قوله : أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ معطوف على تَقُولُواْ الأوّل أي : فعلنا ذلك كراهة أن تعتذروا بالغفلة، أو تنسبوا الشرك إلى آبائكم دونكم، و أَوْ لمنع الخلوّ دون الجمع، فقد يعتذرون بمجموع الأمرين مِن قَبْلُ أي : من قبل زماننا وَكُنَّا ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ لا نهتدي إلى الحق، ولا نعرف الصواب أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون من آبائنا، ولا ذنب لنا لجهلنا وعجزنا عن النظر، واقتفائنا آثار سلفنا، بين الله سبحانه في هذه الحكمة التي لأجلها أخرجهم من ظهر آدم، وأشهدهم على أنفسهم، وأنه فعل ذلك بهم لئلا يقولوا هذه المقالة يوم القيامة، ويعتلوا بهذه العلة الباطلة، ويعتذروا بهذه المعذرة الساقطة.
«لما خلق الله الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى وكلتا يدي الرحمن يمين، فقال : يا أصحاب اليمين، فاستجابوا له فقالوا : لبيك ربنا وسعديك، قال : ألست بربكم قالوا : بلى» الحديث. والأحاديث في هذا الباب كثيرة، بعضها مقيد بتفسير هذه الآية، وبعضها مطلق يشتمل على ذكر إخراج ذرية آدم من ظهره، وأخذ العهد عليهم، كما في حديث أنس مرفوعاً في الصحيحين وغيرهما. وأما المروي عن الصحابة في تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من صلبه في عالم الذرّ، وأخذ العهد عليهم وإشهادهم على أنفسهم فهي كثيرة، منها عن ابن عباس، عند عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، في قوله : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى آدَمَ الآية قال : خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنه ربه، وكتب أجله ورزقه، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر، فأخذ مواثيقهم أنه ربهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصيباتهم. وأخرج نحوه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وأخرج نحوه عنه أيضاً ابن جرير، وابن المنذر. وأخرج نحوه عنه عبد الرزاق وابن المنذر. وأخرج نحوه عنه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن منده. وهذا المعنى مروي عنه من طرق كثيرة غير هذه موقوفة عليه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الله بن عمر في قوله : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى آدَمَ الآية قال : أخذهم كما يأخذ المشط من الرأس. وأخرج ابن عبد البرّ في التمهيد عن ابن مسعود، وناس من الصحابة في تفسير الآية نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في رواية المسند، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن منده، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، والضياء في المختارة، وابن عساكر في تاريخه، عن أبيّ بن كعب في قوله : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى آدَمَ الآية قال : جمعهم جميعاً فجعلهم أرواحاً في صورهم، ثم استنطقهم فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، ثم أشهدهم على أنفسهم.
وقد روي عن جماعة ممن بعد الصحابة تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من ظهره، وفيما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسيرها مما قدمنا ذكره ما يغني عن التطويل.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني