المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه هدايته للبشر بإرسال الرسل وإنزال الكتب في قصة بني إسرائيل قفى على ذلك بذكر هدايته لهم بما أودع في فطرتهم وركّب في عقولهم من الاستعداد للإيمان به وتوحيده وشكره منذ النشأة الأولى ـ فهو سبحانه بعد أن أظهر تمادي هؤلاء اليهود في الغي بعد أخذ الميثاق الخاص الذي دل عليه قوله : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة .
وقوله : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور [ البقرة : ٦٣ ] ذكر هنا أنهم نقضوا أيضا الميثاق العام الذي أخذه على بني آدم جميعا وهم في صلب آدم، وأشركوا بالله وقالوا : عزير ابن الله.
الإيضاح : أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون أي أو تقولوا في ذلك اليوم : إن آباءنا اخترعوا الإشراك وسنوه من قبل زماننا وكنا جاهلين ببطلان شركهم، فلم يسعنا إلا الاقتداء بهم ولم نهتد إلى التوحيد، أفتؤاخذنا فتهلكنا اليوم بالعذاب بما فعله المبطلون من آبائنا المضلين، فتجعل عذابنا كعذابهم، مع عذرنا بتحسين الظن بهم ؟.
والخلاصة : إن الله لا يقبل منهم الاعتذار بتقليد الآباء والأجداد، إذ التقليد عند قيام الدلائل والقدرة على الاستدلال بها مما لا يركن إليه ولا ينبغي لعاقل أن يلجأ إليه، كما أن الاعتذار بالجهل بعد ما أقام عليهم من البينات الفطرية والعقلية مما لا يقبل.
تفسير المراغي
المراغي