ذرأنا: خلقنا. الجن: خلاف الإنس الفقه: العلم بالشيء والفهم به. ويرد في القرآن الكريم المعنى دقة الفهم والتعمق في العلم.
بعد ان أمر الله تعإلى نبيه الكريم ان يقصّ خبر ذلك ضلّ على علم منه، يقصَّه الى أولئك الضالين لعلهم يهتدون ويتركون ما هم عليه من الإخلاد الى الضلالة، والكفر - بيّن هنا ان أسباب الهدى والضلال ينتهيان للمستعدّ لأحدهما الى إحدى الغايتين بتقدير الله والسيرِ على سنّته في استعمال مواهبه الفطرية، وان الهدى هدى الله.
فمن يوفقه الله لسلوك سبيل الحق فهو المهتدي حقا، الفائز بسعادة الدارين؛ ومن يُحرم من هذا التوفيق بفعل سيطرة هواه فهو الضال خسِر سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
ثم فصّل سبحانه ما أجملَه في الآية السالفة مع بيان سببه فقال:
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ.
ولقد خلقْنا كثيراً من الجن والإنس مآلهم النار يوم القيامة. وتتساءل لماذا؟ فتأتي الإجابة: لأن لهم قلوباً لا يَنقُذون بها الى الحق، وأَعيُناً لا ينظرون بها دلائل القدرة، وآذاناً لا يسمعون بها الآيات والمواعظ سماعَ تدبُّرٍ واتعاظ، أفليس أصحاب هذه الصفات كالبهائم، ما داموا لم ينتفعوا بما وهبهم الله من عقول للتدبر، بل الحقّ إنهم أضل منها، فالبهائم تسعى الى ما ينفعها، وتهرب مما يضرها، وهؤلاء لا يدركون ذلك، فيظلون غافلين عما فيه صلاحهم في الدارين.
ثم بعد ذلك ذكرت الآيات الدواء لتلك الغفلة والوسائل التي تخرج الى ضدها وهي ذِكْر الله ودعاؤه في السرّ والعلَن في جميع الأوقات.
ولله دون غيره الأسماءُ الدالة على أكمل الصّفات فاذكروه بها، دعاءً ونداءً وتسمية، واتركوا جميع الذين يلحدون في أسمائه فيما لا يليق بذاته العلّية، لأنه سيلقَون جزاءَ علمهم، وتحلُّ بهم العقوبة.
وللذِكر فوائد، منها: تغذية الإيمان، ومراقبة الله تعالى والخشوع له والرغبة فيما عنده، ونسيان آلام الدنيا. وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على الدعاء والالتجاء الى الله، منها الحديث الصحيح: «من نزل به غَم او كربٌ، أو أمرٌ مهم فليقل: لا إله الا الله العظيم الحليم، لا إله الا الله ربّ العرش العظيم، لا إله الا الله ربّ السماوات والأرض ورب العرش الكريم» رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
وروى الحاكم في (المستدرك) عن أَنس رضي الله عنهـ قال: قال رسول الله ﷺ لفاطمة رضي الله عنها: «ما يمنعكِ أن تسمعي ما أُوصيكِ به؟ ان تقولي إذا أصبحتِ وإذا أمسيتِك يا حيّ يا قيّوم، برحمتِكَ أَسغيث، أصلحْ لي شأني، ولا تكِلْني إلى نفسي طرفة عين».
ثم بيّن وصْف أُمة الإجابة، وهي الأمة الاسلامية، الذين أجابوا وأطاعوا وهدوا بالحق وبه يَعدِلون.
وممن خلَقْنا للجنة طائفةٌ يدعون غيرهم للحق بسبب حُبِّهم له، ويدلّون الناس على الاستقامة، وبالحق يحكمون.
أخرج ابنُ جَرير وابن المنذِر وأبو الشيخ عن ابن جُريج قال: ذَكر لنا النبي ﷺ قال: «هذه أمتي، بالحق يحكُمون ويقضون ويأخذون ويعطون».
فهذه الأمة الثابتة على الحق، هي الحارسة لأمانة الله في الأرض، الشاهدة بعهده على الناس. وفي الحديث الصحيح: «لا تزلا طائفةٌ من أمّتي ظاهرين على الحق».
تيسير التفسير
إبراهيم القطان