عن هذا غافلين، ويدل على هذا قوله تعالى : وَمَا كُنَّا مُعَذِبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً. . . [ الإسرَاء : ١٥ ] الآية. وقوله : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ [ النساء : ١٦٥ ]، ولا يكفي مجرد الإشهاد الروحاني في قيام الحجة ؛ لأن ذلك العهد نسيته الأرواح حين دخلت في عالم الأشباح، فلا تهتدي إليه إلا بدليل يُذكرها ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أَخَذَ الحقّ جلّ جلاله العهد على الأرواح أن تعرفه وتُوحده مرتين، أحدهما : قبل ظهور الكائنات، والثاني : بعد ظهورها. والأول أخذه عليها في معرفة الربوبية، والثاني تجديدًا له مع القيام بآداب العبودية. قال بعضهم : أخذ الأول على الأرواح يوم المقادير، وذلك قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم أخذ الثاني على النفوس بعد ظهورها في عالم الأشباح، كما نبهت عليه الآية والأحاديث.

وقال ابن الفارض في تائيته :

وَسَابِقِ عَهْدٍ لَمْ يَحُل مُذ عَهِدتُهُ ولا حِقِ عَقدٍ جَلَّ عَنْ حَلِّ فتْرَهِ
قال القاشاني : أراد بالعهد السابق : ما أخذه الله على الأرواح والإنسانية المستخرجة من صلب الروح الأعضم، الذي هو آدم الكبير، في صور المثل، قبل تعلقها بالأشباح، وهو عقد المحبة بين الرب والمربوب، في قوله سبحانه : وإذ أخذ ربك... الآية. وبالعهد اللاحق : ما أخذه عليهم بواسطة الأنبياء، من عقد الإسلام بعد التعلق بالأبدان، وهو توكيدٌ للعهد الأول، وتوثيقه بالتزام أحكام الربوبية والتزامها. هـ. وقال في الحاشية : كلام ابن الفارض ينظر إلى العهد الأول، الروحاني، وكلام غيره ينظر إلى الثاني النفساني، وهو ظاهر الآية. هـ. قلت : وفيه نظر، فإن كلام ابن الفارض مشتمل على العهدين معًا، الروحاني في الشطر الأولى، والنفساني في الشطر الثاني.
والحاصل مما تقدم : أن العهد أخذ على الأرواح ثلاث مرات، أحدها : حين استخرجت من صلب الروح الأعظم الذي هو آدم الكبير، وهو معنى القبضة النورانية، التي آخذت من عالم الجبروت. والثاني : حين استخرجت من صلب آدم الأصغر، كالذر، والثالث : حيث دخلت في عالم الأشباح، على ألسنة الرسل، ومن ناب عنهم، فالمذكور في الآية هو الثاني، وهو أحسن من حَملِ القاشاني الآية على الأول.
فالحاصل : أن الأخذ الأول كان على الأرواح مجردة عن مادة التطوير والتمثيل، بإقرارها إقرار النفوس، لا إقرار الألسنة، والأخذ الثاني كان على الأرواح بعد خروجها من الوجود العلمي إلى الوجود العيني، فتطورت الأرواح بصفاتها الذاتية، من سمع وبصر ولسان وغيرها، في عالم المثال، بصور مقالية ؛ لتُبصر بها ظهور الرب، وتسمع خطابه، وتجيب سؤاله، بإقرارها حينئذٍ إقرار الألسنة، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية. وأما العهد الذي أخذه عليها، فلا بد من انضمامه إِلى الأوَّلَين في قيام الحجة، كما تقدم.
فالموجدات ثلاث : علمي، ثم خيالي مثالي، ثم نوعي حسي. فَأُخِذَ على كل واحد عهد ؛ من الأَوَّلَيْنِ بلا واسطة، والثالث بواسطة الرسل. والله تعالى أعلم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير