ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒ

ويتابع المولى سبحانه : وتعالى قوله : أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( ١٧٣ ) .
كأن الحق يريد أن يقطع عليهم حجة مخالفتهم لمنهج الله، فينبه إلى عهد الفطرة والطبيعة والسجية المطمورة في كل إنسان ؛ حيث شهد كل كائن بأنه إله واحد أحد، ويذكرنا سبحانه بهذا العهد الفطري قبل أن توجد أغيار الشهوات فينا.
ألست بربكم قالوا بلى وهل كان أحد من الذر وهو في علم الله وإرادته وقدرته يجرؤ على أن يقول : لا لست ربي ؟. طبعا هذا مستحيل، وأجاب كل الذر بالفطرة " بلى ". وهي تحمل نفي النفي، ونفي النفي إثبات مثل قوله الحق : ألست بأحكم الحاكمين ٨ ( الآية ٨ سورة التين ) : و " أليس " للاستفهام عن النفي ؛ ولذلك يقال لنا : حين تسمع " أليس " عليك أن تقول " بلى " وبذلك تنفي النفي أي أثبت أنه لا يوجد أحكم الحاكمين غيره سبحانه، وهنا يقول الحق : " ألست بربكم " ؟ وجاءت الإجابة : بلى شهدنا. ولماذا كل ذلك ؟ قال الحق ذلك ليؤكد لكل الخلق أنهم بالفطرة مؤمنون بأن الله هو الرب، والذي جعلهم يغفلون عن هذه الفطرة تحرُّك شهواتهم في نطاق الاختيار إن سألتهم من خلقهم ؟ يقولون : الله، ومادام الله هو الذي خلقهم فهو ربهم.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
( من الآية ٦١ سورة العنكبوت ) : وجاء الحق بقصة هذه الشهادة حتى لا يقولَنَّ أحد : إنما أشرك آباؤنا من قبل .
وبذلك نعلم أن أعذار العاصين وأعذار الكافرين التي يتعللون ويعتذرون بها تنحصر في أمرين اثنين : الغفلة عن عهد الذر، وتقليد الآباء.
وما الغفلة ؟ وما التقليد ؟. الغفلة قد لا يسبقها كفر أو معصية، ويقلدها الناس الذين يأتون من بعد ذلك. والمثال الواضح أن سيدنا آدم عليه السلام قد أبلغ أولاده المنهج السوي المستقيم لكنهم غفلوا عنه ولم يعد من اللائق أن يقول واحد منهم إن أباه قد أشرك. ولكن جاء هذا الأمر من الغفلة، ثم جاء إشراك الآباء في المرحلة الثانية ؛ لأن كل واحد لو قلد أباه في الإشراك ؛ لانتهى الشرك إلى آدم، وآدم لم يكن مشركا، لكن الغفلة عن منهج الله المستقيم حدثت من بعض بني آدم، وكانت هذه الغفلة نتيجة توهم أن هناك تكاليف شاقة يتطلبها المنهج، فذهب بعض من أبناء آدم إلى ما يحبون وتناسوا هذا المنهج ولم يعد في بؤرة شعورهم ؛ لأن الإنسان إنما ينفذ دائما الموجود في بؤرة شعوره. أما الشيء الذي سيكلفه مَشَقّة فهو يحاول أن يتناساه ويغفل عنه، هكذا كانت أول مرحلة من مراحل الانفصال عن منهج الله وهي الغفلة في آبائهم. وهنا يضاف عاملان اثنان عامل الغفلة، وعامل الأسوة في أهله وآبائه. ولم تكن القضايا الإيمانية في بؤرة الشعور، ولذلك يقال : الغالب ألا ينسى أحد ما له ولكنه ينسى ما عليه ؛ لأن الإنسان يحفظ ما له عند غيره في بؤرة الشعور، ويُخرج الإنسان ما عليه بعيدا عن بؤرة الشعور. ولأن البعض قد يتصور أن في التكليف الإيماني مشقة، لذلك فهو يحاول أن يبعد عنه وينساه، وكذلك يحاول هذا البعض أن ينأى بنفسه عن هذه التكاليف.
ونأخذ المثل من حياتنا : قد نجد إنسانا مدينا لمحل بقالة أو لنجَّار وليس عنده مال يعطيه له، لذلك يحاول أن يبتعد عن محل هذا البقال، أو أن يسير بعيدا عن أعين النجار. وهكذا يكون افتعال الغفلة في ظاهره هو أمرا مَنْجِيّا من مشقات التكاليف، لكن البشر في ميثاق الذر قالوا : بلى شهدنا .
وقد أُخِذ ذلك العهد عليهم، وأقروا به واستشهد الحق بهم، على أنفسهم حتى لا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين لأنه لا يصح أن نغفل عن هذا العهد أبدا، ولكنّ الحقّ تبارك وتعالى عَرَف أننا بشر، وقال في أبينا آدم : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ( من الآية ١١٥ من سورة طه ).
ومادام آدم قد نسي، فنسيانه يقع عليه حيث بيّن وأوضح لنا الإسلام أن الأمم السابقة على الإسلام تؤخذ بالنسيان، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر واضح : فقال عليه الصلاة والسلام :" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )١.
والخطأ معلوم، كأن يقصد الإنسان شيئا ويحدث غيرُه، والنسيان ألا يجئ الحكم على بال الإنسان. والمكره هو من يقهره من هو أقوى منه بفقدان حياته أو بتهديد حريته وتقييدها ما لم يفعل ما يؤمر به، وفي الحالات الثلاث يرفع التكليف عن المسلم. وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أكرم الأمة المحمدية بصفة خاصة برفع ما ينساه المسلم. وهذا دليل على أن من عاشوا قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يؤاخذون به. وإذا سلسلنا ما قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نصل إلى سيدنا آدم الذي خُلق بيد الله المباشرة، بينما نحن أبناء آدم مخلوقين بالقانون ؛ أن يوجد رجل وتوجد امرأة وتوجد علاقة زوجية فيأتي النسل.
وقد كلف الله آدم في الجنة التي أعدها له ليلتقي التدريب على عمارة الأرض بأمر ونهي ؛ فقال له سبحانه وتعالى : وكُلا مِنْها رغدًا حيْثُ شِئْتُما ولا تقْربا هذِهِ الشّجرة ( من الآية ٣٥ سورة البقرة ).
إذن فقصارى في كل تكليف هو أمر في " افعل "، ونهي في " لا تفعل ؛، وقد نسي آدم التكليف في الأمر الواحد البسيط وهو المخلوق بيد الله والمكلف منه بأمر واحد أن يأكل حيث يشاء ويمتنع عن الأكل من الشجرة، وإن لم يتذكر آدم ذلك، فما الذي يتذكره ؟ وما كان يصح أن ينسى لأنه مخلوق بيد الله المباشرة، ومكلف من الله مباشرة، والتكليف وإن كان بأمرين ؛ لكن ظاهر العبء فيه على أمر واحد ؛ الأكل من حيث شاءا هو أمر لمصلحة آدم، و " لا تقرب " هو تكليف واحد.
ولذلك قال الحق في آية أخرى : وعصى آدم ربه فغوى ( من الآية ١٢١ سورة طه ) : وهو عصيان لأنه نسيان لأمر واحد، ما كان يصح أن ينساه. لعدم تعدده ويقول الحق تبارك وتعالى : أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( ١٧٣ ) ( سورة الأعراف ).
جاء هذا القول لينبهنا إلى أن الغفلة لا يجب أن تكون أسوة لأن التكاليف شاقة، والإنسان قد يسهو عنها فيورث هذا السهو إلى الأجيال اللاحقة فيقول الأبناء : أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ .
وهذا يعين أن إيمانهم هو إيمان المقلد، رغم أن الحق قد أرسل لهم البلاغ، وإذا كان الآباء مبطلين للبلاغ بالمنهج فلا يصح للأبناء أن يغفلوا عن صحيح الإيمان.

١ أخرجه ابن ماجة وابن حبان، والدار قطني والطبراني والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير